جماعات تارودانت الشمالية وإشكالية التخطيط الاستراتيجي
https://al3omk.com/101232.html

جماعات تارودانت الشمالية وإشكالية التخطيط الاستراتيجي

مع دخول مجموعة من الجماعات الترابية وطنيا وجهويا ومحليا في مسلسل اعداد برامجها السنوية واعداد ما يسمى بالمخطط الجماعي للتنمية، والسهر على تخطيط استراتيجي يواكب متطلبات ساكنتها، ومع كوني ابن هذه المنطقة، كلما رأيت جماعة قروية كانت أو حضارية تعلن عن عقد لقاء تواصلي مع كافة الفاعلين المحليين في مجال نفوذها لأعداد مخططها التنموي، الا وتساءلت مع نفسي أين جماعاتنا في تارودانت الشمالية وجماعات العالم القروي؛ أين هي من هذه المبادرات وهذه اللقاءات؟

وكي لنا نسقط في خطاب التعميم، يتوجب علينا أولا أن نؤكد بأن هناك فعلا جماعات ترابية (حضارية وقروية) قامت بإعداد مخططاتها التنموية باشراك الفاعلين المحليين كما سهرت على تنفيذ وتنزيل مقتضياته، ونعرف جماعات نجحت بشكل كبير في تطبيق مقتضيات برامجها التنموية.
وفي نفس السياق؛ جدير بالذكر أن هناك جماعات ترابية قامت بإعداد برامجها التنموية لكن بشكل غير منصف وغير تشاركي مما يفقدها طابع التشارك والاشراك في اتخاد القرارات، إضافة الى وجود جماعات أخرى تتوفر على مخطط تنموي صاغته لنفسها وأخرى نقلته من جارتها لكنه يبقى فقط حبرا على ورق ولا رغبة لدى مكاتبها لتنزيل مقتضياته وتفعيله.

يعد التخطيط الاستراتيجي للجماعات المحلية الطريق الأمثل للتخفيف من مشكل قلة الموارد الذي يطبع تدبير الشؤون العمومية المحلية للجماعات القروية، حيت تتعدد المسؤوليات الإدارية لدى المسؤولين المحليين والذين يفتقدون لخبرة كافية لإنجاز المهام الموكولة إليهم وبالتالي الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي التشاركي الذي يمكن من تسيير أفضل للإمكانيات المتاحة.
وعند غياب رؤية استراتيجية لدى المسؤولين الجماعاتيين يصبح الاعتماد على اشراك الفاعلين المحليين ضرورة ملحة على الجماعة من أجل اشراك الكل في صياغة وبلورة مخطط جماعاتي يوازي ويواكب تطلعات الساكنة لكسب رهان التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المحلية، وبهذا فان منطقتنا –تارودانت الشمالية، في حاجة إلى وضع تخطيط استراتيجي يعتمد تدبيرا من شانه إصلاح الاختلالات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي تطبعه والتي تعرقل أي مسار للتنمية المحلية والإقليمية والجهوية.
وحديثنا عن التخطيط الاستراتيجي وحسن تدبير أمور الجماعة يقف ورائه مغزى وهدف واحد ووحيد وهو المساهمة في التنمية المحلية باعتبارها الهادفة أساسا إلى الرفع من المستوي المعيشي للساكنة عبر تنويع الانشطة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية وذلك عبر استثمار المؤهلات البشرية والطبيعية للمنطقة قصد احداث تغير نوعي في حياة الأفراد على مستوى تراب الجماعة والذي يمكن ملامسته من خلال مستوى المعيشة وتطور البيئة الحياتية اليومية وتحسن مستويالخدماتلدى الساكنة.

ولكي نكون فعلا نريد ونسعى لتحقيق تنمية محلية صحيحة، لا بد من توفر عدد من الوسائل، منها ما هو قانوني ومالي، ومنها ما هو إجرائي وهو ما يطلق عليه التخطيط وهو ما تحدثنا عنه في التخطيط الاستراتيجي التشاركي؛ كي لا تكون وجهة تنميتنا المحلية تصب في جهة دون الأخرى أو تحقق أهداف فئة دون الأخرى وكي لا تكون في خدمة شخص واحد. هنا لابد لنا أولا معرفة ماهية التنمية المحلية ومفهومها؛ يقول الفقيه ” ” J.L.GUIGOU “التنمية المحلية هي تعبير عن تضامن محلي قادر على خلق علاقات اجتماعية جديدة وتعبير عن إرادة المواطنين لتثمين الموارد المحلية، الشيء الذي يخلق تنمية اقتصادية”. من خلال هذا المفهوم نستنتج؛ أولا: لا توجد تنمية محلية دون فكرة تعبئة الساكنة المحلية حول مشروع تنموي. اذن، التنمية المحلية لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يتولى شخص واحد أمورها دون اشراك الاخرين والا سنكون في انتهازية واسترزاق على حساب الاخرين. ثانيا؛ التنمية المحلية لا تقتصر فقط على ما هو اقتصادي بل تقحم أبعاد أخرى اجتماعية، ثقافية وسياسية.

وكنتيجة لكل ما سبق فالمخطط الجماعي للتنمية أضحى آلية مهمة في إنتاج السياسة العمومية المحلية من خلال راهنيته الدولية والوطنية التي ترجمها الخطاب الملكي بتاريخ 30 يوليوز 2008الذي جاء فيه: ” …ندعو الحكومة لاعتماد نهج للحكامة الترابية المحلية، يقوم على النهوض باللامركزية….”ويلعب المخطط الجماعي للتنمية دورا مهما تتجلى أهميته في كونه يعزز من كفاءة أداء الإدارة الجماعية ويربطها في إطار تشاركي، ويوفر كذلك تركيز استراتيجي أفضل ويساعد على تنسيق المشاريع وتشخيص شكل التدخل المطلوب لتحسين الأداء.

ويعتبر المخطط الجماعي للتنمية كذلك آلية قانونية جديدة وحديثة لتدبير الشأن المحلي وتحقيق التنمية المحلية، تحدد فيه الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة لمدة ست سنوات في أفق تنمية مستدامة وفق منهج تشاركي يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع. كما يجب أن تتضمن وثيقة المخطط الموارد والنفقات التقديرية المتعلقة بالسنوات الثلاث الأولى التي تم العمل فيها بالمخطط الجماعي للتنمية.

وذلك عبر:
• اعتماد مقاربة تشاركية من اجل تحقيق تنمية مندمجة ومستديمة؛
• استغلال ايجابي للموارد البشرية والمالية؛
• إحداث شركات التنمية المحلية؛
• تشجيع الاستثمار والمبادرات الخاصة؛
• ضمان التجانس الاجتماعي ومقاربة النوع؛
• تقوية قدرات المؤسسات والفاعلين المحليين؛ جمعيات، تعاونيات..
• ترسيخ ثقافة التخطيط التشاركي لدى الساكنة الجماعية.

وأمام كل ما سبق نجد أن جماعاتنا – لا أقول كلها- لا تسير وفق منهجية وخطة استراتيجية تجعلها في المسار الصحيح نحو تنمية محلية/مجالية تنكب في الرقي بالمستوى المعيشي للساكنة، بل يمكننا الحديث، عوضا عن ذلك، عن عوائق تعيق مسلسل التنمية في المنطقة وتعيق أية مبادرة تتجه في هذا الاتجاه.

التنمية الجماعية، اذن، لا يمكن تحقيقها الا باستحضار مجموعة من الشروط والمحددات الأساسية لذلك، على رأسها أن يكون المجلس الجماعي، أولا وأخيرا، معبرا عن إرادة المواطنين على صعيد الجماعة؛ يعني أن تكون هناك ديمقراطية من الشعب الى الشعب، ديمقراطية حقيقية، بعيدا عن الانتهازية واستغلال “الطبقة الفقيرة” القروية واستغلال بؤسها لشراء أصواتها في مسرحية انتخابية تطبخ بدهاليز سياسيين وبائعي ضميرهم من الجمعويين. وأن يكون البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي حاضرا الى جانب البعد الانتخابي الذي ليس الا جزءا بسيطا من الممارسة الديمقراطية، ولكنه الأكثر تأثيرا في الحياة العامة وفي حياة الجماعة، وغياب هذه المحددات كلها يعتبر أكبر عائق للتنمية الجماعية. وبدون ديمقراطية حقيقية لا يمكن أن تكون هناك انتخابات جماعية نزيهة، وهذا ما يؤدي الى فرز مجالس مزورة سيسعى أعضائها الى نهب خيرات الجماعة عوض توظيفها في المصلحة العامة للمواطنين.

الى جانب مؤشر/شرط/محدد الديمقراطية الذي يعتبر غيابه عائقا للتنمية المحلية/الجماعية هناك عدة عوائق أخرى، يمكن استنباطها من واقع الممارسة الجماعية في تارودانت الشمالية، تعيق مسلسل التنمية لعل أبرزها:
– غياب الكفاءة لدى أعضاء بعض المجالس المنتخبة وجهلهم للقوانين المنظمة للعمل الجماعي، وعدم توفرهم على القدرة على تدبير شؤون الجماعة، مما يؤدي الى تبذير الإمكانيات المادية والمعنوية للجماعة.

– غياب تنسيق داخلي بين مكونات الجماعة المحلية الواحدة؛ أعضاء الجماعة لا يتواصلون مع الرئيس، الرئيس ينفرد بالخرجات، الموظفين لا يتواصلون مع الأعضاء والعكس.. الى غيرها من مشاكل التنسيق الداخلي.

– وجود أعضاء جماعيين لا تربطهم بمسلسل التنمية أية صلة؛ حيث تم فقط إجبارهم عن الترشح بحكم نفوذهم داخل دواويرهم وبالتالي كونهم فقط عددا غير نافعا في معادلة الانتخابات، الى جانب وجود نساء منتخبات في الدوائر ‘الكبيرة’ لا تربطهن مع العمل الجمعوي والجماعي أية صلة؛ (نجاحهن رهين بنجاح العضو المرشح في نفس الدائرة).

– انفراد الرئيس بالسلطة المطلقة التي تخول له مهمة تدبير الشؤون الجماعية، وهو ما يؤدي الى القيام بممارسات لا علاقة لها بالعمل الجماعي.

– انعدام الموارد الجماعية وعدم كفايتها حتى لتسيير الحياة اليومية للجماعة، مما يؤدي الى فقدان إمكانية احداث أية تنمية كيفما كان نوعها.

– عدم اشراك الفاعلين المحليين في تدبير السياسات العمومية، وعدم اشراك الفئات المثقفة في اتخاد القرار.
– عدم المام الشباب بتدبير السياسات العمومية، وغياب رؤية سياسية لإدماجهم في مسلسل التنمية المحلية وصناعة أو اتخاد القرار.

إن اعتماد الجماعات المحلية أدوات تنموية وكما أشرنا إلى ذلك سابقا يحتاج إلى توفير شروط محددة يأتي في مقدمتها قيام ديمقراطية حقيقية وبمضمون اقتصاديواجتماعي وثقافي. وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تفرز مجالس تعبر فعلا عن إرادة الناخبين بصفة خاصة وإرادة المواطنين بصفة عامة.

وامام كل ما سبق، يبقى من الضروري ومن الفروض على الجماعة خلق مناصب شغل جديدة بمؤهلات علمية معاصرة، وتكوين مستمر والزامي لكل الفاعلين من أجل تدبير محكم وجيد للشأن الجماعي ومن أجل انخراط جيد في مسلسل التنمية المحلية.