الاعتقال السياسي في المغرب بين الحقيقة الشخصية ونبل القضية
في المشهد المغربي، لا يبدو الاعتقال السياسي مجرد حدث قضائي عابر، بل مرآة تتقاطع فيها أزمة الأخلاق مع أزمة الحرية، وتنكشف من خلالها هشاشة العلاقة بين الدولة والمثقف، بين السلطة والجسد، بين الحقيقة والمصلحة. تتعدد الأسماء — من توفيق بوعشرين إلى سليمان وهاجر الريسوني وعمر الراضي — لكنها جميعها ترسم لوحة واحدة لزمن معقّد، حيث يتحوّل الصحافي من حامل لراية الحقيقة إلى متّهم تُفتّش في جسده ونواياه، ويغدو السجن فضاءً سياسياً وأخلاقياً في آنٍ واحد.
أولاً: نبل القضية وازدواجية الذات
منذ أفلاطون، كان السؤال الأخلاقي في صميم الفعل السياسي: «كيف نطالب بعدالة المدينة ونحن لم نُقِم العدالة في أنفسنا؟». فالمثقف أو الصحافي ليس مجرد ناقل للمعلومة أو ناقد للسلطة، بل هو حامل لرسالة تتجاوز الخطاب إلى الموقف، وإلى ما يسميه كانط “النية الخالصة” التي تمنح الفعل قيمته الأخلاقية.
غير أن بعض التجارب الصحافية في المغرب كشفت عن فجوة مؤلمة بين القول والفعل. فبينما يرفع الصحافي شعار الدفاع عن كرامة الإنسان، قد يقع هو نفسه في ممارسات تمسّ تلك الكرامة: تحرش، اغتصاب، إجهاض سري، أو استغلال مهني. وهنا يتبدّى التناقض الصارخ بين نبل القضية السياسية وسقوط السلوك الفردي.
هذه الازدواجية لا تُنقص من قيمة معركتهم ضد القمع، لكنها تطرح سؤالاً فلسفياً أعمق: هل يمكن للخطاب التحرري أن يظل نبيلاً إذا تلطخت يد حامله بخرق القيم التي يدافع عنها؟ إنها مفارقة الحرية في وجهها الإنساني — حرية ترفع راية الحقيقة، لكنها تُسقط نفسها أمام غواية السلطة الصغيرة: سلطة الذكر، سلطة الجسد، وسلطة المهنة.
ثانياً: السلطة، الأخلاق، وترويض الجسد
منذ ميشال فوكو، صرنا نعلم أن السلطة لا تعاقب الجسد فقط، بل تُعيد تشكيله. فالقانون والأخلاق يصبحان أداةً للضبط لا للعدالة. في المغرب، يتحوّل الجسد الصحافي إلى ساحة حرب رمزية بين الدولة التي توظّف القضاء كأداة تأديب، والمعارض الذي يدافع عن حرية الكلمة حتى آخر نفس.
لكن عندما تُقحم الدولة التهم الأخلاقية — كما في قضايا بوعشرين وسليمان الريسوني وهاجر الرّيسوني — تصبح المعادلة أكثر تعقيداً: هل الهدف حماية الضحية؟ أم إسقاط المعارض عبر ضرب مصداقيته الأخلاقية؟ هكذا يُستبدل النقاش حول حرية الصحافة بجدل حول الأخلاق الشخصية، وتصبح “الفضيحة” سلاحاً بيد الدولة لترويض الفكر، كما تصبح الأخلاق نفسها آلية سياسية للهيمنة.
ثالثاً: الحرية بين الالتزام والمسؤولية
قال سارتر إن “الحرية ليست حقاً نمارسه، بل مسؤولية نحملها”. بهذا المعنى، لا يكفي أن يكون الصحافي معارضاً للنظام كي يكون حراً فعلاً. الحرية تقتضي انسجاماً بين الفكر والممارسة، بين الخطاب والحياة. فالصحافي الذي يدافع عن المرأة لا يمكن أن يعتدي عليها، والذي يطالب بالعدالة لا يمكن أن يتجاوز القانون باسم نرجسيته أو نفوذه الرمزي.
لكن في المقابل، لا يحق للدولة أن تختزل النضال السياسي في الانحراف الأخلاقي، لأن ذلك يسلب الحرية معناها ويحول المحاكمة إلى تصفية رمزية. فكل سجين رأي، مهما كانت أخطاؤه، يظل شاهداً على هشاشة الحرية في وطنه.
رابعاً: بين الحقيقة الشخصية وحقيقة السلطة
الاعتقال السياسي في المغرب ليس فقط سجناً للأفراد، بل اختباراً للمجتمع بأكمله: كيف نتعامل مع المثقف حين يسقط؟ هل نحاكمه كإنسانٍ
أم كرمزٍ سياسي؟ وهل يمكن فصل الحقيقة الشخصية عن نبل القضية التي يدافع عنها؟
في كل مرة يُعتقل فيها صحافي، تتكرّر المأساة نفسها: السلطة تبرّر قمعها باسم الأخلاق، والجمهور ينقسم بين من يرى في المعتقل بطلاً، ومن يراه خائناً للقيم. وفي الحالتين، تضيع الحقيقة بين المحاكم والسوشيال ميديا، بين الخطاب الحقوقي والأهواء الشخص
إن أزمة الاعتقال السياسي في المغرب ليست فقط صراعاً بين السلطة والمعارضة، بل صراع داخل الذات المغربية نفسها: بين الحرية التي تُطلب، والأخلاق التي تُهمل، بين الكلمة النبيلة والسلوك المنحرف، بين الدولة التي تعاقب، والمجتمع الذي يبرّر.
وحده الوعي الفلسفي قادر على إعادة التوازن: أن نؤمن بأن حرية التعبير لا تُلغِي المسؤولية الأخلاقية، وأن الأخلاق لا تُستعمَل لتبرير القمع. فالعدالة لا تستقيم إن لم تُنصف الإنسان مرتين: مرّة كحُرٍّ يفكر، ومرّة ككائنٍ يخطئ
اترك تعليقاً