كلّف ترميمه 3 ملايير .. قصر “إكلميمن” بالرشيدية يواجه خطر الانهيار وسط مطالب بإيفاد لجن افتحاص

تتواصل مظاهر التدهور العمراني بقصر إكلميمن الواقع تحت نفوذ جماعة كلميمة بإقليم الرشيدية، في ظل تسجيل انهيارات جديدة طالت عددا من المنازل، تزامنا مع التساقطات المطرية الأخيرة، وهو الوضع الذي أعاد إلى الواجهة مخاوف الساكنة بشأن سلامتها، خصوصا مع ما يرافق ذلك من صعوبات في التنقل داخل الأزقة والممرات وتسرب مياه الأمطار إلى المنازل.
وفي هذا السياق، دقّ الحسين نعدي، مستشار جماعي بجماعة كلميمة، ناقوس الخطر بشأن الوضعية التي آلت إليها هذه المعلمة التاريخية، مطالبا بتدخل استعجالي لحماية أرواح السكان، وفتح افتحاص تقني ومالي لمشروعي الترميم السابقين، اللذين بلغت تكلفتهما الإجمالية حوالي ثلاثة ملايير سنتيم، إلى جانب برمجة مشروع متكامل ومستدام لإعادة تأهيل القصر وصون موروثه التاريخي والمعماري.
وكشف نعدي في تصريح لجريدة “العمق”، أن قصر إكلميمن ليس مجرد تجمع سكني تقليدي، بل يشكل جزءا من الذاكرة التاريخية والحضارية لمنطقة واحة غريس، وشاهدا على نمط معماري أصيل يعكس خصوصية الإنسان الواحي وقدرته على التكيف مع محيطه الطبيعي والمناخي.
وأوضح أن بناياته الطينية وأعمدته الخشبية وأزقته وممراته التقليدية تجسد قيمة تراثية ومعمارية تستحق الحماية والتثمين، وتشكل جزءا من الهوية المحلية التي ينبغي الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة، غير أن هذه المعلمة التاريخية تعيش اليوم وضعا مقلقا للغاية، تفاقمت حدته مع التساقطات المطرية الأخيرة.
وأشار المتحدث إلى أنه تم، يوم 06 نونبر 2026، تسجيل استمرار انهيار المنازل بالقصر، في مشهد يعكس حجم التدهور الذي طال البنايات، ويضع سلامة الساكنة أمام مخاطر حقيقية، مضيفا أن ما يعيشه القصر يتجاوز مجرد اختلالات عمرانية عابرة، ليصبح تهديدا حقيقيا لمعلمة تاريخية مهددة بالتدهور والاندثار، ولساكنة تعيش أجواء من الحزن والترقب والهلع، خوفا مما قد تخلفه التساقطات المقبلة من انهيارات وأضرار إضافية.
وبخصوص معاناة الساكنة، أوضح المستشار الجماعي أنها متعددة الأبعاد، وتتفاقم مع كل تساقطات مطرية، حيث تنتشر الأوحال في الأزقة والممرات، وتصبح عملية التنقل صعبة، فيما تتسرب مياه الأمطار إلى المنازل، وتظهر تصدعات في الجدران والأسقف، في وقت تستمر فيه بعض البنايات في الانهيار.
وأضاف أن الأخطر من ذلك يتمثل في حالة الخوف والترقب التي أصبحت تسود بين السكان، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بصعوبة ظروف العيش، بل أصبح مرتبطا بالإحساس بانعدام الأمان داخل المنازل وخارجها، في ظل احتمال انهيار أجزاء من البنايات في أي لحظة.
وشدّد نعدي على أن هناك ساكنة متشبثة بالاستقرار داخل القصر، رغم هذه الظروف الصعبة، وهو ما يفرض على المؤسسات المعنية تحمل مسؤوليتها في توفير شروط السلامة والعيش الكريم، دون المساس بحق السكان في الاستقرار أو تركهم أمام خطر الإخلاء دون توفير بدائل مناسبة.
وفي معرض حديثه عن التنبيهات السابقة بشأن وضعية القصر، كشف المستشار الجماعي أن جمعية أفريكا سبق لها أن نبهت، خلال شهر مارس 2021، الجهات المختصة إلى الاختلالات التي كانت تشوب إنجاز مشروع ترميم قصر إكلميمن، وحذرت من تداعيات عدم معالجة تلك الاختلالات بالشكل المطلوب، غير أنه، بحسب تعبيره، لم يكن هناك تفاعل مناسب مع تلك التنبيهات والملاحظات.
وأبرز أن مرور السنوات لم يؤدي إلى وضع حد لمعاناة الساكنة، بل إن الأضرار تفاقمت، مع تسجيل انهيارات جديدة للمنازل، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدية التعامل مع التنبيهات السابقة، وحول مسؤولية الجهات التي أشرفت على عمليات الترميم.
وسجل المستشار الجماعي أن ميزانيات ضخمة تقدر بحوالي ثلاثة ملايير سنتيم صُرفت على مشروعين لترميم القصر، غير أن الأشغال المنجزة لم ترق إلى المستوى المطلوب، ولم تنجح في معالجة عدد من الإشكالات التي يعاني منها القصر.
ولفت المصدر ذاته إلى أن الجهات التي أشرفت على آخر عملية ترميم لم تكلف نفسها عناء القيام بزيارة ميدانية للقصر للوقوف على الوضعية الحالية للمنازل، وتقييم آثار التساقطات المطرية، ورصد الأضرار والاختلالات، وإعداد التقارير التقنية اللازمة بشأنها.
واعتبر نعدي أن صرف هذه الاعتمادات المالية كان ينبغي أن يقابله حرص أكبر على جودة الإنجاز والمراقبة والتتبع والتقييم المستمر لمدى نجاعة التدخلات، مؤكدا ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبار أن حماية المال العام والحفاظ على التراث مسؤولية لا تنتهي بانتهاء الأشغال أو تسلم المشاريع.
وعلى مستوى المطالب، دعا المتحدث إلى فتح افتحاص وتقييم تقني شامل لمشروعي الترميم السابقين، اللذين بلغت تكلفتهما الإجمالية حوالي ثلاثة ملايير سنتيم، من أجل الوقوف على جودة الأشغال المنجزة، ومدى احترامها للمواصفات التقنية والأهداف المحددة، وتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
من جهة أخرى، طالب المستشار الجهات التي أشرفت على هذه المشاريع بتحمل مسؤوليتها في تتبع الوضعية الحالية للقصر، وعدم الاكتفاء بالإشراف على إنجاز الأشغال دون مواكبة آثارها ونتائجها على أرض الواقع.
وفي ما يتعلق بالتدخل الاستعجالي، نبّه المستشار الجماعي إلى ضرورة تكثيف التدخلات الميدانية، تحت إشراف الجهات التقنية والمؤسسات المختصة، من أجل تحييد المخاطر التي تهدد أرواح السكان والزوار.
وتتضمن هذه المطالب إيفاد لجان تقنية مختصة للقيام بمعاينة شاملة للبنايات وتحديد درجة خطورتها، والتأكد من سلامة ومتانة المنازل المأهولة بالسكان، واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، فضلا عن إصدار قرارات الإفراغ بالنسبة للمنازل الآيلة للسقوط التي تشكل خطرا على قاطنيها، مع توفير بدائل سكنية مناسبة تحفظ كرامة الأسر المعنية.
في المقابل، دعا إلى تأمين عملية السير والجولان داخل الممرات والأزقة، وإبعاد كل ما من شأنه تعريض المارة للخطر، والاستعانة بعمال وتقنيين مؤهلين، تحت إشراف مهندسين وخبراء مختصين، لإنجاز التدخلات الضرورية وفق خصوصية البناء التقليدي، إلى جانب اتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة التسربات ومصادر الخطر، خاصة مع استمرار التساقطات المطرية.
وفي الشق المتعلق بإعادة التأهيل، طالب نعدي مديرية القصور والقصبات، باعتبارها من المؤسسات المعنية بحماية وتثمين هذا الموروث، وباقي القطاعات والمؤسسات المتدخلة، بإعداد دراسة تقنية شاملة باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، تمهيدا لبرمجة مشروع متكامل يراعي الخصوصية التاريخية والمعمارية للقصر، ويستجيب في الوقت نفسه لحاجيات الساكنة.
وجدّد تأكيده على أن هذا المشروع ينبغي أن يشمل معالجة تسربات مياه الأمطار، وترميم البنايات المتضررة، ومعالجة الرطوبة، وإنجاز قنوات تصريف المياه وممرات آمنة، وربط المنازل بشبكتي الماء الصالح للشرب والتطهير السائل، فضلا عن معالجة وضعية المنازل المهجورة والمهددة بالانهيار.
إلى ذلك، أكد نعدي أن قصر إكلميمن لا يحتاج إلى تدخلات موسمية أو حلول ترقيعية كلما تساقطت الأمطار، بل يحتاج إلى إرادة مؤسساتية حقيقية، ومقاربة مسؤولة تجمع بين المحاسبة والإنقاذ وإعادة التأهيل.
وختم المستشار الجماعي تصريحه بالقول، إن أرواح الناس ليست مجالا للتجريب، والمال العام ليس مجالا للهدر، والتراث التاريخي ليس مجرد جدران طينية يمكن تركها لمواجهة عوامل التعرية والإهمال، لافتا إلى أن قصر إكلميمن يستحق الإنقاذ، وساكنته تستحق الأمن والكرامة، وأن المسؤولية تقتضي التدخل الآن، قبل فقدان المزيد من هذا الموروث التاريخي والإنساني.
اترك تعليقاً