اقتصاد

لمواجهة الجفاف.. المغرب يطلق “بحرا من الألواح الشمسية” لتوليد الطاقة النظيفة

في مواجهة الجفاف.. المغرب يطلق "بحرا من الألواح الشمسية" لتوليد الطاقة النظيفة

في خطوة استراتيجية تجمع بين الابتكار والحاجة الملحة، أطلق المغرب مشروعا تجريبيا فريدا من نوعه في المنطقة، يتمثل في تركيب آلاف الألواح الشمسية العائمة فوق سطح أحد خزانات المياه الحيوية بالقرب من مدينة طنجة.

هذه المبادرة، التي تبدو وكأنها بحر من المرايا الزرقاء فوق الماء، لا تهدف فقط إلى توليد الكهرباء النظيفة، بل تحمل في طياتها حلا مزدوجا لإحدى أكبر التحديات التي تواجه المملكة؛ الجفاف غير المسبوق وندرة المياه.

أزمة مائية تدق ناقوس الخطر

ويأتي هذا المشروع في وقت تواجه فيه البلاد أزمة مائية حادة. فالأرقام الرسمية ترسم صورة مقلقة للوضع؛ فبين أكتوبر 2022 ودجنبر 2023، فقد المغرب ما يعادل مياه أكثر من 600 مسبح أولمبي يوميا بسبب التبخر وحده، وهو رقم هائل يتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.8 درجة مئوية فوق المعدلات الطبيعية.

وعلى مستوى أوسع، شهدت احتياطيات المياه السطحية في البلاد تراجعا دراماتيكيا بنسبة 75% خلال العقود الأربعين الماضية، حيث انخفضت من 18 مليار متر مكعب سنويا في الثمانينيات إلى حوالي 5 مليارات متر مكعب فقط في الوقت الحاضر، وهي أرقام لم تعد مجرد إحصائيات، بل أصبحت واقعا يؤثر على الزراعة والصناعة والحياة اليومية للمواطنين.

مشروع طنجة.. حل ذكي لمعضلة مزدوجة

يقدم مشروع “الفلوطوفولطية” (الطاقة الكهروضوئية العائمة) في خزان سيدي اليماني، القريب من ميناء طنجة المتوسط، نموذجا عمليا لمواجهة هذه التحديات. التفاصيل الطموحة للمشروع تكشف عن رؤية متكاملة:

وتعمل الألواح الشمسية كغطاء واقٍ يقلل من تعرض سطح الماء لأشعة الشمس المباشرة والرياح، مما يساهم في خفض معدلات التبخر بنسبة تصل إلى 30% وفق تقديرات وزارة التجهيز والماء.

وفي خزان طنجة وحده، الذي يفقد يوميا حوالي 3000 متر مكعب من المياه (وهو رقم يتضاعف صيفا)، يمكن لهذه التقنية توفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنويا.

ويهدف المخطط إلى تركيب 22 ألف لوح شمسي ستغطي مساحة 10 هكتارات من إجمالي مساحة الخزان البالغة 123 هكتارا، حيث ستولد هذه المنظومة طاقة إنتاجية تصل إلى 13 ميغاواط، وهي قدرة كافية لتلبية كامل احتياجات ميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر الموانئ في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، مما يقلل من بصمته الكربونية ويعزز استقلاليته في مجال الطاقة.

وتتميز الألواح الشمسية العائمة بميزة إضافية؛ حيث يساعد وجودها فوق الماء على تبريدها بشكل طبيعي، مما يزيد من كفاءتها في توليد الكهرباء مقارنة بنظيراتها المثبتة على الأرض.

ولتعزيز الأثر الإيجابي، تعتزم السلطات غرس حزام شجري حول الخزان للحد من تأثير الرياح التي تزيد من سرعة التبخر، في نهج يدمج الحلول التكنولوجية مع الحلول القائمة على الطبيعة.

تحديات وآفاق مستقبلية

ورغم أن الخبراء يصفون المشروع بأنه “رائد ومبتكر”، فإن تعميمه على السدود والخزانات الكبرى في المغرب يواجه تحديات لا يمكن إغفالها. فالحجم الهائل لبعض السدود وعدم انتظام أسطحها يجعل تغطيتها بالكامل أمرا معقدا ومكلفا، كما أن التغير المستمر في مستويات المياه يمكن أن يشكل ضغطا على أنظمة التثبيت والمراسي، مما قد يعرض الألواح للتلف.

ومع ذلك، يُنظر إلى مشروع طنجة التجريبي على أنه “مختبر حي” لتطوير حلول هندسية لهذه التحديات، واختبار أفضل المواد والتقنيات التي يمكن تطبيقها مستقبلا على نطاق أوسع.

ولا يمثل هذا المشروع حلا منفردا، بل هو حلقة في سلسلة من المبادرات التي تشكل الاستراتيجية الوطنية للمياه. فالمغرب يعتمد بشكل متزايد على تحلية مياه البحر، حيث تنتج محطاته الحالية 320 مليون متر مكعب سنويا، مع خطط طموحة لرفع هذا الرقم إلى 1.7 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

وبالإضافة إلى ذلك، تدرس السلطات توسيع مشروع “الطريق السيار المائي”، وهو نظام ضخم لنقل المياه من الأحواض المائية في الشمال، التي لا تزال تتمتع بفائض نسبي، إلى المناطق الوسطى والجنوبية الأكثر تضررا من الجفاف، مما يضمن توزيعا أكثر عدالة للموارد المائية.

ومن شأن هذه المبادرة أن تجعل المغرب ينضم إلى نادي الدول التي تستكشف إمكانيات الطاقة الشمسية العائمة مثل فرنسا وإندونيسيا وتايلاند، بينما تقود الصين هذا المجال عالميا بأكبر المحطات العائمة.

ويؤكد مشروع طنجة أن مواجهة تحديات المناخ تتطلب تفكيرا خارج الصندوق وحلولا قادرة على تحقيق أكثر من هدف في آن واحد: حماية كل قطرة ماء وتسخير كل شعاع شمس من أجل مستقبل أكثر استدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *