وجهة نظر

التقية الخطابية: عندما تصبح المبادئ رهينة الحسابات

تفرض التحديات الأخلاقية التي تواجه الجاليات في المهجر تساؤلات عميقة حول دور الكلمة ومسؤولية المنبر. وفي رصد لظاهرة متكررة في هذه الأوساط، تبرز ازدواجية المواقف تجاه قضايا عادلة وواضحة، مما استدعى نحت مصطلح «التقية الخطابية» لتوصيف هذه الحالة وتفكيك أبعادها.

ماهية التقية الخطابية

المقصود بـ«التقية الخطابية» تلك الممارسة التي يُستعمل فيها الخطاب القيمي أو الديني بشكل انتقائي، بحيث يُرفع المبدأ في العموم، ويُعلَّق تطبيقه عندما يصبح مكلفاً أو حين يلامس قضايا حساسة. إنها في جوهرها طريقة للالتفاف على الكلفة الأخلاقية لاتخاذ موقف صريح، عبر الاكتفاء بعموميات مطمئنة تُبقي الخطيب في منطقة رمادية لا تُغضب أحداً.

ميزان الظرف لا ميزان القيمة

تقوم هذه الممارسة على فصل المبدأ عن واقعه المعيش؛ فنجد من يُشيد بالعدل، لكن دون تسمية مظلوم؛ ومن يتغنّى بنصرة الحق، دون الإشارة إلى حقّ محدد؛ ومن يستدعي خطاب الأخوّة، بينما تُترك قضايا الشعوب العادلة خارج دائرة الاهتمام.

وهكذا يتحول المنبر إلى مساحة تُدار فيها الكلمات بحذر، لا بوضوح، ويُقاس فيها الموقف بميزان الظرف لا بميزان القيمة.

التعاطف الصوري وتواري الموقف

في كثير من الأحيان، لا يتجاوز التعاطف الذي يُبديه البعض حدود الكلمات الهادئة أو العبارات اللطيفة؛ إنه تعاطفٌ صوري قد يكون زائفاً، يُقال لملء الفراغ أو لحفظ الواجهة، لكنه يتلاشى حين يتطلّب الموقف كلمة واضحة تجاه قضايا عادلة لا تحتمل التأجيل.

وحين تصبح الأخوّة مجرد عبارات لطيفة في اللقاءات الجانبية، بينما يختفي أثرها في اللحظات التي تحتاج إلى كلمة صادقة، فنحن أمام حالة لا يمكن وصفها بالحياد. إنها شكل من أشكال «التقية الخطابية» التي تُظهر التعاطف في الخاص، وتُخفيه في العلن، وتتعامل مع الحق كخيار قابل للتأجيل أو الانتقاء.

ضرورة الموقف الواضح

إن التركيز على «القضايا العادلة» و«حقوق الشعوب» و«نصرة المظلوم» ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة لفهم جوهر المشكلة: الخطاب الذي يدّعي الانحياز للقيم الكونية، لكنه يتردد حين يُطلب منه أن يترجم تلك القيم إلى موقف واضح.

خاتمة: المواجهة أمام مرآة الحق

إنّ مواجهة ظاهرة «التقية الخطابية» لا تبدأ بمراجعة البلاغة، بل بمراجعة الضمير الأخلاقي للمنبر وصاحبه. فالكلمة التي تخشى تجسيد الحق في واقع المظلومين هي كلمة فاقدة لشرعيتها، مهما تزيّنت بالعموميات.

لذا، على كل خطيب أو متسلق للمنبر أن ينظر إلى المرآة ويسأل نفسه بصدق: هل في خطابه تقية؟ هل يخدم الحق أم يحمي نفسه؟ إنّ الأمانة تقتضي أن يكون الخطاب جسراً للحق لا جداراً يتوارى خلفه المترددون؛ فالحق لا يقبل التجزئة، والعدل الذي لا يُسمّي المظلومين بأسمائهم يبقى عدلاً معلقاً في الفراغ، لا أثر له في الأرض ولا وزن له في ميزان القيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *