وجهة نظر

حين يسقط التنظير مغشيًّا عليه

يميل الخطاب الوعظي، حين يبتعد عن شرط الواقعية، إلى التحوّل من مشروع إصلاحي إلى تجربة اجتماعية محفوفة بالمفاجآت. فالأفكار، مهما بلغت درجة اتساقها النظري، لا تعيش في الفراغ، هي تُختبر في ميدان بشري معقّد لا يعترف بسهولة الشعارات ولا برشاقة التنظير. وكلما توسّع الواعظ في توصيف ما ينبغي أن يكون، دون تقدير لما يمكن احتماله، اقترب خطابه – من حيث لا يشعر- من حافة الكوميديا غير المقصودة. وهنا تتدخل الدعابة كآلية تصحيح فعّالة، تُعيد الفكر إلى حجمه الطبيعي، وتذكّر أصحابه بأن الواقع لا يقرأ المواعظ قبل أن يختبرها عمليًا.

من هذا المنطلق، تنفتح محاور هذا المقال على حكاية تكشف، بضحكٍ صريح، كيف يمكن لفكرة متماسكة نظريًا أن تتهاوى عند أول احتكاك جدي بالحياة الوقعية.

من المنبر إلى سرير الإنعاش

تبدأ الحكاية في مشهد يبدو مألوفًا ومطمئنًا: مرشدة دينية تُلقي درسًا للنساء، تتحدث بثقة عالية عن فضائل الزوجة الصالحة، وتبلغ ذروة خطابها عند الدعوة إلى مساعدة الزوج على إحياء سنة تعدد الزوجات. الكلام منسجم، والنبرة واثقة، والقاعة في حالة إنصات، كأن الجميع أمام حقيقة نهائية لا تقبل النقاش. وما إن ينتهي الدرس حتى تتحول القاعة فجأة من فضاء وعظي هادئ إلى مسرح واقعي لا يعترف بالمجاملات. تتقدم امرأة تُدعى ربيعة، تعانق المرشدة بحرارة، وتبارك لها سعة صدرها، ثم تُلقي القنبلة بابتسامة باردة: ” آختي الَعْزيزة .. أنا متزوجة من راجلَك هادي أربع سنين”. في تلك اللحظة، يسقط الخطاب من عليائه، وتُصاب المرشدة بصدمة حقيقية، تصرخ، وتترنح، ويُغشى عليها، في مشهد يُجسّد حرفيًا اصطدام النظرية بالتطبيق.

 تُنقل المرشدة إلى المستشفى، وترافقها ربيعة، وكأن الواقعة لم تكتمل بعد. وعندما تستفيق المرشدة من غيبوبتها، يأتي الكشف الأخير: ربيعة ليست ضرّة لها أصلًا، ولا تعرف زوج المرشدة من قريب ولا من بعيد، وإنما أرادت أن تقول لها – بطريقة عملية لا تخلو من قسوة ساخرة – إن بعض الدروس أكبر من قدرة مُلقيها على الاحتمال.

هكذا تُختتم الواقعة بجملة بسيطة، لكنها قاتلة في دقتها: “خلي دروسك في الصلاة وبرّ الوالدين .. وما تتفلسفيش علينا احنا العيالات في أمور ما تقدريش عليها”.

حين يعلّم الواقع بلا إذن

انطلاقًا من هذه الواقعة الساخرة، يمكن استخلاص مستملح اجتماعي بالغ الذكاء: أن المجتمع لا يُجادل الخطابات المثالية طويلًا .. فهو يختصر النقاش في اختبار واحد حاسم. ربيعة لم تناقش النصوص، ولم تُفنّد الأدلة، ولم تُطالب بتوضيح فقهي، ولكنها طبّقت الفكرة على صاحبتها تطبيقًا فوريًا، فكشفت هشاشتها النفسية قبل أن تكشف ضعف خطابها. وهنا يظهر الواقع بوصفه أذكى ناقد، لا يكتب مقالات ولا يُلقي محاضرات، وإنما يضعك مباشرة في قلب الفكرة التي تروّج لها. 

هذه الحكاية تضحكنا لأنها تُجسّد حالة إنسانية عامة: كثيرون يدافعون عن أفكار كبيرة طالما ظلت بعيدة عن بيوتهم، لكنهم يرتبكون فور اقترابها من تفاصيلهم الخاصة. المستملح هنا أن الوعظ، حين ينفصل عن التجربة الذاتية، يتحول إلى كلام جميل صالح للجميع .. ما عدا صاحبه. وهكذا يصبح الضحك آلية اجتماعية لتقويم الخطاب دون محاكمات، ودون خصومات، ودون الحاجة إلى رفع الصوت.

فضيلة مهملة في الخطاب الأخلاقي

تقودنا الحكاية، بعد انقشاع الضحك، إلى استنتاج أكاديمي شديد الجدية .. أن الواقعية هي شرط إمكانية القيم. فالمرشدة لم تُخطئ في استحضار مبدأ ديني، لكنها أخطأت في تجاهل بعدها الإنساني والنفسي، وافترضت أن القدرة على الوعظ تعني القدرة على الاحتمال. والحكاية، في هذا السياق، تُعيد الاعتبار لفكرة “اعرف حدودك أولا” بوصفها فضيلة أخلاقية لا تقل شأنًا عن الجرأة في الطرح.

إن أجود الخطابات هي تلك التي تعرف أين تتوقف، ومتى تصمت، وماذا تترك لغيرها. ومن هنا تتحول الواقعة إلى درس مركزي: أن من لم يختبر الفكرة في ذاته، لا يملك حق تقديمها للآخرين بوصفها وصفة جاهزة. فالواقع، كما أثبتت ربيعة، لا يرحم التفلسف الزائد، لكنه يضحك كثيرًا ممن يُفرط فيه.

ختاما .. حين يتصالح الوعظ مع الواقع

تكشف هذه الحكاية، في جوهرها، أن الخطاب الأخلاقي لا يُقاس بعلو نبرته ولا بسعة مفاهيمه، ولكنه يقاس  بمدى صدقه مع النفس قبل الآخرين. فليس كل ما يُقال صالحًا لأن يُحتمَل، وليس كل ما يُنظَّر له قابلًا للتطبيق في كل البيوت والقلوب والظروف. وحين يغيب هذا الوعي، يتحول الوعظ – رغم حسن النية – إلى عبء، وتتحول القيم من جسورٍ للإصلاح إلى اختبارات قاسية تكشف هشاشة أصحابها. 

إن الواقعية هنا لا تُطالب بالتنازل عن المبادئ، بقدر ما تدعو إلى ترتيبها، وتقديم ما يقدر الإنسان على حمله دون ادعاء أو مغامرة أخلاقية غير محسوبة. فالدرس الأعمق أن الحكمة ليست في كثرة الكلام والتنظير، ولكن الحكمة في اختيار ما نقول، ومتى نقوله، ولمن نقوله. ومن أحسن تقدير طاقته، سلم خطابه، ومن تجاهل حدوده، تولّى الواقع – ساخرًا – مهمة التأديب والتذكير .. فتأمل أنت يا من ينظر بدون كوابح .. !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *