منتدى العمق

من المعرفة إلى الاعتراف.. “عيد الوحدة” بالمغرب والتأسيس للإدراك الجمعي لفلسفة الوحدة والتنوع

من المعرفة إلى الاعتراف.. “عيد الوحدة” بالمغرب والتأسيس للإدراك الجمعي لفلسفة الوحدة والتنوع

إن طبيعة العلاقات الاجتماعية اليومية بين الجنس الإنساني عموما؛ تقتضي الاعتماد على رابطة تعاقدية وهو ما تسميه الفلسفة وعلم السياسية بـ” العقد الاجتماعي”، وهو القدرة على إدارة وتدبير الاختلافات التي تنشأ بين الأطراف المتناقضة والمختلفة في الفضاء العمومي، علما أن الخلاف والاختلاف من طبع الكائن الإنساني، ولقد خلق الله الإنسان ليحمل كل التناقضات في جوهره، وجعل ذلك سبحانه من آياته :(ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) سورة الروم 22، لذلك كانت الأديان في معظمها تتدخل للفصل في هذه التفاصيل بالتوجيه والتخفيف، وفي بعض الاحيان بتجفيف منابع الصراع دون الحديث عن حالات شاذة. إن الإسلام لعب دورا باعتباره دين قائم على التعاقدات العقدية والسلوكية واختار ربط اسمه بمفهوم السلم والسلام..، كما لعبت السيرة النبوية العملية وسنة الرسول الأكرم، دورا كبيرا في تحقيق هذه المقاصد الكبرى والمصالح الضرورية من خلال “وثيقة المدينة المنورة” بمجرد دخوله عليه الصلاة والسلام لـ”يثرب” عقد ميثاق وثق حدود التعارف والاعتراف بوجود مجتمع متنوع ومختلف تحفظ حقوقه، وتحدد واجبات كل مكوناته، وهو كذلك، قائم على اعتبار المصالح الكبرى وتأسيس مواطنة مدنية تعددية، تجاوزت حينها الواقع التاريخي، بالاعتراف بوجود وثني واسلامي ومسيحي ويهودي وبعض المجوس كمكونات اجتماعية متساوية الحقوق..، فقد ورد مثلا في الوثيقة قوله عليه الصلاة والسلام:(وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ(=يهلك) إلا نفسه وأهل بيته..) ينظر كتب السيرة النبوية، ثم تأتي (العهدة العمرية) والتي وقعت في حدود سنة 15 هجرية بين أمير المومنين عمر بن الخطاب وأهل بيت المقدس ( أهل إيلياء) حيث حفظ لهم الامن والسلم وحرية الاعتقاد والتدين وامتلاك أماكن العبادة وأعمالهم وأموالهم..، صورة من صور التقدم السياسي والمدني من تاريخ الإسلام المبكر، ومما يعزز هذه المبادرة، رفض أمير المومنين الصلاة في بيت عبادة تابع للمسيحيين، فباعتباره رمزا للسلطة السياسية والدينية في الإسلام يعد تصرفه السياسي مبادرة لجبر الخواطر كما تضمن امتناعه عن قبول الدعوة للصلاة في أماكن مقدس لغير المسلمين حنكة واستبصارا، لأنه منع للاستيلاء على المكان فيما بعد، وهو فهم لمقصد من مقاصد إبقاء التعاقد سليما، وعدم فتح مساحات للتأويل أو التجاوزات ممن قد يتولى السلطة فيما بعد، وقد نصت الوثيقة على عدة التزامات وتعاقدات مهمة ومتقدمة، ففي نص الوثيقة ورد مثلا: (هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها..) ، وهو عكس ما يقع في الغالب من طرف قوى سياسية، كانت حينذاك، تصادر كل شيء عندما تكون لها الغلبة والنصر، لتكره الناس على أشياء تخالف ثقافتها واعتقاداتها تصل درجة الاضطهاد.

لقد حققت “العهدة العمرية” ما حققته “وثيقة المدينة” من تأكيد على سلوك سياسي وإداري كتأمين لحرية الاعتقاد والمقدسات غير الإسلامية، وترسيخ للسلام الاجتماعي، وبناء لمواطنة جامعة تعاقدية لا تلغي الخصوصيات وتحترم التنوع، كما الاعتراف بالآخر، واعتبار كل ذلك مبدأ أصيلا في الإسلام وسلوكا سياسيا مستمرا، وليس مرحلة تكتيكية لحظية، كما أنه تأكيد لما ورد في القران من توجيهات للمسلمين كقوله تعالى :”لا إكراه في الدين” البقرة 256 وغيرها من الآيات والتصرفات النبوية في السياسة الشرعية وما جاء بعده من بعض الخلفاء.

إذن بعد التذكير بالمرتكزات العقدية والمعرفية لفقه الوحدة والتنوع بشكل مختصر فيما سبق تقديمه، نأتي لتأكيد أهمية الانتقال بهذه الفهم والتصور من البناء المعرفي إلى الإقرار به اعترافا، فتتحول المفاهيم لمجرد مفردات آلية ومباني تعبيرية أو بلاغية إلى آداب وأخلاق وسلوكيات غير قاصرة، لتتجاوز محو الجهل إلى مرحلة بناء تعاقدات يومية بين أطراف مختلفة ومؤتلفة، تشترك في الفضاء العام وتتقاسمه في سلم وتفاهم، تنتقل بمفهوم المعرفة من مجرد إدراك للموضوع ومثالية إلى مرحلة الاعتراف الذي هو مفهوم له بعد وجودي، اجتماعي، أخلاقي وواقعي..، تحول يؤسس لمجتمع مستقر قائم على حفظ الواجبات وتحصينها بالقانون ثم القطع مع الانقسام؛ القائم على القبلية والعصبية والنزاع والفوضى واللا معنى إلى نظام يرتكز على الدستور والمواطنة والقضاء والسيادة للقانون وحفظ الكرامة والحقوق.

إن إقرار العاهل المغربي الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا جديدا تحت اسم “عيد الوحدة”؛ يأتي في اطار سياق تحول تاريخي وسياسي في قضية الصحراء المغربية، وهو تكريس للسيادة والوحدة الترابية للمملكة المغربية، ولكنه كذلك ربط للذاكرة مع تاريخ المملكة الشريفة وانعاش للروح الوطنية المغربية التي صهرت في بوتقة متكاملة، لتشكل لنا هذه الشخصية الوطنية التي نراها اليوم، فالوحدة لم تكن وليدة قرار دولي أو نتيجة انتصار في إطار صراع دولي واقليمي، إنما هو استعادة للحق في الانتماء لثقافة تشكلت في ظل صيرورة تاريخية، وربط مختلف مكوناتها وتكريس للشعور بالوحدة تحت مفاهيم جد حساسة ومهمة في التاريخ الوطن، وهو بالمناسبة ما لم تستطع بعض البلدان من تداركه أو إدراكه أو تجاوز عقد التاريخ والتي أنتجت الانقسام العرقي أو المذهبي أو الثقافي أو الديني..، فأغلب البلدان العربية دون ذكر مسمياتها، سواء بالشرق الأوسط او بأفريقيا تعيش حالة صراع وتوتر مستمر؛ بسبب عدم اندماج مختلف مكونات هذه الأوطان في وطنية واحدة مع حفظ التنوع، وجعلها مصدر اغناء وتثوير لمفاهيم الانتماء للوطن والروح الوطنية، بل شكل التنوع في بعض الأحيان مصدر قلق وتمزق وصراع وجذب لقوى خارجية للتدخل تذكي الخلاف وتحرك هذه التفاصيل لمصالحها، وتعزز تواجدها وتدخلها بشكل فج في قرارات سيادية لهذه البلدان.

وختاما، فرمزية الاحتفال بـ”عيد الوحدة” بالمغرب يجسد الانتماء الحضاري لوطنية تأسست في ظل تراكمات تاريخية امتدت لقرون، فمهما تغيرت الاسر التي حكمت المغرب، تبقى الوطنية المغربية نموذجا حيا ثابتا، وهو ما يمكن أن نسميه تفعيلا لفقه الوحدة والتنوع في الإسلام، لكون الممارسات التاريخية باقية وفي مدركات المواطنين، تمارس في أصعب الظروف كحدوث الثورات على الحكم المركزي أو الازمات السياسية أو دخول الاستعمار للبلد مثلا، فنجد أن الحس الوطني المعبر عنه في الثقافة المغربية بـ” تمغربـيت” هو شيء يبقى نابضا في كل فرد مواطن، إنها روح تستوعب التعدد الثقافي والمجتمعي والسياسي، تعترف بالحق في الوجود والانتماء والوحدة، مهما كانت الاختلافات والتنوعات بين أفراد المجتمع المغربي.

إن تكريس هذه المقاربة والمبادرة، الاحتفال بعيد الوحدة، يعد تأسيسا لتعاقد حقوقي وسياسي في اطار سيادة وطنية وقانونية واحدة، مما يعزز كذلك الاحتفاء بمختلف المكونات ويزيل أسباب الصراع والاقصاء والمصادرة لحق الآخر؛ الذي هو جزء مني وثقافتي الوطنية، وفي هذا السياق، تتحول لحظة الاحتفالية بـ”عيد الوحدة” بالمغرب لمناسبة لتجديد تعاقدات اجتماعية ونفسية وأخلاقية، تنمي قيم السماحة والعدالة المجالية والثقافية والاقتصادية والسلم الأهلي وقيم التعبئة الوطنية الشاملة، دون الانفصال عن الدور الوثيق الذي تلعبه الملكية عبر تاريخ المغرب باعتبارها ضامنة للهوية والسيادة الوطنية، وهو ما يعبر عنه المغاربة كذلك بالالتحام الوثيق بين العرش والشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *