لنا ذاكرة، مجتمع

باحث يفكك مخططات الاستعمار لتقزيم خريطة المغرب ويبرز 4 مرتكزات للسيادة على الصحراء

باحث يفكك مخططات الاستعمار لتقزيم خريطة المغرب ويبرز 4 مرتكزات للسيادة على الصحراء

فكك الدكتور عدنان بنصالح، الباحث في التاريخ ومدير فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالصويرة، المخططات الاستعمارية التي استهدفت تقزيم الخريطة المغربية وفصل المملكة عن عمقها الإفريقي، مؤكدا أن الروابط التي تجمع الأقاليم الصحراوية بالمغرب الأقصى تشكل قضية وجودية للأمة المغربية قاطبة وتجسد وحدة أقطار المغرب الكبير، ومشددا على أن هذه الروابط تمتد لقرون من التلاحم السياسي والديني والروحي.

وأوضح الباحث، خلال ندوة فكرية بمدينة الصويرة، أمس السبت، أن الوحدة الترابية للمملكة ظلت ثابتة منذ عهد الدولة المرابطية مع يوسف بن تاشفين ومن تعاقبوا بعده، وامتدت مرورا بالموحدين الذين وسعوا الرقعة الجغرافية لتشمل الأندلس وأجزاء من تونس، ثم المرينيين الذين عززوا هذه الوحدة بالعلم وتأسيس المدارس، وصولا إلى السعديين الذين اختاروا التوجه نحو العمق الإفريقي جنوبا، لتترسخ بشكل أعمق مع الدولة العلوية انطلاقا من تافيلالت، حيث اعتبر السلاطين أنفسهم أمراء للمؤمنين وحماة للوحدة الترابية من أي اختراق أجنبي.

وكشف المتحدث أن الخريطة المغربية تعرضت لتقلص مستمر جراء التدخل الاستعماري، حيث تختلف خريطة عهد المولى سليمان عن عهود المولى عبد الرحمن بن هشام والمولى الحسن والمولى يوسف. وأبرز أن المغرب أرجأ الحسم في موضوع حدوده الشرقية احتراما لمبدأ حسن الجوار وتقديرا لروح الكفاح التي خاضها الجزائريون ضد الاستعمار الفرنسي، غير أن هذا الموقف اصطدم بصعوبة استرجاع مناطق شاسعة كبشار وتندوف وتوات والقنادسة، مما دفع المغرب لاحقا إلى التركيز على استكمال وحدته في الواجهة الجنوبية.

وأشار الباحث إلى أن الدفاع عن مغربية الصحراء يستند إلى أربع دعائم تاريخية صلبة، أولها الروابط الروحية والمذهبية المتجلية في وحدة العقيدة والمذهب المالكي والتصوف وقراءة نافع. واستدل في هذا السياق بندوة “الإمام مالك” التي نظمت أوائل الثمانينيات، والتي شهدت مشاركة واسعة لعلماء من شنقيط والساقية الحمراء ووادي الذهب، إلى جانب علماء من مالي والنيجر ونيجيريا والسودان، مما يؤكد الامتداد الروحي للمغرب في عمقه الصحراوي والإفريقي.

وتابع الأكاديمي ذاته مفصلا في الرابط الثاني المتمثل في بيعات القبائل الصحراوية لسلاطين المغرب، مؤكدا أنها بيعات مكتوبة وموثقة تاريخيا استمرت لقرون. وسجل في هذا الصدد التوافد المستمر لوفود أعيان وعلماء الصحراء لتجديد ولائهم للعرش العلوي، مستحضرا الوفد الشنقيطي الرسمي الذي قدم لتهنئة الملك الراحل محمد الخامس مباشرة بعد عودته من المنفى، كدليل قاطع على استمرار رابطة البيعة رغم محاولات التقسيم.

وأبرز بنصالح أن الصلات العلمية شكلت الرابط الثالث الذي أرسى جسرا متينا بين الشمال والجنوب، حيث كانت جامعة القرويين ومختلف الحواضر بمثابة وجهة لعلماء الصحراء بحثا عن المعرفة والإفتاء، في حين شكلت الزوايا في الصحراء امتدادا للمدرسة المغربية. وذكر في هذا السياق مساهمات شخصيات تاريخية كعبد الله بن ياسين ووجاج بن زلو وأبي بكر الحضرمي، بالإضافة إلى يوسف بن تاشفين الذي تخلى عن الحكم ليتفرغ لنشر المذهب المالكي في أعماق الصحراء.

وتطرق المحاضر إلى الروابط التجارية باعتبارها الرابط الرابع، موضحا أن المسارات الرابطة بين العمق الإفريقي والمغرب شكلت شريانا اقتصاديا حيويا، حيث كانت منطقة “أقا” وغيرها أسواقا رئيسية تستقبل القوافل. وكشف أن الاستعمار أدرك خطورة هذا التلاحم، فتدخل لقطع هذا الشريان وفرض عزلة على المنطقة، وهو ما تجلى في ظهور مصطلح “الصحراء الإسبانية” وتكريسه عبر مراسيم في الخمسينيات، في تواطؤ مكشوف بين فرنسا وإسبانيا لخلق كيان عازل.

وأكد الباحث أن محاولات التجزئة واجهها المغاربة برابط الدفاع المشترك، مبرزا أن أبناء الصحراء انخرطوا في مقاومة مسلحة شرسة ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني. وذكر المتحدث بوقوع العشرات من المعارك الطاحنة، كمعارك المسيد والكويرة والسمارة والطرفاية وتندوف، التي كبدت الجيوش الاستعمارية خسائر فادحة، مشددا على أن جيش التحرير تشكل من مقاومين ينحدرون من مختلف القبائل الصحراوية إلى جانب متطوعين من باقي مناطق المملكة.

وخلص المتحدث إلى أن استكمال الوحدة الترابية يمثل مسارا حتميا لترميم الكيان المغربي، محذرا من أن الخصوم، بما فيهم دول ومنظمات تأسست لضرب هذه الوحدة، عملوا طيلة عقود على توظيف الانفصال وتأسيس كيانات وهمية بهدف استنزاف إمكانيات المغرب. وشدد على أن تفكيك هذه الجغرافيا الصحراوية يعني تحويلها إلى منطقة معزولة ومحاصرة، ومجرد أداة لابتزاز المغرب وعرقلة مساره التنموي والدفاعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *