وجهة نظر

مؤتمر الغرباء: هل يحتاج المغرب حقاً إلى «مرجعيات مستوردة» للعيش المشترك؟

أعلنت مؤسسة «سوس ماسة للتعايش» عن تنظيم مؤتمر وطني جديد تحت عنوان: «التعايش كمرجعية جامعة لمكونات المجتمع المغربي»، بمشاركة مجموعة من الأسماء التي اعتادت الظهور في مثل هذه المناسبات. غير أن هذا الإعلان يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: لماذا يُصرّ بعض الفاعلين على استيراد موضوعات قُتلت بحثاً في سياقات غريبة، ثم محاولة زرعها في تربة مغربية لا تحتاجها؟

التعايش كفطرة… لا كمشروع مستورد

يكتسب النقاش حول «التعايش» معناه في المجتمعات التي تعيش توترات طائفية أو انقسامات هوياتية حادة. أما المغرب، فليس واحداً من تلك النماذج. هنا، التعايش ممارسة يومية لا مشروعاً نظرياً تنتظر النخبة صياغته. إنه جزء من الفطرة الاجتماعية، من تفاصيل الأسواق، ومن تاريخ طويل جعل الاختلاف جزءاً من الحياة لا تهديداً لها.

هذا التاريخ ليس مادة تنظيرية صالحة للمؤتمرات فقط، بل تعايش عفوي حفرته الحياة اليومية في ذاكرة هذا التراب. تشكّل في بساطة اللقاءات داخل أسواق أحياء «الملاح»، وتجسّد في عادات الجيران التي تخطّت حدود الديانات؛ حيث كان اليهودي والمسلم يتقاسمان مائدة عيد «الميمونة» كما يتقاسمان الهمّ اليومي، دون حاجة إلى «مرجعية» أكاديمية تشرح لهما معنى العيش المشترك.

وحتى لا تظل هذه العفوية الشعبية رهينة التقلبات، وحتى لا نَبخس الدولة أشياءها، التقطتها إرادة سياسية واعية جعلت من التعايش نهجاً رسمياً ومؤطَّراً للدولة. فالمؤسسة الملكية، بوصفها الضامن للوحدة، عملت على تطريز هذا النسيج دستورياً؛ من رفض الملك محمد الخامس للتفرقة في أربعينيات القرن الماضي، إلى إدراج المكوّن العبري كرافد للهوية الوطنية في دستور 2011، وصولاً إلى ترميم المعابد والمقابر اليهودية اليوم. كل ذلك يؤكد أن التعايش في المغرب نبتة أصلية، جذورها في وجدان الشعب، وظلالها في رعاية الدولة، فلا تحتاج إلى «مستوردين» يقلّمونها في قاعات الفنادق المكيّفة.

كرنفال النخبة التائهة

أهلاً بكم، إذن، في هذا الكرنفال السريالي، حيث يجتمع «الجهابذة» لمناقشة موضوع حملوه في حقائبهم الفاخرة، وكأن المغرب كان غابة قبل وصول طائرتهم. هؤلاء لا يجتمعون لحل مشكلة واقعية، بل لاختراع «أزمة» تبرر استمرار خطابهم. فكيف يمكن للمرء أن يظل «مفكراً تنويرياً» إذا اعترف بأن المجتمع متعايش بالفطرة، ببساطة الخبز والشاي؟

المثير للسخرية في الملصق ليس العنوان الطنّان فحسب، بل تلك الملامح المتجهمة التي توحي بأن أصحابها يواجهون معضلة كونية، بينما الحقيقة أنهم يعيشون في «منفى اختياري» بعيداً عن نبض الناس ولغتهم وتفاصيلهم. ينظرون إلى المجتمع من أبراجهم العالية كعينة مخبرية، وكأن المغاربة «قبائل» تحتاج إلى دروس في التعايش من أشخاص لا يلتقون بهم إلا في ردهات الفنادق الفخمة.

غياب اللغة المشتركة

إنه مؤتمر للتيه، لا للبحث. نخبة تاهت عن دروب الناس حتى صارت غربتها الفكرية تُقدَّم باعتبارها «مرجعية جامعة». يجلسون حول طاولات لامعة يرسمون خرائط لمجتمع لم يخطوا أزقته، ويقترحون علاجات لأمراض لا توجد إلا في خيالهم المستورد من مدن لا تشبهنا.

لذلك يشعر المواطن بأن بينه وبينهم مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بغياب اللغة المشتركة؛ فهم يتحدثون بلسان لم تُنطقه هذه الأرض يوماً. فالتعايش الحقيقي لا يُصنع في المؤتمرات، ولا يُكتب في أوراق العمل، ولا يُختزل في خطابات جاهزة. إنه يُمارَس في الأسواق، في صمت الجيران، في لهجات الباعة، وفي لحظات تقاسم الرغيف دون تنظير. أما هؤلاء، فكلما حاولوا تعريف التعايش، ازدادوا ابتعاداً عنه، وكأنهم يطاردون شبحاً لا يسكن إلا في خيالهم المؤدلج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *