وجهة نظر

انزياح الظاهري: من “الخبير الديني” في أوروبا إلى “المفكر” في المغرب

تشريح ظاهرة الكذب في الصفة

لم يعد الكذب يُقاس بما يُقال، بل بما يُدّعى. لقد انتقل الزيف من مضمون الخطاب إلى هوية المتكلم، ومن التلاعب بالمعلومة إلى الانتحال في الصفة. في زمن “اقتصاد الانتباه”، صار الإعلام هو الموزّع الأكبر للشرعية، وأصبح يكفي أن تمتلك حضورًا رقميًا مؤثرًا أو قدرة خطابية لافتة، لتُقدَّم للجمهور بوصفك “خبيرًا”، أو “مفكرًا”، أو “دكتورًا”، دون أن تمتلك من الكفاءة إلا القدرة على التمويه وإتقان اللغة السطحية.

إنها ظاهرة “الكذب في الصفة”، أحد أخطر أشكال الانزياح الظاهري في مجتمعاتنا المعاصرة، حيث يُستبدل الاستحقاق بالادعاء، ويُمنح اللقب لمن يُجيد الظهور لا لمن يُجيد التفكير.

من الادعاء الفردي إلى الشرعية المصطنعة: المشهد الديني في أوروبا نموذجًا

في العقدين الأخيرين، شهد الفضاء الديني الأوروبي، وخصوصًا في فرنسا، تحولات عميقة أفرزت فراغًا معرفيًا وروحيًا خطيرًا. فمع غياب الكفاءات الدينية الحقيقية التي تؤم الناس في صلواتهم، وتُعلّمهم دينهم، وتقوم بوظائف الوعظ والإرشاد، برزت شخصيات تُقدّم نفسها كـ”شيوخ” أو “دكاترة” أو “خبراء في الإسلام الأوروبي”، دون أن تمتلك تكوينًا علميًا رصينًا أو مسارًا أكاديميًا موثقًا.

لم يكن هذا الفراغ طبيعيًا، بل كان نتاجًا لتراكمات عدة:

· ضعف المؤسسات الدينية المستقلة.

· غياب التكوين المحلي العميق.

· تردد الدول الأوروبية في دعم نماذج تربوية أصيلة.

· انسحاب بعض الكفاءات الصادقة من المشهد العام بسبب التهميش أو الإقصاء.

في هذا السياق، استغل بعض الأفراد هشاشة المشهد وغياب المعايير، ليبنوا لأنفسهم شرعية إعلامية تقوم على الخطابة والظهور، لا على المعرفة والتكوين. وقد ساهمت عدة عوامل في ترسيخ حضورهم:

· رغبة بعض الدول الأوروبية في صناعة “نماذج معتدلة” تخدم سياسات الإدماج والضبط الثقافي.

· دعم مؤسسات عربية رسمية وغير رسمية رأت فيهم أدوات لترويج رؤى معينة.

· انبهار الإعلام بالوجوه الجاهزة التي تُجيد الحديث بلغة مزدوجة، وتُقدّم خطابًا “مُهذّبًا” قابلًا للتسويق.

وهكذا، تحوّل الكذب في الصفة من انتحال فردي إلى منظومة رمزية متكاملة، تُغذّيها مؤسسات إعلامية، ومنظمات دولية، وجهات رسمية، وتُكرّس في الوعي العام بوصفها “التمثيل الحقيقي للمسلمين في الغرب”. بينما هي في الحقيقة تمثيل وظيفي هشّ، لا يعكس عمق التجربة ولا صدق الانتماء، ولا يملأ الفراغ التربوي الذي يحتاجه المسلمون في حياتهم اليومية.

استفحال الظاهرة: بين المؤتمرات والمنصات

ما بدأ كاستثناء فردي، أصبح اليوم نمطًا مستفحلًا يطال مختلف مجالات الحياة الثقافية. ففي كل إعلان عن ندوة أو مؤتمر أو لقاء فكري، نصادف أسماء تُقدَّم بصفات براقة: “الخبير في الشأن الديني”، “المختص في الفكر المعاصر”، “الصحفي والباحث”، “الدكتور في العلوم الاجتماعية”… لكن حين نبحث في سيرهم، نكتشف أن بعضهم لم يكتب يومًا بحثًا واحدًا، ولم ينل شهادة جامعية موثقة، ولا يملك أي إنتاج فكري أو إعلامي يُحتج به.

بل إن بعض هؤلاء يشتغل في مهن بسيطة وشريفة – وهي محترمة في ذاتها – لكن الزيف يبدأ حين تُستبدل الحقيقة بلقبٍ مزيف. فالكذب في الصفة لا يُهين المهنة الأصلية، بل يُهين قيمة الصدق في المجتمع، حين يصبح الادعاء وسيلة للوجاهة والقفز على الاستحقاق، لا لخدمة الحقيقة.

المشهد المغربي: من التنوير إلى التلميع

في المغرب، لم تكن الظاهرة أقل حضورًا، بل اتخذت طابعًا ثقافيًا وإيديولوجيًا أكثر تعقيدًا. فقد تحوّلت بعض المنابر الإعلامية والثقافية إلى منصّات لتلميع أسماء بعينها، تُقدَّم على أنها “مفكرون”، “مناضلون”، أو “باحثون في الشأن الديني”، دون أي تدقيق علمي أو معرفي. وأصبحت “الصفة” تُمنح بقرارٍ إعلامي أو سياسي، لا بجهدٍ أكاديمي أو إنتاج فكري.

لقد برزت نماذج لهذا المسار: شخصيات تُقدَّم كـ”مفكرين” أو “خبراء في الفكر الديني”، في حين يقوم حضورها على الجرأة الإعلامية والقدرة على استفزاز الرأي العام أكثر مما يقوم على البناء العلمي المتين. إن هذا ليس تقويماً لشخص بعينه، بل تشخيص لآلية التلميع الرمزي التي تجعل من الخطاب الجدلي بديلاً عن الفكر، ومن الظهور المتكرر بديلاً عن العمق.

هذه الآلية، المدعومة أحيانًا من مؤسسات رسمية أو من شبكات المصالح الثقافية، أنتجت ريعًا رمزيًا يفتح الطريق أمام من يتقن فن الظهور لا من يتقن فن التفكير. وهكذا أصبحت “الصفة” جواز مرور نحو الريع والمناصب، بدل أن تكون ثمرة كفاءة واستحقاق.

أسئلة توعوية للمواطن: كيف نتعامل مع ظاهرة التأثير الرقمي؟

في خضم التحولات الرقمية، يبرز سؤال مهم: كيف يمكن للمواطن أن يتعامل بحكمة مع المحتوى المنتشر عبر المنصات الرقمية؟ وما المعايير التي يجب أن نعتمدها لتقييم مصداقية من يخاطبوننا؟

أسئلة حول الشرعية والمصداقية:

· كيف نميز بين المؤثر الرقمي الذي يقدم رأياً شخصياً وبين من يدعي تمثيل صوت المجتمع؟

· ما الفرق بين الصحفي المحترف الذي يلتزم بمعايير المهنة وبين من يستخدم أساليب الإثارة لجذب الانتباه؟

· هل يمكن أن نحاسب من يقدمون أنفسهم كـ”مناضلين” أو “مدافعين عن المظلومين” دون أن يكون لهم سجل نضالي حقيقي؟

أسئلة حول تقييم المحتوى:

· كيف نتحقق من صحة المعلومات قبل تداولها؟

· ما المعايير التي نميز بها بين النقد البناء والتشهير الهادم؟

· كيف نفرق بين الخطاب الإعلامي المسؤول وبين الخطاب الإثاري الذي يهدف للانتشار فقط؟

أسئلة حول التأثير المجتمعي:

· ما تأثير هذه الظواهر الرقمية على تماسك النسيج المجتمعي؟

· كيف يمكن أن تؤثر الشعبوية الرقمية على الثقة في المؤسسات؟

· ما دورنا كمواطنين في مواجهة خطاب الكراهية والتفكيك المجتمعي؟

أسئلة حول الحلول والمسؤوليات:

