منتدى العمق

زاكورة تُنتج، وزاكورة لا تستفيد

سجّل الاقتصاد المغربي خلال الفصل الأول من سنة 2026 معدل نمو بلغ 4.6 في المائة، فيما تراهن الحكومة وبنك المغرب على بلوغ معدل يقارب 5.2 في المائة مع نهاية السنة، مدفوعاً بانتعاش لافت للقطاع الفلاحي. أرقام تبدو، للوهلة الأولى، مؤشراً على عافية اقتصادية متجددة. لكن خلف هذه النسب الإيجابية، يطرح سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لا يشعر المواطن البسيط بهذا التحسن في حياته اليومية؟
الجواب موجود، جزئياً على الأقل، في دراسة حديثة كشفت أن 78.3 في المائة من الأسر المغربية تعتبر أن مستوى معيشتها تدهور، رغم أن الاقتصاد حقق نمواً حقيقياً بلغ 4.4 في المائة في السنة نفسها. فجوة بين الرقم الرسمي والإحساس اليومي، بين ما يُقال في التقارير الاقتصادية وما يُعاش في البيوت والأسواق.

لماذا لا يصل النمو إلى المواطن؟

يفسر الاقتصاديون هذه المفارقة بعدة عوامل متشابكة. أولها أن النمو المغربي لا يترجم إلى فرص شغل كافية؛ فالوظائف تتركز في قطاعات هشة كالزراعة والبناء، تسودها الموسمية وضعف الإنتاجية، بينما تبقى مساهمة الصناعات المتطورة والرقمنة، وهي الأقدر على خلق وظائف مستقرة وذات جودة، محدودة. هذه الظاهرة باتت تُعرف اقتصادياً بـ”النمو غير الدامج للتشغيل”.

ثانيها أن جزءاً مهماً من هذا النمو يعتمد على الاستثمار الكبير والمشاريع الضخمة، لا على الدخل المباشر للأسر؛ فقد يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي بفعل مشاريع كبرى، دون أن يستفيد المواطن العادي بالوتيرة نفسها، خصوصاً إذا ظلت الثروة مركزة في قطاعات ومناطق بعينها.
وثالثها، وهو ما يلمسه المواطن يومياً في السوق، الفرق بين “تراجع التضخم” و”انخفاض الأسعار”. فتباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني عودتها إلى ما كانت عليه؛ والأثر التراكمي لسنوات الغلاء يبقى حاضراً بقوة، حتى حين تُعلن الأرقام الرسمية عن “استقرار” أو “تراجع” في معدل التضخم.
هذه المعادلة الوطنية، بكل تجريدها، تجد تجسيداً ملموساً ومحلياً حين ننزل إلى إقليم زاكورة، وتحديداً إلى قصة محصول واحد: البطيخ الأحمر، أو “الدلاح” كما يسميه أهل المنطقة.

دلاح زاكورة: ثروة تُصدَّر ومياه تنضب

في السنوات الأخيرة، تحول البطيخ الأحمر إلى ما يشبه الهوية الاقتصادية الجديدة لإقليم زاكورة، متجاوزاً حتى التمور التي طالما اشتهرت بها المنطقة. مساحات شاسعة تُخصص لهذا المحصول الذي يعد بربح سريع، وشحنات تنطلق موسمياً نحو الأسواق الوطنية الكبرى وصولاً إلى أوروبا.

لكن هذه “الثروة” لا تُترجم إلى تحسن ملموس في حياة أغلب سكان المنطقة، لسببين أساسيين. الأول أن المحصول موجّه أساساً للتصدير وللأسواق البعيدة، وليس للاستهلاك المحلي؛ فحتى حين يستفيد المستهلك المغربي من ثمن مناسب نسبياً للدلاح في موسم الوفرة، تبقى هذه الاستفادة محدودة الأثر على الاقتصاد المحلي لزاكورة نفسها، لأن جزءاً كبيراً من هامش الربح يذهب إلى شبكات التسويق والسماسرة، الذين غالباً ما يكونون من خارج الإقليم، بينما يبقى الفلاح الصغير في الحلقة الأضعف من السلسلة.

أما السبب الثاني، وهو الأخطر، فمرتبط بالثمن الحقيقي الذي تدفعه المنطقة: المياه. فزراعة البطيخ، وهي من أكثر المحاصيل استهلاكاً للماء، توسعت في منطقة صحراوية تعاني أصلاً من جفاف بنيوي وندرة في التساقطات. باحثون ودراسات ميدانية وثّقوا كيف ساهمت هذه الزراعة في تسريع استنزاف الفرشة المائية الباطنية، ما اضطر الفلاحين إلى حفر آبار أعمق فأعمق، في وقت يعاني فيه سكان دواوير عديدة، خارج مجرى واد درعة، من شح في المياه الصالحة للشرب. عبّر عن هذه المفارقة أحد أبناء المنطقة بمرارة: مياه زاكورة تُصدَّر، لكنها تُصدَّر معبأة داخل حبات البطيخ نفسها.

وعياً بخطورة الوضع، لجأت السلطات إلى تقنين المساحات المسموح بزراعتها، وحددتها في هكتار واحد للفلاح الواحد، سعياً إلى ضبط الإنتاج والحفاظ على المخزون المائي. لكن هذا التقنين، مهما كانت نيته، يظل إجراءً جزئياً ومتأخراً أمام حجم الأزمة، ولا يقدم بديلاً حقيقياً للفلاح الذي وجد في هذا المحصول مصدر دخله شبه الوحيد.

سؤال لا بد منه: أين دور الدولة؟

هنا يطرح نفسه سؤال جوهري: إذا كانت الدولة قادرة على تقنين المساحة المزروعة، أفلا تملك القدرة أيضاً على توجيه هذا التقنين نحو بديل أكثر استدامة؟ لماذا لا تُستثمر السياسات الفلاحية في تشجيع الفلاحين على زراعة خضر وفواكه أخرى، أقل استهلاكاً للماء وموجهة أساساً للسوق المحلية، على مدار السنة؟

مثل هذا التوجه لن يخدم فقط استدامة المياه في المنطقة، بل سينعكس مباشرة على المواطن في مناطق أخرى من المغرب؛ إذ إن جزءاً مهماً من كلفة الخضر والفواكه التي تصل إلى موائد المغاربة اليوم مصدره تكاليف نقلها من أقاليم بعيدة كأكادير ومراكش. تنويع الإنتاج الزراعي في مناطق كزاكورة، لو وُجّه للسوق الداخلية، كان يمكن أن يقرّب المسافة بين الإنتاج والاستهلاك، ويخفف بعض الضغط عن الأسعار.

الأمر لا يتعلق فقط باختيار الفلاح، بل بمنظومة دعم زراعي وجّهت، عبر برامج سابقة، نحو تقنيات وزراعات حديثة دون أن تربطها بالضرورة بعائد يبقى داخل المنطقة أو بحماية لمواردها الطبيعية. وهو ما يجعل من قصة “دلاح زاكورة” أكثر من مجرد حكاية موسم فلاحي: إنها نموذج مصغر لسؤال أكبر يطرحه المغرب اليوم بقوة، وهو الفرق بين تحقيق نمو في الأرقام، وتحقيق تنمية تصل فعلاً إلى الناس.

خاتمة

بين نمو وطني تتجاوز نسبته 4.6 في المائة، وفلاح في زاكورة يراقب مياهه الجوفية وهي تنضب من أجل محصول لا يبقى ربحه الأكبر في يده، تختصر المسافة كل ما يمكن أن يُقال عن “نمو بلا رفاه”. فالسؤال لم يعد: كم ينمو الاقتصاد المغربي؟ بل: لمن ينمو، وعلى حساب من؟