أوهام المدرس، قراءة في بنية الوعي المهني

لا تزال مهنة التدريس في مجتمعنا محاطة بهالة كثيفة من التصورات المتخيلة، بعضها يولد من الداخل وبعضها الآخر يعاد إنتاجه اجتماعيا وثقافيا، حتى أصبح المدرس يتحرك داخل شبكة من الأوهام التي تؤثر في رؤيته لذاته ووظيفته ولمعنى الفعل التربوي. إن الأوهام هنا ليست أخطاء بسيطة في التفكير، بل بنيات رمزية تتشكل عبر تاريخ طويل من التمثلات حول المعرفة والسلطة والرسالة والعدالة والخبرة والإصلاح. وهي تختزن نوعا من الغرور المهني أحيانا، ومن المظلومية أحيانا أخرى، وتعمل في الحالتين على حجب الحقيقة المعقدة للعمل التربوي وللهوية المهنية التي تتطلب وعيا نقديا يقظا.
فمن منظور سوسيولوجي، يتجسد المدرس داخل حقل له قوانينه ورهاناته وحدوده، كما يصفه بيير بورديو الذي يرى أن الفاعل لا يتحرك أبدا بمحض إرادته الخالصة، بل داخل فضاء تحدده سلط ورهانات ومعايير تجعل ممارسته نتاجا لتفاعل بين بنية موضوعية وهابيتوس داخلي. لذلك، ففهم أوهام المدرس يستدعي فهما للحقل المدرسي بوصفه فضاء لإنتاج الرموز وتوزيع الشرعية وترتيب الفاعلين.
إن الوهم ليس نقيض الحقيقة فحسب، بل هو آلية دفاعية تسعى الذات من خلالها إلى بناء معنى ثابت تجاه عالم متغير. فالوعي المهني حين يتحول إلى يقين مغلق يفقد قدرته على التعلم، ويتحول إلى خطاب يبرر ولا يفكك. وهذا بالضبط شرط الوهم التربوي: تحويل ما هو مجرد تجربة تاريخية إلى حقيقة نهائية.
•وهم الرسالة:
من أبرز الأوهام التي ترافق المدرس اعتقاده بأنه يحمل رسالة مقدسة. هذا الوهم جذاب لأنه يمنح صاحبه شعورا بالقيمة الأخلاقية في عالم يتآكل فيه الاعتراف الاجتماعي. غير أن هذا التصور كثيرا ما يحجب الطابع المهني والبراغماتي للتعليم. المدرسة ليست خطابة رسالية، بل مؤسسة اجتماعية تخضع لشروط اقتصادية وثقافية وتنظيمية. يوضح إميل دوركايم، مؤسس السوسيولوجيا عموما، وسوسيولوجيا التربية، كيف أن المدرسة تعمل على “صنع الكائن الاجتماعي فينا”. لكنها لا تفعل ذلك من خلال رسائل فردية، بل من خلال الضبط الاجتماعي المنظم والقواعد المشتركة. ومن ثم فالوهم يبدأ حين يعتقد المدرس أن أثره الأخلاقي يتجاوز المنظومة، وأنه حامل لمعنى أكبر من الشروط الواقعية لمهنته.
•وهم المعرفة:
ينظر كثير من المدرسين إلى معرفتهم كيقين مكتمل. وهذا يعود إلى أن المدرس يبقى طيلة سنوات في موقع من ينتج الخطاب، لا من يتلقاه. هنا يتولد وهم امتلاك الحقيقة. وأحيانا تتحول السلطة الرمزية للمعرفة الملقاة إلى قيد يقمع السؤال ويمنع التجريب ويجعل المدرس أسير تكرار لا نهاية له. كما يشير بيير بورديو أيضا إلى أن المعرفة المدرسية ليست محايدة، بل تحمل أثرا طبقيا ورمزيا. وما لم يدرك المدرس هذا الطابع المشروط للمعرفة، فإنه سيظل يتعامل معها كجوهر ثابت لا كأداة للتحليل والفهم. فالمعلم الذي يكتفي بنقل المعرفة دون مساءلتها يساهم، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج اللامساواة وفي إغلاق آفاق التفكير النقدي.
•وهم التحكم:
يخيل للمدرس أنه قادر على السيطرة التامة على القسم، وعلى السلوك، وعلى مجرى الدرس، وعلى علاقة التلاميذ بالمعرفة. لكن أي قسم هو أساسا فضاء مقاومة ناعمة، كما يقول ميشيل دو سارتو في كتابه “ابتكار الحياة اليومية” حيث يبتكر التلاميذ استراتيجيات خفية لإعادة صياغة سلطة الأستاذ أو الالتفاف عليها.
إن الوهم هنا يتجلى في الاعتقاد بأن الانضباط شأن تقني، بينما هو في جوهره علاقة رمزية معقدة بين سلطة المدرس ورهانات المتعلم. وحين ينتقل المدرس من وهم التحكم إلى فهم دينامية القسم، يكتشف أن دوره الحقيقي ليس فرض النظام، بل خلق شروط لمعنى مشترك يسمح بوجود تعلم فعلي.
•وهم العدالة:
كثير من المدرسين يتصورون أنفسهم منصفين بطبيعتهم، لكن الأحكام التي تتخذ داخل القسم ليست بريئة. فهي تخضع لعوامل خفية من قبيل صورة التلميذ، طبقته الاجتماعية، مستوى لغته، قدرته على مسايرة النسق، أو حتى مزاج المدرس نفسه. فالعدالة التربوية ليست ادعاء بل ممارسة واعية. يشير ريمون بودون إلى أن الاعتقاد في العدالة الذاتية يخلق ما يسميه “العدالة المتخيلة”، حيث تبرر الذات اختياراتها المهنية باعتبارها موضوعية، بينما هي محكومة بتحيزات لا شعورية. المدرس الذي يرفض الاعتراف بحدود عدالته يظل أسير تمثل مثالي لذاته، وغير قادر على تطوير ممارسته.
•وهم الخبرة:
كلما طال عمر المدرس، كلما ازداد إيمانه بأنه “رأى كل شيء”. لكن الخبرة حين تتحول إلى يقين تتحول إلى سجن. الخبرة ينبغي أن تكون رصيدا للتطوير، لا حجة لإغلاق الأفق. ومرونة المدرس تكمن في اعترافه بأنه رغم سنوات العمل لا يزال يتعلم.
يتحدث نوربرت إلياس عن “إغراء الماضي” الذي يجعل الفاعل مأسورا لأنماط عمل قديمة ظن أنها نهائية. والوهم هنا هو تحويل التجربة إلى معيار مطلق، بينما الحقيقة أن الأجيال تتغير، والسياقات تتغير، والمعرفة التربوية نفسها تتغير.
•وهم الضحية:
يتبنى المدرس أحيانا خطاب المظلومية: الأجور ضعيفة، الاعتراف قليل، الإصلاحات مفروضة، المجتمع غير مقدر، والوزارة تضغط… هذه عناصر حقيقية، لكنها تتحول إلى وهم حين تصبح إطارا يعرف الذات ويبرر العجز. خطاب الضحية يمنح راحة نفسية لأنه يعفي الذات من مسؤولية الفعل. في مثل هذا السياق يرى إرفينغ غوفمان أن الهويات المهنية تملك دائما جانبا تمثيليا، وأن الأفراد قد يلجؤون إلى “استراتيجيات حفظ الوجه” حين يشعرون بانخفاض قيمتهم الاجتماعية. خطاب الضحية من بين هذه الاستراتيجيات، لأنه يعفي الذات من مساءلة قدرتها على التكيف والإبداع داخل المنظومة.
•وهم الإصلاح:
الوهم الأخير هو الاعتقاد بأن الإصلاح إما مسؤولية المدرس وحده، أو مسؤولية الدولة وحدها. بينما الحقيقة أن الإصلاح عملية معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية وديداكتيكية. المدرس ليس محور كل شيء، لكنه أيضا ليس هامشا.
يقول هابرماس إن الفعل التواصلي هو أساس أي تغير اجتماعي. أي أن الإصلاح لا يأتي من فوق فقط، بل من إعادة بناء العلاقة بين الفاعلين داخل النسق التربوي: الدولة، الأسرة، المدرسة، المدرس، المتعلم. وكل وهم من الأوهام السابقة يجعل الإصلاح أكثر صعوبة لأنه يخلق وعيا زائفا بالواقع.
نحو وعي مهني جديد:
الخروج من أوهام المدرس لا يعني جلد الذات، بل استعادة القدرة على النظر إلى المهنة من منظور نقدي. فالوعي لا يبنى عبر اليقين، بل عبر الشك والتساؤل والاعتراف بالحدود. والمدرسة، في النهاية، ليست مكانا لتكرار التاريخ، بل لبناء إمكان جديد.
إن المدرس الذي يتخلص من هذه الأوهام يكتشف أن دوره ليس حمل رسالة مثالية، ولا إلقاء معرفة من أعلى، ولا التحكم في كل شيء، ولا ادعاء العدالة المطلقة، ولا الاحتماء بالخبرة المغلقة، ولا الخطاب المظلومي، ولا انتظار إصلاح يأتي من مكان مجهول. بل دوره أن يصبح فاعلا نقديا، واعيا، مشاركا، في بناء معنى تربوي جديد يعترف بتعقيد الواقع ويتعامل معه بذكاء لا بوهم.
اترك تعليقاً