· ما مسؤولية الدولة في تنظيم الفضاء الرقمي وحماية المواطنين من المضللين؟

· كيف يمكن تعزيز التربية الإعلامية والرقمية لدى الأجيال الجديدة؟

· ما دور المؤسسات التربوية والإعلامية في بناء مناعة فكرية ضد التضليل؟

مسؤولية الدولة تجاه الظواهر التي تخلط بين الواقع والوهم (مثل ظاهرة الفرشة/جرندو وما شابهها):

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن كل ما يُعرف بظاهرة “الفرشة” أو “جرندو” يدخل في خانة الزيف أو الانتحال؛ فهذه الظواهر تحتاج إلى قراءة متأنية، تُراعي أبعادها النفسية والاجتماعية والرمزية، بدل الاكتفاء بالأحكام الجاهزة. إن من واجب الدولة، عبر مؤسساتها العلمية والقضائية، أن تتعامل مع هذه الحالات بقدرٍ من الحياد والمسؤولية، من خلال بحث موضوعي في طبيعة ما يُقدَّم، وتحقّقٍ من صدقية الادعاءات، ثم اتخاذ التدابير القانونية المناسبة متى ثبت وجود تضليل أو استغلال للثقة العامة.

كما ينبغي أن يتم ذلك بعيدًا عن الانفعال أو التسييس، حفاظًا على حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في الكرامة، وبما يضمن التوازن بين حرية التعبير وبين حماية الفضاء العمومي من الادعاء باسم الكرامة أو الخبرة أو النضال أو محاربة الفساد دون سندٍ حقيقي أو مسؤولية أخلاقية.

أثر الكذب في الصفة: تفريغ المعنى من القيمة

هذا التزييف الممنهج أفرز خللاً عميقاً في المنظومة الرمزية:

· فقد أصبحت الصفات تُستهلك كديكور اجتماعي، لا كدلالة على علم أو تجربة.

· اختلطت الأدوار بين العالم والمتحدث، والباحث والمُعلّق، والمثقف وصاحب الرأي العابر.

· ومع الوقت، غدت الساحة تعجّ بخطابات متشابهة، تُقدَّم بجديةٍ شكلية لكنها تفتقر إلى أي عمق معرفي.

لقد تحوّل الانتحال إلى نوع من “العنف الرمزي”، يُقصي الكفاءات الحقيقية ويُكافئ الانتحال المنمّق، ويُربك الجمهور في تمييز الصدق من الزيف، والمعرفة من الادعاء.

 

نحو ثقافة الصدق في الصفة

إن مقاومة هذه الظاهرة لا تكون بالتشهير، بل بإعادة الاعتبار للصدق في الصفة. فالمعرفة لا تُقاس بالألقاب، بل بالمضمون والممارسة. والشرعية لا تُمنح من المنصات، بل تُكتسب من الجهد والتكوين. والمجتمع لا يُبنى على الأصوات العالية، بل على العقول الهادئة التي تُنتج المعنى وتُحصّن الوعي.

ولن ينهض المجال الثقافي والفكري إلا حين يُسائل المجتمع كل من يقدّم نفسه بـ”صفة”، فيسأله:

· من أنت؟

· ما الذي أنجزته؟

· وما الذي يثبت شرعيتك المعرفية أو الأكاديمية؟

لقد آن الأوان لبناء وعي جماعي يُعيد الاعتبار للصدق، ويُفرّق بين من يُنير العقول ومن يُثير الضجيج، بين من يُعلّم الناس دينهم وفكرهم، ومن يُتاجر بالصفة في سوق الانتباه.

فالكذب في الصفة ليس مجرد خلل رمزي، بل هو أحد أبرز أعراض انحطاط القيمة في زمن الصورة. ولا سبيل لاستعادة الثقة إلا بربط الصفة بالصدق، لا بالشهرة ولا بالدعم، وبإعادة بناء المعايير التي تحمي الحقيقة من التزوير، وتحمي المجتمع من الفتنة، وتُعيد للمعرفة هيبتها، وللصفة معناها، وللوعي حصانته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *