منتدى العمق

الصحراء المغربية بعد تعثر تجديد المينورسو: انتكاسة للموقف الجزائري وتحول في موازين المسار الأممي

إبراهيم الخياطي

لم يكن إخفاق مجلس الأمن الدولي، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروع قرار جديد بشأن بعثة المينورسو مجرد تعثر إجرائي عابر، بل عكس عمق التحولات التي باتت تطبع التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية، وكشف عن اتساع الهوة بين المقاربة التي تدافع عنها الجزائر وجبهة البوليساريو، وبين المسار الدبلوماسي الذي بات يمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية موقعاً مركزياً في جهود البحث عن تسوية سياسية.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، وجدت المينورسو نفسها أمام نهاية ولايتها في 31 أكتوبر 2026، بعدما فشل مجلس الأمن في تمرير مشروعين متنافسين: الأول أمريكي اصطدم بالفيتو الروسي رغم حصوله على تأييد 11 عضواً، والثاني روسي لم يتمكن من بلوغ النصاب المطلوب، بعدما حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت واحد معارض و11 امتناعاً.

هذه النتيجة لا تعني انتصاراً قانونياً نهائياً لطرف على حساب آخر، لكنها تكشف بوضوح عن أزمة المقاربة الأممية التقليدية، وعن صعوبة استمرار تدبير النزاع بالآليات نفسها التي رافقته منذ سنة 1991، دون تحقيق الغاية الأساسية التي أُنشئت البعثة من أجلها.

الجزائر تعلن أسفها… ومؤشرات التباين الدبلوماسي تتسع

في رد فعل رسمي، أعربت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية عن بالغ أسفها لعدم تجديد ولاية المينورسو، واعتبرت أن مشروع القرار الأمريكي انحاز بصورة مفرطة للمغرب، وأن الصيغة المقترحة أفرغت، من وجهة نظرها، مبدأ تقرير المصير من مضمونه، خصوصاً مع اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات.

كما انتقدت الجزائر حذف حرف «R» المرتبط بكلمة Referendum من التسمية المقترحة للبعثة، معتبرة ذلك إشارة سياسية إلى تراجع خيار الاستفتاء، وحذرت من تحويل طبيعة النزاع من قضية تصفية استعمار إلى ملف ذي أبعاد سياسية وإنسانية.

غير أن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمون الاعتراض، بل في دلالته السياسية؛ فالجزائر، التي ظلت لسنوات تدافع عن الإبقاء على المرجعية التقليدية للمسار الأممي، تجد نفسها اليوم أمام واقع دبلوماسي تتزايد فيه مركزية المقترح المغربي، بعدما أصبح الحكم الذاتي أساساً معلناً للمفاوضات في قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025.

وبذلك، فإن رد الفعل الجزائري يعكس صعوبة تقبل التحول في مرجعيات النقاش الدولي، خصوصاً أن المعركة لم تعد مقتصرة على المطالبة بتمديد بعثة أممية، بل امتدت إلى طبيعة الحل السياسي الذي ينبغي أن يؤطر المرحلة المقبلة.

القرار 2797… محطة مفصلية في ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي

تكتسب التطورات الأخيرة أهميتها من السياق الذي سبقها، ولا سيما القرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.

فقد نص القرار على تمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، كما أكد دعم مجلس الأمن للأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

والأكثر أهمية أن القرار دعا الأطراف إلى الانخراط في المناقشات دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية، وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتحقق.

هذا التطور منح الدبلوماسية المغربية مكسباً سياسياً مهماً، لأنه نقل المبادرة المغربية من مجرد مقترح مقدم منذ سنة 2007 إلى مرجعية مركزية في صياغة المفاوضات الأممية.

ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن القرار نفسه أبقى على هدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف، مرتبط بممارسة حق تقرير المصير؛ لذلك فإن تكريس الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات لا يعني أن مجلس الأمن أعلن تسوية نهائية للنزاع أو حسم مسألة السيادة بصورة قانونية نهائية.

إخفاق المشروعين… أزمة في المقاربة القديمة

تكشف نتائج التصويت الأخير عن مفارقة دبلوماسية لافتة: الولايات المتحدة قدمت مشروعاً لإعادة تشكيل مهمة المينورسو وتغيير طبيعة عملها، بينما سعت روسيا إلى تمديدها بصيغتها القائمة، لكن أياً من المشروعين لم يتمكن من الحصول على موافقة المجلس.

روسيا، باستعمالها حق النقض، حالت دون اعتماد المشروع الأمريكي، في حين فشل المشروع الروسي بسبب عدم حصوله على الأصوات التسعة المطلوبة.

وهذا يعني أن مجلس الأمن لم يتوصل إلى توافق بشأن مستقبل البعثة، وأن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى معالجة سياسية ومؤسساتية مختلفة، خصوصاً في ظل التباين بين القوى الكبرى حول شكل المهمة الأممية ودورها.

أما بالنسبة للجزائر، فإن هذه النتيجة تمثل انتكاسة دبلوماسية للمقاربة التي كانت تراهن على استمرار الإطار التقليدي للمينورسو، لكنها لا تعني أن الموقف الجزائري اختفى من الساحة الدولية أو أن النزاع انتهى تلقائياً.

المغرب يطرح مرحلة جديدة: من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية

بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 أعطى للتطورات أبعاداً سياسية أوسع، إذ اعتبر عدم تجديد ولاية المينورسو خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.

كما دعا إلى وضع حد لإحالة الملف على مجلس الأمن وسحب القضية من جدول أعماله، وإنهاء الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بها.

ويعكس هذا الموقف توجهاً مغربياً نحو تجاوز منطق تدبير النزاع الذي استمر لعقود، والانتقال إلى مرحلة ترتكز على المكتسبات الدبلوماسية ومبادرة الحكم الذاتي، مع مواصلة العمل على المستوى الثنائي والإقليمي والدولي.

لكن سحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن يظل مرتبطاً بإجراءات وقرارات داخل الأمم المتحدة، ولا يتحقق بمجرد إعلان موقف وطني. كما أن مجلس الأمن كان قد قرر في القرار 2797 أنه سيظل متابعاً للقضية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على تطورات سياسية جديدة.

نهاية ولاية المينورسو… وأسئلة المرحلة المقبلة

مع حلول فاتح نونبر 2026، تكون الولاية التي حددها القرار 2797 قد انتهت، دون اعتماد قرار جديد يمدد مهمة البعثة.

وهذا يضع الأمم المتحدة أمام تحديات عملية تتعلق بمستقبل وجود المينورسو وترتيبات الانسحاب، فضلاً عن آليات مراقبة وقف إطلاق النار وخفض التوتر في المنطقة.

فانتهاء التفويض لا يعني تلقائياً أن جميع الموظفين والمقار والمنشآت أصبحت غير قانونية في لحظة واحدة، كما لا يعني اختفاء المنطقة العازلة أو انتقال مهام المراقبة إلى القوات المغربية؛ إذ تظل هذه المسائل مرتبطة بالترتيبات الأممية والقانونية والأمنية اللاحقة.

وفي المقابل، فإن انتهاء ولاية البعثة يفتح نقاشاً جدياً حول جدوى استمرار نموذج أممي ظل قائماً لأكثر من 35 سنة دون تنظيم الاستفتاء الذي ارتبط باسمه، وحول الحاجة إلى صيغة أكثر واقعية لدعم التسوية السياسية.

الصحراء المغربية… معركة الدبلوماسية والتنمية مستمرة

إن قراءة التطورات الأخيرة من زاوية الموقف المغربي تبرز أن الرباط راكمت خلال السنوات الماضية تحولات مهمة في موقع مبادرة الحكم الذاتي داخل النقاش الدولي، وأن القرار 2797 شكل محطة بارزة في هذا المسار.

أما الاعتراض الجزائري الأخير، فيكشف عن استمرار التباعد بين تصور الجزائر للحل السياسي وبين المرجعية التي بات مجلس الأمن يدعو إلى اعتمادها أساساً للمفاوضات.

ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم بالشعارات أو بتأويل نتائج التصويت وحدها، بل بقدرة الدبلوماسية على تحويل الدعم السياسي إلى تسوية نهائية، وبمدى استعداد الأطراف للانخراط في مسار واقعي يضع حداً لمعاناة سكان المنطقة ويضمن الاستقرار الإقليمي.

بالنسبة للمغرب، تظل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الذي يدافع عنه باعتباره حلاً سياسياً واقعياً، فيما تواصل المملكة تأكيد تمسكها بوحدتها الترابية والتزامها بالمسار السلمي والدبلوماسي.

لقد انتهت ولاية بعثة أممية، وتعثر مشروعان داخل مجلس الأمن، لكن الأهم أن النقاش الدولي حول الصحراء دخل مرحلة جديدة تتقدم فيها مبادرة الحكم الذاتي إلى قلب المفاوضات.

المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها… والدبلوماسية المغربية ماضية في الدفاع عن وحدتها الترابية وبناء مستقبل أقاليمها الجنوبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *