منتدى العمق

صدور كتاب “مسارات فكرية في حقول المعرفة والإنسان” حول السوسيولوجي والخبير في التربية الدكتور الخمار العلمي

عن منشورات مكتبة السلام الجديدة بالدار البيضاء، صدر في الآونة الأخيرة كتاب جماعي موسوم ب”مسارات فكرية في حقول المعرفة والإنسان، دراسات في المتن السوسيولوجي للخمار العلمي”، من تنسيق وتقديم الدكتور سامي دقاقي (أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء). الكتاب الذي يقع في 288 صفحة من القطع المتوسط يتناول تجربة السوسيولوجي المغربي والخبير في التربية وعلومها الخمار العلمي، التي تأسست قبل أربعة عقود بوصفها واحدة من التجارب الرائدة في حقل البحث العلمي المتوجه إلى التربية عموما، والمدرسة على وجه الخصوص وسوسيولوجياتهما. تجربة ارتأى العديد من الباحثين والباحثات المشاركين في هذا الكتاب أن ينظروا إليها كل بحسب تخصّصه، من موقع يتوحّد فيه البرهان بالوجدان، وتتقاطع من خلاله الرؤى المعرفية بالثقافة الإنسانية في بعدها القيمي المرتبط بثقافة الاعتراف أساسا.

هذا، وقد انكبّت الأوراق البحثية المؤسسة لهذا الكتاب على دراسة منجز الدكتور الخمار العلمي عبر ما أنتجه من أعمال، وما حققه من مشاريع بحثية من خلال المداخل أو المحاور التالية:

1- الفكر السوسيولوجي المعاصر عند الخمار العلمي (سوسيولوجيا المنهاج، سوسيولوجيا المدرسة، سوسيولوجيا التقويم…)، تناول عبر العودة إلى السرديات السوسيولوجية الكبرى ومحاورتها (مساءلتها) العديد من أوجه التجديد العلمي التي حملها المتن الأكاديمي للخمار العلمي، حيث وسم الباحث الدكتور سامي دقاقي (أستاذ مؤطر بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء) دراسته ب “الفكر العداليّ عند الدكتور الخمار العلمي، نحو سوسيولوجيا مدرسيّة معاصرة ومجدِّدة”، وعنون الدكتور أحمد الدهمي(مفتش منسق جهوي تخصصي لمادة الفلسفة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مراكش آسفي) ورقته ب “سوسيولوجيا التربية في أعمال عالم الاجتماع الخمار العلمي”، أمّا مساهمة الدكتورة فوزية العطيفي (أستاذة محاضرة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس) فقد جاءت بعنوان “الخمار العلمي وسوسيولوجيات الإنسان، ملمح تربوي وإيتيقي وتنويري”، بينما صدّر الدكتور عمر أكراصي (أستاذ محاضر مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بفاس) مقاله ب “سوسيولوجيا تقويم القيم في مادة الفلسفة، شبكة الدكتور الخمّار العلمي نموذجا”. وخُتِم هذا المحور بورقة الباحثة في سلك الدكتوراه ناهد لحمامي الموسومة ب”من سوسيولوجيا التربية إلى علوم التربية والإنسان، قراءة في الفكر التربوي عند الخمار العلمي”.

2- سوسيولوجيا القيم، مبحث مجدّد ومعاصر طبع أغلب مسارات وتاريخ الخمار العلمي؛ باحثا وممارسا ومؤلفا في الكتب المدرسية، على اعتبار أنّ القيم شكلت العصب الحيوي لكلّ الحقول والمباحث الأخرى في مشروع العلمي التربوي والسوسيولوجي في عمقه الحداثي بالأساس. كتب في هذا المحور كل من الدكتور حسن صابر (باحث في السياسات الاجتماعية والثقافية والرياضية) “الافتتان بالقيم وفتنة القيم في زمن الهيمنة الرقمية: قراءة في أعمال السوسيولوجي الخمار العلمي”، والدكتور حسن حمّي (أستاذ محاضر بجامعة المولى سليمان ببني ملال) “دراسة تحليلية لتأثير القيم والمعرفة في المجتمع المعاصر، التربية والقيم: رؤية سوسيولوجية”، والباحث في سلك الدكتوراه نورالدين برحيلة “المدرسة والقيم وأفق الحداثة في فكر الدكتور الخمار العلمي”.

3- سوسيولوجيا الحداثة، بوصفها أفقا معرفيا وفلسفيا وأخلاقيا أطّر أغلب مقولات وخطابات وأعمال الدكتور الخمار العلمي، كما شكّل خلفية أضاءت اهتماماته وانشغالاته العلمية ردحا من الزمن. نصادف في هذا المحور مقالا للدكتور يوسف عبّو (أستاذ محاضر بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس) بعنوان ” خصائص مقومات الحداثة من منظور السوسيولوجي الخمار العلمي، إشكالات قيمية وقضايا تربوية”، وآخر للدكتورة نزهة بلغازي “السوسيولوجيا والحداثة، رؤى في الديموقراطية والتربية والقيم عند الخمار العلمي”، وثالثا للدكتور محمد كرام (أستاذ محاضر بجامعة المولى إسماعيل بمكناس) بعنوان “أفق الحداثة في الفكر التربوي للدكتور الخمار العلمي”.

4- الفكر التربوي عند الخمار العلمي، محور تظافر فيه التفكير في مستقبل التربية بهذا الوطن، بوصفه الانشغال المركزي الذي ظلّ يسود كلّ أعمال العلمي، والتأسيس عمليا وإجرائيا لقضايا التربية والتعليم بالمغرب، ورسم معالم خارطة طريق تسعف في بناء السياسات التعليمية وإضاءة بعض أوجه الأزمة، في أفق إنجاح أوراش الإصلاح الحقيقي. نقرأ في هذا الباب مقالا للطالبة الباحثة في سلك الدكتوراه رجاء بنعيشة بعنوان “الفكر التربوي عند الخمار العلمي”، وآخر للدكتورة سهام الشويا موسوم ب “مستقبل التربية والثقافة بالمغرب، قراءة في المشروع التربوي عند الخمار العلمي”.

5-سوسيولوجيا النّوع الاجتماعي، في علاقته بالمشروع التربوي للخمار العلمي في بعده الحداثي بالأساس، وعبر “تأنيث” الاهتمام والموضوع هذه المرّة، وذلك من خلال الوقوف على البعد السيكو-اجتماعي للظاهرة التربوية. هذا التوجّه ليس غريبا على الرجل طالما أنّ أساس انشغاله بهذا الأمر يعود لأطروحته الجامعية لنيل دكتوراه الدولة في سوسيولوجيا التربية سنة 2001 في موضوع تعليم “الفتاة بين النهضة والردة”، مساهمة منه في تحليل الخطاب حول تعليم الفتاة في المغرب. نقرأ هنا مقالا للطالبة الباحثة في سلك الدكتوراه عبلة الجزّار بعنوان “سوسيولوجيا التربية وسؤال النوع الاجتماعي، قراءة إبستيمولوجية في كتاب المجال والحجاب، في سوسيولوجيا تأنيث التعليم بالمغرب للدكتور الخمار العلمي نموذجا.

6-التفكير الفلسفي في كتابات الخمار العلمي، حيث تتقاطع السوسيولوجيا وعلوم التربية عموما بالاشتغال الفلسفي، في بعده الإبستيمولوجي تارة، وفي أبعاد أخرى من ضمنها، البعدان “الجينيالوجي”، و”الأنطولوجي”، وذلك بغاية مساءلة وتفكيك وإعادة بناء مفاهيم تؤسس صلب الممارسة التربوية والتعليمية من قبيل: “السلطة”، و”المعرفة”، و”اللعب”، و”التغير الاجتماعي”، وغيرها طبعا. في هذا الصدد نقرأ مقالا للباحث في الفلسفة والجماليات إدريس كثير بعنوان: “جينيالوجيا التنمية أو الإحالة الأنطولوجية”، وآخر للدكتور مصطفى جبور (أستاذ محاضر بجامعة محمد الأول بوجدة) موسوم ب” الممكن والممتنع في تحول الفردانية إلى فردنة”.

وممّا جاء في تقديم الكتاب (…إن خوض مغامرة التأليف والكتابة حول مفكّر مجدّد في مجال تخّصصه على وجه التحديد (السوسيولوجيا)، لا تخلو من متعة متحقّقة سواء خلال الإنجاز، أو أثناء التوضيب والإخراج. كما لا تخلو من فائدة كبيرة يوفّرها تنوع المادة المعرفية، وتعدد المقاربات المنهجية والفكرية، وتقاطع الحقول العلمية وتكاملها، وذلك بما تقتضيه طبيعة الإخلاص لمرجعية الباحث، والوفاء للمتن العلمي والمعرفي للمحتفى به في هذا العمل. لهذا من الطبيعي التذكير بأنّ الاعتراف كقيمة إنسانية رفيعة تؤسس نصوص هذا الكتاب الذي ارتضينا له عنوانا: “مسارات فكرية في حقول المعرفة والإنسان، دراسات في المتن السوسيولوجي للخمار العلمي”، هو في واقع الأمر اعتراف مزدوج؛ تارة بأستاذِ أجيالٍ وأزمنةٍ معرفيةٍ ساهم في تجديد السوسيولوجيا المغربية من مداخل متعدّدة، وترسيخ سوسيولوجيات جديدة ومعاصرة، مع كل ما يقتضيه هذا المشروع الكبير والمهم من بناء ثقافة الفهم والاستقبال، وأيضا إرساء حسّ علميّ مشترك يؤمن بالاستمرارية؛ التزاما وانخراطا وممارسة. ذلك أنّ المحتفى به البروفيسور الخمار العلمي ليس رجلا عاديا، فهو من عيار جيل المؤسسين والرواد الأوائل الذين بصموا تاريخ هذا الوطن علميا وثقافيا وأخلاقيا، كلّ من موقعه ومجال تخصّصه، تماما مثلما يمكننا الحديث في السوسيولوجيا عن محمد جسوس وفاطمة المرنيسي وعبد الكبير الخطيبي وعبد الجليل حليم ورحمة بورقية، وفي سوسيولوجيا التربية عن العربي إباعقيل وعائشة بلعربي والمكّي المروني ومحمد الشرقاوي، وفي السيكولوجيا عن مبارك ربيع والغالي أحرشاو وأحمد أوزي والحاج عنيمي، وفي حقل علوم التربية عن محمد الدريج ومحمد الأشهب…. وغيرهم كثير ممّن أغنى الخزانة الوطنية في هذه المجالات.

إلاّ أنّ ميزة الخمار العلمي تمثلت في تلك القدرة الإبستيمولوجية والمعرفية على التوليف والربط من منطلق تكاملي بين علوم وحقول متعددة (السوسيولوجيا، السيكولوجيا، الفلسفة، علوم التربية) أثرت ممارسته المهنية والتأليفية على السواء، عدا ما أسّس له من تكامل وتظافر في مجال تخصصه الدقيق بين سوسيولوجية التربية وسوسيولوجيات معاصرة بكل أجهزتها المفاهيمية الجديدة، من قبيل: سوسيولوجيا القيم، سوسيولوجيا التقويم، سوسيولوجيا المنهاج، سوسيولوجيا العدالة المدرسية، سوسيولوجيا الذكاء، سوسيولوجيا الحبّ…

الاعتراف في هذا المؤلف الجماعي هو اعتراف من جهة ثانية بالباحثين الجدد المشاركين في هذا العمل، بوصفهم مشاعل وورثة ينطلقون من تصوّرات المحتفى به أساسا، ومن خلفيات علمية ومعرفية تلتقي عند الأسماء المرجعية التي سبق ذكرها، وأيضا عند غيرها من الأسماء المؤسِّسة الأخرى، نحو آفاق أرحب، وفي اتجاه ترسيخ وإضاءة مشاريعهم العلمية الخاصة في المستقبل…)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *