منتدى العمق

الفيتو الروسي بشأن الصحراء.. هل يحاول الكرملين تعطيل التحول الدولي نحو الحل السياسي؟

الفيتو الروسي بشأن الصحراء.. هل يحاول الكرملين تعطيل التحول الدولي نحو الحل السياسي؟

بينما تتجه موازين المواقف الدولية نحو التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أرضية جدية وواقعية لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء، اختارت موسكو استعمال حق النقض لإسقاط مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن، في خطوة لا يمكن فصلها عن حسابات النفوذ والتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تدافع روسيا فعلاً عن حل سياسي قابل للتحقق، أم أنها تتمسك بمرجعيات تجاوزها الواقع السياسي، وتوظف القضية في مواجهة دبلوماسية مع واشنطن؟

لم يكن الفيتو الروسي الأخير بشأن الصحراء الغربية مجرد تفصيل إجرائي داخل مجلس الأمن، بل شكل مؤشراً جديداً على حجم التجاذبات الدولية التي تحيط بهذا الملف، في مرحلة تشهد تحولات مهمة في طبيعة التعاطي الدولي مع مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007.

ففي الوقت الذي تتزايد فيه القناعة لدى عدد من العواصم الدولية بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تشكل مدخلاً واقعياً وعملياً لإنهاء هذا النزاع الإقليمي، اختارت روسيا الاعتراض على مشروع القرار الأمريكي، بما تضمنه من توجه نحو جعل المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات السياسية المقبلة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط باختلاف في الصياغات الدبلوماسية، وإنما بمواجهة بين تصور يسعى إلى الانتقال نحو تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، وتصور آخر ما زال متشبثاً بإطار تفاوضي لم يتمكن، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، من تحقيق الاختراق المنتظر.

الحكم الذاتي… من مبادرة مغربية إلى أرضية دولية للحل

منذ تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، ظل يؤكد أن الحل السياسي لا يمكن أن يتحقق من خلال إعادة إنتاج المقاربات التي استنفدت إمكانياتها، وإنما عبر صيغة توافقية تراعي الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وتحفظ في الوقت نفسه سيادة المملكة ووحدتها الترابية.

وتستند المبادرة المغربية إلى منح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم المحلية، من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، في إطار السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

وتكمن قوة هذا المقترح في كونه لا يكتفي بتقديم موقف سياسي، بل يعرض تصوراً مؤسساتياً لتدبير المنطقة، ويطرح إمكانية الانتقال من منطق النزاع إلى منطق البناء والتنمية والاستقرار.

كما أن التحولات التي عرفتها المواقف الدولية خلال السنوات الأخيرة عززت موقع المبادرة المغربية باعتبارها أرضية جدية وواقعية للحل، وهو ما جعل النقاش الدولي ينتقل تدريجياً من مجرد إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة للعودة إلى نقطة الصفر أو إحياء مسارات تفاوضية استنفدت فرص نجاحها لا يمكن أن تشكل بديلاً مقنعاً عن البحث عن حل واقعي وتوافقي.

الفيتو الروسي… دفاع عن المبادئ أم حسابات جيوسياسية؟

يصعب قراءة الموقف الروسي بمعزل عن طبيعة العلاقة المتوترة بين موسكو وواشنطن، وعن رغبة الكرملين في الحفاظ على موقعه كقوة قادرة على التأثير في القرارات الدولية.

فروسيا لا تنظر إلى مجلس الأمن باعتباره مجرد مؤسسة لتدبير النزاعات، بل تعتبره أيضاً إحدى أهم ساحات ممارسة النفوذ السياسي والاستراتيجي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استعمال الفيتو باعتباره رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن موسكو لن تسمح لها بالانفراد بتوجيه مسار التسوية في ملف الصحراء، حتى عندما يتعلق الأمر بمشروع قرار يحظى بدعم أغلبية أعضاء مجلس الأمن.

غير أن هذا الموقف يطرح إشكالية جوهرية: إذا كانت روسيا تتخذ موقف الحياد ، فما البديل العملي الذي تقترحه لإنهاء نزاع طال أمده؟

فمجرد التشبث بالمرجعيات التقليدية لا يكفي لإنتاج تسوية، كما أن تعطيل المبادرات دون تقديم تصور قابل للتطبيق قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع بدلاً من المساهمة في حله.

والأكثر إثارة للتساؤل أن روسيا، التي اعترضت على مشروع القرار الأمريكي، لم تتمكن من تمرير مشروعها البديل، وهو ما يكشف عن محدودية قدرتها على تحويل اعتراضها إلى توافق دولي حول رؤية بديلة.

المينورسو… هل حان وقت الانتقال من إدارة النزاع إلى تهيئة شروط الحل؟

منذ إنشائها سنة 1991، ارتبطت بعثة المينورسو بمسار التسوية الأممية، وفي مقدمة أهدافها الأصلية تنظيم الاستفتاء الذي كان مقرراً في إطار خطة التسوية.

لكن مرور أكثر من ثلاثة عقود دون الوصول إلى حل نهائي يفرض مراجعة سياسية موضوعية لمآلات هذا المسار، بعيداً عن منطق تقديس الآليات التي أثبتت محدودية فعاليتها.

فالمطلوب اليوم ليس بالضرورة الإبقاء على الوضع القائم إلى أجل غير مسمى، وإنما البحث عن صيغة أممية تواكب التحولات السياسية وتساهم في تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ تسوية واقعية.

ومن المنظور المغربي، لا ينبغي أن يتحول استمرار البعثة إلى غاية في حد ذاته، بل يجب أن يكون جزءاً من مسار سياسي واضح الأفق، يستند إلى حل يحظى بالقبول والتوافق، وفي مقدمته مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وهذا لا يعني أن انتهاء ولاية البعثة أو تعثر تمديدها يؤدي تلقائياً إلى إنهاء وجودها، إذ تظل المسألة خاضعة للإجراءات والقرارات الأممية ذات الصلة.

اجتماع الجمعية العامة… فرصة لكشف حدود الموقف الروسي

إن دعوة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى عقد جلسة لمناقشة استخدام روسيا حق النقض، بموجب القرار 76/262، تمنح الدول الأعضاء فرصة للتعبير عن مواقفها من طبيعة هذا الاعتراض وخلفياته.

ومن شأن هذا النقاش أن يسلط الضوء على مسؤولية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ليس فقط في حماية مصالحهم الوطنية، وإنما أيضاً في عدم تحويل امتياز الفيتو إلى وسيلة لتعطيل المبادرات السياسية.

وبالنسبة للمغرب، فإن أهمية هذه المحطة تكمن في إمكانية إبراز التناقض بين التمسك بخطاب الحل السياسي من جهة، والإصرار على استمرار مقاربات تفاوضية لم تنتج حلاً من جهة أخرى.

لكن الأهم أن يتحول النقاش الأممي إلى فرصة لتعزيز القناعة بأن تسوية النزاع ينبغي أن تنطلق من الواقعية السياسية، وأن تأخذ بعين الاعتبار التطورات التي عرفها الملف والمواقف الدولية التي أصبحت تنظر إلى الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً جدياً للتفاوض.

المغرب وروسيا… الاختلاف حول الصحراء لا يلغي منطق المصالح

على الرغم من الموقف الروسي الأخير، لا ينبغي للمغرب أن ينظر إلى موسكو باعتبارها خصماً استراتيجياً، أو أن يسمح لهذا الخلاف بالتأثير على علاقاته الثنائية معها.

فالرباط تمتلك تقليداً دبلوماسياً يقوم على تنويع الشراكات، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، والانفتاح على مختلف القوى الدولية وفق منطق المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

ومن هذا المنطلق، يظل الحوار مع روسيا ضرورياً لتوضيح الموقف المغربي، والدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي، وإقناع موسكو بأن دعم هذا المقترح لا يعني الانحياز إلى الولايات المتحدة، وإنما المساهمة في إيجاد تسوية سياسية واقعية لنزاع إقليمي طال أمده.

فالمغرب لا يطلب من القوى الدولية الاصطفاف في محاور متصارعة، وإنما يدعوها إلى دعم حل يضمن الاستقرار الإقليمي ويحفظ سيادة المملكة ووحدتها الترابية.

وفي الختام ، نرى أن المستقبل لا يبنى بأدوات الماضي و أن الفيتو الروسي بشأن الصحراء يعيد طرح سؤال جوهري حول مستقبل التسوية الأممية: هل سيظل مجلس الأمن أسير التجاذبات بين القوى الكبرى، أم أن الواقعية السياسية ستفرض الانتقال نحو حل نهائي ينهي هذا النزاع؟

لقد أثبتت التجربة أن استمرار المفاوضات دون أفق واضح، والتمسك بمقاربات لم تنجح في تحقيق أهدافها، لا يؤديان إلا إلى إطالة أمد الخلاف وتعميق حالة الجمود في المنطقة المغاربية.

وفي المقابل، تقدم المبادرة المغربية للحكم الذاتي تصوراً سياسياً ومؤسساتياً قابلاً للتفاوض، يوازن بين متطلبات التدبير المحلي وضمانات السيادة والوحدة الترابية، ويتيح الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية والاستقرار.

إن المطلوب من المجتمع الدولي اليوم ليس الدفاع عن الجمود، ولا تحويل قضية الصحراء إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وموسكو، وإنما دعم مسار سياسي جاد يقوم على الواقعية والتوافق.

فالصحراء ليست ورقة في لعبة النفوذ الدولي، والحل لا ينبغي أن يبقى رهينة حسابات العواصم الكبرى.

لقد حان الوقت لكي ينتقل المجتمع الدولي من إدارة النزاع إلى المساهمة الفعلية في إنهائه، على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها أرضية جدية وواقعية للحل السياسي، وبوابة لطي صفحة نزاع طال أمده وأعاق بناء مغرب عربي أكثر تكاملاً واستقراراً.

فالتاريخ لا ينتظر من مجلس الأمن أن يكرر قراراته إلى ما لا نهاية، بل ينتظر منه الشجاعة السياسية لتحويل الواقعية الدولية إلى سلام دائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *