بووانو: محاربة الفساد خيط ناظم لمسارنا.. ومواقفنا لا تخضع للخصومات التاريخية

أكد عبد الله بووانو، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، أن هذا الأخير سيخوض تجربته في المعارضة من موقع المسؤولية، معتبرا أن وجوده داخل مجلس النواب بـ 54 مقعدا، يفرض عليه مواصلة أداء أدواره الرقابية والتشريعية والدفاع عن قضايا المواطنين والتصدي لكل ما من شأنه الإضرار بمصالح الشعب وبالديمقراطية والحريات والهوية الوطنية والأسرة والعدالة المجالية، معتبرا أن التطبيع لم يكن العامل الوحيد وراء تراجع الحزب في 2021.
وأوضح بووانو، خلال مداخلة له ضمن فعاليات الملتقى العشرين لشبيبة حزب العدالة والتنمية، صباح السبت، أن الحزب راكم على امتداد مساره السياسي مجموعة من المبادئ والمرتكزات التي تشكل هويته، وفي مقدمتها المرجعية الإسلامية، والوطنية، والإصلاح التدريجي، والاستقلالية في اتخاذ القرار، ومحاربة الفساد، والدفاع عن الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، مبرزا أن تجربة الحزب لا تختزل في مشاركته الحكومية أو عدد المقاعد التي يحصل عليها في الانتخابات، وإنما تقاس أيضا بمدى وفائه لرسالته السياسية وقدرته على التأثير في النقاش العمومي.
وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه الحزب في المرحلة المقبلة، شدد النائب البرلماني على ضرورة تجاوز منطق تعليق الإخفاقات على شماعة الإكراهات الخارجية، والتركيز على أداء الواجب الحزبي والمؤسساتي، داعيا أعضاء الحزب وشبيبته إلى التحلي بالصمود والانخراط الميداني، ومؤكدا أن العدالة والتنمية يتوفر على برنامج يتضمن 467 تدبيرا ومقترحا سيشكل أرضية لعمله في المعارضة، بالتوازي مع مواصلة النقاش بشأن القوانين الانتخابية والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
وبخصوص هوية الحزب، شدد بووانو على أنه حزب سياسي مدني وطني إصلاحي ديمقراطي ذو مرجعية إسلامية، رافضا اختزاله في وصف الحزب الإسلامي، ومبرزا أن المرجعية الإسلامية تؤطر اختياراته ومواقفه، لكنها لا تلغي طبيعته كتنظيم سياسي يشتغل في إطار الدستور والقوانين الوطنية.
كما استحضر مفهوم الإصلاح التدريجي والتراكم، موضحا أن التغيير لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، وإنما من خلال خطوات متتالية وتعاون بين مختلف الفاعلين. ودعا في هذا الصدد إلى قراءة كتاب “الدولة في مواجهة الثورة” لمنير شفيق، باعتباره يتناول حدود التغيير الثوري وطبيعة التحولات التي تعرفها الدول والمجتمعات، مؤكدا أن الإصلاح يحتاج إلى التراكم والعمل المستمر.
“الرأي حر والقرار ملزم”.. بووانو يدافع عن استقلالية القرار الحزبي
وفي حديثه عن الممارسة الديمقراطية داخل الحزب، أبرز بووانو أن القرارات لا تتخذ بالتصفيق، وإنما بالتصويت، سواء تعلق الأمر بالقضايا العامة التي تعتمد فيها آلية التصويت العلني، أو بالقضايا المرتبطة بالأشخاص التي يتم فيها اللجوء إلى التصويت السري.
واستحضر في هذا الإطار المقولة التي اشتهر بها الحزب، “الرأي حر والقرار ملزم”، والتي نسبها إلى الراحل عبد الله باها، موضحا أنها تعني إتاحة المجال أمام جميع الأعضاء للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية خلال النقاش الداخلي، قبل الاحتكام إلى المؤسسات واتخاذ القرار بالأغلبية.
وأضاف أن احترام القرار المتخذ يظل واجبا على جميع الأعضاء، حتى وإن لم يتوافق مع مواقفهم الشخصية، مشيرا إلى أن القرارات قد تصدر أحيانا بأغلبية ضيقة تصل إلى 51 مقابل 49، لكن ذلك لا يعفي الأقلية من الالتزام بالقرار الجماعي.
واعتبر أن هذه الآلية تمثل أحد مصادر قوة الحزب، بالنظر إلى ما تتيحه من استقلالية في اتخاذ القرار، بعيدا عن الإملاءات الخارجية، مؤكدا أن مختلف القضايا، بما فيها التحالفات والمواقف السياسية، تخضع للنقاش داخل المؤسسات الحزبية قبل الحسم فيها.
وفي السياق ذاته، توقف بووانو عند خصوصية الحزب باعتباره تنظيما وطنيا مغربيا، رغم وجود أحزاب تحمل الاسم نفسه في عدد من البلدان، مبرزا أن ذلك لا يمنعه من الانخراط في القضايا العادلة عبر العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب قضايا شعوب أخرى، مستحضرا مساهمات الراحل عبد الكريم الخطيب في دعم القضية الفلسطينية ومناصرة قضايا أفغانستان والبوسنة والهرسك وجنوب إفريقيا.
كما شدد على أن الدفاع عن الديمقراطية لا ينبغي أن يقتصر على المطالبة بنزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص، بل يجب أن يشمل الدفاع عن الحريات وحق الآخرين في التعبير عن مواقفهم، حتى عندما تكون مخالفة لتوجهات الحزب، معتبرا أن من بين أدوار العدالة والتنمية الدفاع عن حرية الآخر، بما في ذلك الفعاليات المجتمعية التي تختلف معه في الرأي.
ورفض بووانو الصورة التي تقدم الحزب باعتباره مناهضا للمرأة أو للمناصفة، مؤكدا أن حضور النساء داخل هياكله لم يكن مجرد استجابة لمقتضيات قانونية، وإنما اختيارا سياسيا وتنظيميا سابقا على فرض تلك المقتضيات، مستحضرا أن العمل المشترك بين الرجال والنساء داخل الحزب حسم منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا سنتي 1987 و1988.
المبادرة الحرة ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية
وعلى المستوى الاقتصادي، حدد بووانو مجموعة من المبادئ التي قال إنها تؤطر مواقف الحزب ومقترحاته التشريعية، وفي مقدمتها الدفاع عن المبادرة الحرة والمنافسة، ومحاربة الاحتكار والتركيز الاقتصادي، إلى جانب التصدي للفساد باعتباره أحد أبرز العوامل التي تعرقل التنمية وتستنزف الاقتصاد وتعمق الاختلالات الاجتماعية.
وأكد أن محاربة الفساد ليست شعارا ظرفيا ارتبط بمرحلة سياسية معينة، وإنما تشكل خيطا ناظما في مسار الحزب منذ التحاقه بالعمل السياسي، مستحضرا أن من بين الملفات الأولى التي اشتغل عليها الحزب داخل البرلمان قضية البنك الوطني للإنماء الاقتصادي، وما ارتبط بها من اختلالات وملفات فساد.
وفي المقابل، شدد على أن الدفاع عن المبادرة الحرة والمنافسة لا يعني إغفال الأوضاع الاجتماعية للفئات الهشة والفقيرة والطبقة المتوسطة، مبرزا أن الحزب ظل يعتبر هذه الفئات في صلب اهتمامه، بالنظر إلى تركيبة قواعده التي تضم أساتذة ومعلمين وموظفين وأطباء ومهندسين، إلى جانب ارتباطه بالفئات التي تعاني الهشاشة وتواجه صعوبات اجتماعية واقتصادية.
كما توقف عند أهمية الحماية الاجتماعية، معتبرا أنها ليست وليدة مرحلة حكومية واحدة، بل مرت عبر محطات سياسية وحكومية متعاقبة، قبل أن يتسع نطاق تنزيلها خلال الولاية الحكومية التي ترأسها عبد الإله بنكيران.
بووانو لشبيبة الحزب: أدوا واجبكم بدل تعليق الإخفاقات على الآخرين
وبخصوص تقييم تجربة الحزب، رفض بووانو اختزالها في الإكراهات الخارجية أو في ما وصفه بتأثير المخزن والتحكم، وداعيا أعضاء الحزب إلى التركيز أولا على مدى قيامهم بواجباتهم في مختلف المواقع التي شغلوها.
وتساءل بووانو عن مدى قيام الحزب بواجباته عندما كان يتوفر على تسعة مقاعد، ثم عندما ارتفع تمثيله إلى 42 و46 مقعدا، وخلال مشاركته في الحكومة، ثم بعد تراجعه إلى 13 مقعدا في انتخابات 2021، مؤكدا أن المعيار الأساسي ينبغي أن يكون هو أداء الدور السياسي والمؤسساتي، بصرف النظر عن حجم التمثيلية البرلمانية.
وأضاف أن الحزب، الذي يتوفر حاليا على 54 مقعدا، مطالب بأداء دوره في المعارضة، معتبرا أن النقاش البرلماني الحالي يبرز حضوره وتأثيره، رغم وجود فرق برلمانية أخرى تتوفر على أعداد أكبر من المقاعد.
وفي هذا الصدد، حدد ثلاثة أبعاد رئيسية لعمل الحزب في المعارضة، تتعلق بالرقابة والتشريع والدفاع عن مصالح المواطنين، مؤكدا أن الحزب سيستعمل أدوات الرقابة البرلمانية للدفاع عن الشعب والمرأة والأسرة والهوية والمرجعية الإسلامية والعدالة المجالية والتنمية والديمقراطية.
أما على المستوى التشريعي، فأوضح أن الحزب سيشتغل وفق برنامجه الذي يتضمن 467 تدبيرا ومقترحا، مبرزا أن العدالة والتنمية سيواصل تقديم المبادرات التشريعية والتعديلات والمقترحات المرتبطة بمختلف القضايا الوطنية.
واعتبر أن تصاعد النقاش البرلماني حول التخليق ومحاربة الفساد والريع والاحتكار يعكس حضور هذه القضايا في النقاش السياسي، مشيرا إلى أن الحزب سبق أن اشتغل عليها من خلال مبادراته ومقترحاته القانونية، حتى عندما لم يكن ضمن الفرق والمجموعة النيابية التي تقدمت بالسؤال البرلماني خلال إحدى الجلسات الأخيرة المخصصة لهذا الموضوع.
العلاقة مع “البام”.. بووانو: لا نبيع مواقفنا ومبادئنا
وبخصوص سؤال حول طبيعة العلاقة التي يمكن أن تجمع حزب العدالة والتنمية بحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الحكومة الحالية، في ضوء مبادئ التعاون والشراكة والتدرج التي يتبناها الحزب، أكد بووانو أن المواقف السياسية لا ينبغي أن تخضع للأحكام المسبقة أو للخصومات التاريخية وحدها.
وشدد على أن الحزب لا يبيع مناصبه ولا مواقفه ولا يتخلى عن مرجعيته، لكنه يميز بين الحفاظ على المبادئ وبين تدبير العلاقات السياسية في إطار التدرج والتعاون، معتبرا أن أي قرار بشأن العلاقة مع الأحزاب الأخرى ينبغي أن يمر عبر المؤسسات الحزبية.
وفي هذا الإطار، وصف العدالة والتنمية بأنه من بين الأحزاب التي تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية في اتخاذ القرار، مؤكدا أن النقاش الداخلي يظل مفتوحا بشأن مختلف الخيارات، وأن الحزب لا يحسم مواقفه بناء على رغبات أو إملاءات خارجية.
وأوضح أن قرار الانتقال إلى المعارضة بدوره خضع للنقاش داخل المجلس الوطني، رغم إعلان الأمين العام عبد الإله بنكيران في وقت سابق هذا التوجه، مشيرا إلى أن الحزب سيظل يناقش مواقفه المستقبلية وفق المعطيات السياسية والحيثيات المرتبطة بكل مرحلة.
التطبيع وتراجع الحزب في انتخابات 2021
وفي رده على المداخلات التي ربطت التراجع الانتخابي للحزب سنة 2021 بموقفه من التطبيع مع إسرائيل، أقر بووانو بأن هذا العامل كان حاضرا ضمن سياق الانتخابات، لكنه رفض اعتباره التفسير الوحيد للنتيجة التي حصل عليها الحزب، مشددا على أن ما جرى ارتبط، بحسب تقييمه، بمجموعة من العوامل والتدخلات التي استهدفت الحزب ومرشحيه.
وتحدث في هذا السياق عن تراجع عدد المسجلين ضمن التغطية الانتخابية للحزب من نحو 17 ألفا و600 شخص إلى أقل من تسعة آلاف خلال الفترة الممتدة بين يونيو وغشت 2021، متسائلا عن أسباب هذا التراجع، كما تحدث عن تعرض عدد من المرشحين، وفق روايته، للإغراءات المالية والتهديدات والضغوط من أجل تغيير مواقعهم الانتخابية.
كما أثار مسألة تغيير يوم الاقتراع، وجمع الانتخابات الجماعية والجهوية والتشريعية، واعتماد القاسم الانتخابي، معتبرا أن هذه العناصر تندرج ضمن مجموعة من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم نتائج انتخابات 2021.
وأكد أن الحزب لم ينجز تقييما شاملا ونهائيا لجميع تفاصيل تلك المرحلة، لكنه شدد على أن موقفه من التطبيع، وإن كان مؤثرا، لا يفسر وحده التراجع الكبير الذي عرفه، بالنظر إلى تعدد الأدوات التي قال إنها استعملت للحيلولة دون تحقيقه نتائج أفضل.
وفي ما يتعلق بمستقبل القاسم الانتخابي، كشف بووانو أن وفدا من الحزب، ضم إدريس الأزمي وجامع المعتصم وعبد الله بووانو، شارك خلال الأسبوع السابق في لقاء مع وزير الداخلية بحضور عدد من الأحزاب السياسية، حيث أثيرت مسألة التشتت الذي تعرفه المجالس الجماعية، في ظل وجود عدد كبير من الأحزاب داخل المجلس الواحد.
وأوضح أن عددا من الأحزاب ربط معالجة هذا التشتت بإلغاء القاسم الانتخابي والعودة إلى اعتماد العتبة، غير أنه لم يقدم تأكيدا بشأن القرار الذي ستتخذه وزارة الداخلية في هذا الموضوع، مشيرا إلى أن النقاش ما يزال مطروحا في إطار المشاورات السياسية.
كما حذر من اختزال الاستعداد للانتخابات المقبلة في مناقشة القوانين الانتخابية أو اعتبار البرامج الحكومية مجرد أدوات لتطويق حزب معين، داعيا أعضاء الحزب إلى الوعي بالرهانات السياسية والاستعداد للاستحقاقات المقبلة بالعمل التنظيمي والميداني.
الصمود وتقوية الحضور الميداني
وفي سياق حديثه عن دور الدولة ووزارة الداخلية في الإشراف على الانتخابات، دعا بووانو إلى عدم اختزال النقاش في طبيعة الجهة المشرفة على الاستحقاقات، مستحضرا أن الوزارة نفسها أشرفت على انتخابات عرف فيها الحزب نتائج مختلفة، إذ حصل على 107 مقاعد سنة 2011، وحقق 125 مقعدا سنة 2016، قبل أن يتراجع إلى 13 مقعدا سنة 2021.
وشدد على أن ذلك لا يعني، بحسب تعبيره، اعتبار وزارة الداخلية بمنأى عن المسؤولية، لكنه اعتبر أن الحزب مطالب أيضا بمراجعة أدائه الميداني والقيام بواجباته، خصوصا في ما يتعلق بتغطية مكاتب التصويت ومراقبة العمليات الانتخابية.
وأشار إلى أن الحزب تمكن خلال انتخابات 2016 من تغطية ما يقارب 70 في المائة من مكاتب التصويت، بينما بلغت تغطيته خلال انتخابات 2021 نحو 26 ألف مكتب من أصل 41 ألفا، مضيفا أن عددا من محاضر التصويت لم يتمكن الحزب من الحصول عليها.
ودعا بووانو شباب الحزب إلى تحمل مسؤوليتهم في هذا الجانب، خصوصا في العالم القروي والمناطق التي تتطلب حضورا ميدانيا ومتابعة مستمرة، معتبرا أن النتائج الانتخابية لا تتحقق بمجرد رفع الشعارات أو توجيه الانتقادات، وإنما بالعمل اليومي والصمود أمام الصعوبات.
وختم بووانو بالتأكيد على أن العدالة والتنمية مطالب بمواصلة أداء أدواره، سواء من موقع الأغلبية أو المعارضة، معتبرا أن نجاح الحزب يظل رهينا بقدرته على الجمع بين وضوح المبادئ والاستقلالية في القرار والعمل الميداني، قبل أن يعبر عن اعتزازه بما وصفه برهان الدولة على الحزب، قائلا إن اعتماد الدولة عليه يشكل مصدر فخر له.
اترك تعليقاً