وجهة نظر

الصحراء المغربية .. أسبوع الحسم

تعيش المملكة المغربية أسبوعاً حاسماً بخصوص قضيتها الوطنية الأولى، مع اقتراب التصويت المرتقب داخل مجلس الأمن حول مشروع القرار الأمريكي الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. الأجواء في بلادنا تتسم بثقة هادئة مبنية على معطيات دبلوماسية قوية وقراءة دقيقة لمواقف الدول المؤثرة، في حين يسود ارتباك واضح وارتجال في الخطاب الإعلامي والسياسي شرق الجدار بالجهة المقابلة، التي تدرك أن المؤشرات الدولية لم تعد في صالح أطروحتها.

المشهد الدبلوماسي اليوم يُظهر تحولاً نوعياً، فالمقاربة الأممية لم تعد أسيرة الشعارات أو الخطابات الإيديولوجية، بل أصبحت مبنية على الحلول الواقعية التي تضمن الأمن الإقليمي وتحافظ على الاستقرار. مشروع القرار الأممي يعيد التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية ليست فقط الأكثر جدية ومصداقية، بل الإطار العملي الوحيد القادر على إنتاج حل نهائي دائم. هذه المقاربة أصبحت تحظى بإجماع متزايد، بالنظر إلى أن المغرب هو الطرف الوحيد الذي قدم رؤية سياسية مؤسساتية قابلة للتنفيذ.

من حيث التصويت، يبدو أن موازين القوى داخل المجلس تميل بوضوح لصالح المملكة المغربية. واشنطن وباريس، تدعمان المشروع علناً، ولندن تميل إلى المصادقة أو الامتناع الإيجابي الذي لا يعرقل صدور القرار، فيما تميل موسكو وبكين إلى موقف الحياد الدبلوماسي دون نية لاستخدام الفيتو. الأعضاء غير الدائمين بدورهم يوازنون بين مصالحهم الاقتصادية وتحالفاتهم الإقليمية، ما يجعل بلوغ الحد الأدنى من الأصوات المؤيدة أمراً مرجحاً.

هذا التحول يأتي في وقت تعزز فيه المملكة حضورها على الأرض ببنية تحتية، مشاريع اقتصادية، واستثمارات استراتيجية، بينما لا تقدم الأطراف الأخرى أي مشروع قابل للتطبيق سوى إعادة تدوير الخطابات القديمة. مظاهرات مخيمات تندوف التي وُصفت بأنها “حاشدة” لم تُقنع أحداً، لأن العالم يدرك جيداً أن الواقع الحقوقي والاجتماعي والإنساني داخل تلك المخيمات يسير في اتجاه معاكس لأي ادعاء بالحرية أو التمثيل الشعبي.

عملياً، تنزيل مشروع الحكم الذاتي المغربي يمثل نقلة مؤسساتية هادئة ومدروسة، شبيهة بما هو معمول به في الدول الديمقراطية المتقدمة. ففي إسبانيا مثلاً، تدبر جهات الحكم الذاتي شؤونها عبر برلمانات محلية منتخبة وحكومات إقليمية تمتلك صلاحيات واسعة في مجالات التعليم، الثقافة، الجبايات المحلية، والتنمية الترابية، بينما تظل السيادة العليا للدولة المركزية. المغرب يقترح النموذج ذاته، ببرلمان جهوي وحكومة محلية منتخبة، مع نقل جزء كبير من الاختصاصات اليومية إلى مؤسسات محلية قريبة من المواطن.

وفي ألمانيا، تقوم “اللاندر” بإدارة التعليم، الصحة، الأمن المحلي، والمالية المحلية في إطار الفيدرالية الدستورية، مع احتفاظ الدولة المركزية بالسيادية الدفاعية والتمثيل الخارجي. هذا ما ينسجم مع جوهر مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي يمنح الساكنة تدبيراً ذاتياً لشؤونهم، مع سيادة واضحة للرباط في الدفاع، العلاقات الخارجية، والرموز السيادية.

أما بريطانيا، فقد منحت أسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية حكومات محلية وبرلمانات منتخبة، تُشرف على السياسات الاجتماعية والاقتصادية وتحدد أولوياتها التنموية وفق خصوصياتها الجهوية. النموذج نفسه يظهر في الولايات المتحدة، حيث تدير كل ولاية ميزانيتها وتشريعاتها الداخلية، بينما تظل السيادة العامة للدولة الاتحادية. لذلك فإن مشروع الحكم الذاتي المغربي لا يبتكر مفهوماً جديداً في القانون الدستوري، بل ينسجم مع التجارب العالمية للدول الديمقراطية التي نجحت في الربط بين السيادة الوطنية والحكم المحلي.

وهكذا، فإن أسبوع الحسم داخل الأمم المتحدة ليس فقط محطة للتصويت، بل محطة لإبراز النضج السياسي المغربي، ولإثبات أن الحلول الواقعية هي التي تنتصر في نهاية المطاف. المغرب يفاوض بثقة لأنه يملك مشروع دولة ومؤسسات وتنمية ومقاربة قانونية واضحة. ومع الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، يقترب المغرب أكثر من تتويج عقود من العمل الدبلوماسي الهادئ، الذي جعل العالم يدرك أن الصحراء ليست فقط قضية تراب، بل مشروع دولة حديثة تمتد على المحيط الأطلسي، تبني وتستثمر وتستشرف المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *