اقتصاد

نموذج تنموي بـ100 مليار درهم.. كيف تعيد الأقاليم الجنوبية رسم خارطة الاقتصاد الإفريقي؟

نموذج تنموي بـ100 مليار درهم.. كيف تعيد الأقاليم الجنوبية رسم خارطة الاقتصاد الإفريقي؟

انتقل المغرب، في ظل رؤية استراتيجية متجددة، من الاعتماد الحصري على الآليات الدبلوماسية الكلاسيكية لترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية، إلى مرحلة أعمق تتسم بـ”الحسم الاقتصادي والجيوسياسي”. وتجاوزت الرباط مرحلة حصد الاعترافات الدولية وافتتاح القنصليات بالعيون والداخلة واستصدار قرارات أممية داعمة للحكم الذاتي، لتتحول إلى قاطرة تنموية إقليمية لا تكتفي بالدفاع عن وحدتها الترابية، بل تخلق واقعا جيواقتصاديا جديدا على الأرض.

وتجسد هذا التحول الاستراتيجي من خلال إطلاق “المبادرة الملكية الأطلسية” لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وتسريع إنجاز ميناء الداخلة الأطلسي الكبير، والدفع بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب. وفرض هذا الاندماج الإقليمي الاقتصادي عزلة خانقة وطوق خصوم الوحدة الترابية، جاعلا من الأطروحات الانفصالية مجرد صدى معزول خارج سياق التاريخ والتنمية.

وفي قراءته لهذا المنعطف، أكد المحلل الاقتصادي رشيد الساري، في تصريح لجريدة “العمق”، أن التفكير المغربي الموجه نحو العمق الإفريقي نقل المملكة، منذ عقدين، من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية. وأوضح أن هذا التوجه التنموي جعل من المغرب البوابة الحقيقية والاقتصادية التي تربط القارة الإفريقية بكل من أوروبا وأمريكا اللاتينية.

واعتبر الخبير الاقتصادي أن الانعطافة الكبرى في هذا المسار برزت سنة 2015، وتحديدا خلال الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، حين أشر الخطاب الملكي بمدينة العيون على انطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. وأشار إلى أن هذا النموذج، الذي رصدت له ميزانية أولية بلغت 77 مليار درهم لتصل اليوم إلى حوالي 100 مليار درهم، استهدف تقوية البنية التحتية لتضاهي أقاليم الصحراء المغربية نظيراتها بمعايير دولية.

وأضاف الساري أن المملكة لم تكتف بتطوير بنياتها الداخلية، بل وضعت هذه الإمكانيات اللوجستية والمينائية والطرقية رهن إشارة الدول الإفريقية الشقيقة، وخاصة بلدان غرب إفريقيا والدول الأطلسية، لتسهيل ولوجها إلى ممارسة التجارة الدولية. وشدد على أن هذه الدبلوماسية الاقتصادية تنبني على مبدأ “رابح-رابح”، وتقطع مع النظرة التقليدية التي كانت تستنزف إمكانيات القارة، لتقدم بديلا يضع التنمية المتبادلة في صلب التعاون المشترك.

وكشف المحلل الاقتصادي عن الدور المحوري الذي تلعبه الدبلوماسية الموازية للمكتب الشريف للفوسفاط، عبر فرعه الإفريقي، في تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع. وسجل أن هذه المؤسسة مكنت من دعم أكثر من 40 ألف فلاح إفريقي بالبذور، إلى جانب انخراطها الفعلي في بناء وتشييد مصانع للأسمدة في كل من إثيوبيا وكوت ديفوار ونيجيريا، مما يعكس جدية المملكة وعمق تفكيرها في تحقيق الريادة والأمن الغذائي على المستوى القاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *