طوق النجاة من “مخالب” الفيضان.. حكايات الرعب والصمود في وجه هيجان اللوكوس (ربورتاج)
لم أتخيل قط أن المطر يمكن أن يبتلع بيتي بهذه السرعة.. كنا نسمع هدير المياه وكأنها تقتلع الحي من جذوره. في لحظة، الماء تجاوز قدمي ثم أصبح فوق الخصر..اضطررنا للخروج في الظلام، نحمل أطفالنا ونركض.
أمينة تتحدث بنبرة ما بين الذهول والصمود، وهي تشير إلى خطوط المياه التي لم تُمحَ بعد عن جدران غرفتها. تقول إن العائلة لم تكن مستعدة لأي إخلاء، وإن خبر الصدمة ظل يرافقها لأيام بعد العاصفة.أجهزة بقيمة آلاف الدراهم غرقت في الطين..أكثر ما يؤلمني أن معظم هذه البضاعة كنت سأبيعها في شهر رمضان.
سليم يقف أمام محله، وقد غيّرت ملامحه الأيام القليلة الماضية. بالنسبة له، الخسارة ليست فقط في البضاعة، بل في فرصة عمل كان يعتمد عليها منذ سنوات.

لم تكن تلك الليلة في القصر الكبير عادية. أمطار غزيرة ومتواصلة حوّلت الأزقة إلى مجارٍ مفتوحة، وأغرقت أحياء بكاملها تحت ضغط سيول لم تعرفها المدينة بهذا الحجم من قبل. خلال ساعات قليلة، بدا المشهد وكأنه اختبار قاسٍ لبنية تحتية لم تصمم لاستيعاب هذا الكم من المياه في زمن وجيز.
أمينة، ربة بيت من حي السي عبد الله، تقول إن المياه “تسللت بسرعة غير متوقعة، وتحولت خلال دقائق إلى سيل جارف”. تشير إلى خطوط الطين التي لا تزال واضحة على الجدران، شاهدة على مستوى بلغ الخصر داخل منزلها.
غير أن الصورة لم تكن مناخية فقط. فخلف تدفق الأمطار، كان لارتفاع منسوب سد وادي المخازن دور حاسم في تعقيد الوضع، بعدما تجاوزت نسبة ملئه قدرته التصميمية، ما استدعى عمليات تفريغ محكومة نحو وادي اللوكوس حفاظًا على سلامة المنشأة.
“ليلة الماء” حين داهمت السيول البيوت..
مع استمرار التساقطات لساعات طويلة، ارتفع منسوب المياه في الأحياء المنخفضة، خاصة السي عبد الله والوهاراني والأزكاكرا. وبحلول الفجر، كانت بعض الشوارع مغمورة بأكثر من مترين من المياه، فيما حاصرت السيول منازل السكان وأجبرتهم على الإخلاء تحت جنح الظلام.

السلطات المحلية أعلنت إجلاء نسبة كبيرة من السكان نحو مناطق أكثر أمانا، فيما فضل آخرون الاحتماء لدى أقاربهم خارج نطاق الخطر. تحركات رافقتها تحذيرات رسمية من احتمال تفاقم الوضع مع استمرار ارتفاع منسوب المجاري والوديان.
وزارة الداخلية أعلنت أن عمليات الإجلاء المتدرج لسكان عدد من الجماعات الترابية المعرضة لمخاطر الفيضانات ما تزال متواصلة، إلى غاية صباح الجمعة 6 فبراير 2026، وذلك في إطار مقاربة استباقية تراعي درجات الخطورة وحجم الأضرار المحتملة، مع تسخير مختلف الوسائل اللوجستيكية لضمان نقل الأشخاص المتضررين في أفضل الظروف
وادي المخازن: المنقذ الذي تحول إلى عامل ضغط
كان لهطول الأمطار المتواصل أثر مباشر في ارتفاع مستوى المياه داخل سد وادي المخازن إلى مستويات قياسية. خلال ذروة التساقطات، وصل مستوى السد إلى أكثر من 156% من سعته التصميمية، ما جعل كميات المياه تتجاوز بكثير قدرته التخزينية، وفق بيانات رسمية.
في ظل هذه الظروف، لجأت السلطات إلى عمليات تفريغ محكومة للمياه من السد، لتخفيف الضغط على المنشأة التقنية وتجنب مخاطر قد تكون كارثية، وهو إجراء تقني بحت يتبعه مشغلو السدود عادة في مثل هذه الحالات. غير أن توقيت وكميات الإصدار كانت عاملا مضافا في تفاقم الفيضانات في مدينة القصر الكبير والمناطق المنخفضة في حوض وادي اللوكوس، ما جعل المدينة في حال طارئة.
خبراء في الموارد المائية يؤكدون أن هذه العمليات كانت مبررة من منظور حماية المنشأة، غير أنها سلّطت الضوء على هشاشة شبكات التصريف داخل المدن المعرضة للفيضانات، وافتقار آليات التخطيط المسبق للتعامل مع حالات مماثلة.
هروب السكان والمنازل المغمورة.. خسائر بالأعداد
مع اشتداد وتيرة المياه، تحوّلت الأحياء المنخفضة إلى مسارات مائية، ما أجبر الكثير من الأسر على مغادرة منازلهم في ساعات الصباح الأولى، أو حتى في قلب الليل تحت التقاطر المائي الشديد. البعض وجد مأوى مؤقتا داخل مدارس أو فضاءات مجتمعية، فيما اختار آخرون البقاء قرب ممتلكاتهم رغم التحذيرات.
في أحياء مثل السي عبد الله، الوهّاراني، والأزّكّاكرا، شهد السكان ارتفاعا في مستوى المياه تجاوز عدة أمتار في بعض النقاط، بحسب شهادات ميدانية، ما عزل المنازل وتسبب في أضرار جسيمة للثروة السكنية والمهنية على حدّ سواء.

التجار وأصحاب المحلات الصغيرة غرقوا في خسائر مادية ضخمة، إذ تضررت البضائع والمعدات، فيما ادعى عدد من السكان أن مياه الطين دخلت المنازل بقوة، مخلفة تلوثًا وبقايا لا تزال تُنظف في الأيام التالية.
الارتفاع القياسي لمنسوب المياه داخل سد وادي المخازن وضع المشغلين أمام خيار تقني صعب: تفريغ تدريجي لتخفيف الضغط وتفادي خطر على البنية الأساسية. خطوة يصفها مختصون بأنها إجراء احترازي معتاد في حالات مماثلة، لكنها ساهمت في زيادة تدفق المياه نحو المناطق المنخفضة في حوض اللوكوس.
إقرأ أيضا: لأول مرة منذ تشييده قبل 47 عاما.. سد وادي المخازن يسجل مستوى تاريخي بـ%140 (فيديو)
الدكتور سامي الغزي، أستاذ هندسة المياه، يوضح أن السدود “مصممة للتخزين وتنظيم الجريان، لكن عند تسجيل تساقطات استثنائية خلال فترة قصيرة، تضيق هوامش المناورة” ويضيف أن الإشكال لا يرتبط بالسد وحده، بل بضعف شبكات التصريف الحضري وغياب مساحات امتصاص طبيعية قادرة على احتواء الفيضانات.
خسائر بالأرقام… ووجع يومي
استفاق عدد من تجار مدينة القصر الكبير، صباح اليوم، على وقع فيضانات مفاجئة اجتاحت عدداً من الأحياء، متسببة في خسائر مادية مهمة، خاصة في صفوف أصحاب المحلات التجارية القريبة من مجرى الوادي.
في الأحياء المتضررة، تكشف المشاهد عن حجم الخسائر. محلات تجارية غمرها الطين، تجهيزات كهربائية معطلة، وأثاث منزلي تآكل تحت ضغط المياه. سليم، صاحب محل إلكترونيات، يؤكد أن بضائع بقيمة آلاف الدراهم أتلفت بالكامل، مضيفا أن الضرر لا يتوقف عند الجانب المادي، بل يمتد إلى توقف مصدر رزقه في فترة كان يعوّل عليها تجاريا.
المشهد ذاته تكرر في مناطق أخرى من شمال وغرب البلاد. ففي طنجة سُجلت اختناقات مرورية وتعطل جزئي في بعض المناطق الصناعية، بينما شهدت القنيطرة وسيدي سليمان عمليات إجلاء وإغلاق طرق قروية بشكل مؤقت.
وأوضح أحد المتضررين أن منسوب المياه ارتفع بشكل سريع خلال ساعات الليل، مشيراً إلى أن المنطقة “معروفة تاريخياً بالفيضانات”، غير أن ما حدث هذه المرة كان مفاجئاً من حيث سرعة تدفق المياه. وأضاف أن امتلاء الوادي وبلوغ السد مستويات مرتفعة، مع شروع الجهات المختصة في تصريف المياه تدريجياً، ساهم في ارتفاع منسوب المياه داخل المدينة.
وأكد التاجر أن محله التجاري تكبد خسائر كبيرة، همّت تجهيزات وآليات تُقدّر قيمتها بعشرات الملايين من السنتيمات، إلى جانب سلع مخزنة بالمحل. وأشار إلى أن بعض المعدات التي اقتناها في إطار برامج دعم سابقة، من بينها مبادرات مرتبطة بالتنمية البشرية، تعرضت بدورها لأضرار جسيمة، مضيفاً أن قيمة الخسائر الأولية قد تتجاوز 70 مليون سنتيم بالنسبة لبعض التجهيزات، فضلاً عن خسائر إضافية في السلع والبضائع.
وبحسب روايته، بدأت المياه في الارتفاع تدريجياً مساء أمس، قبل أن تتدفق بقوة نحو منتصف الليل، لتغمر الشارع في ظرف وجيز، وتصل إلى أبواب المحلات التجارية مع حلول السادسة صباحاً. وأوضح أنه حاول إنقاذ جزء من المعدات رفقة بعض العاملين معه، وتمكن من إخراج بعض التجهيزات الخفيفة التي تُقدّر قيمتها بنحو خمسة ملايين سنتيم، غير أن معدات أخرى ثقيلة ومرتفعة الثمن تعذر نقلها في الوقت المناسب.
وأضاف أن منسوب المياه استمر في الارتفاع، مع توقعات ببلوغه مستويات قد تصل إلى متر ونصف، ما ينذر بمضاعفة حجم الأضرار في حال استمرار التساقطات المطرية. وأكد أن السلع الموجهة للبيع تعرضت بدورها للتلف الكامل تقريباً، مشيراً إلى أن التجار “وجدوا أنفسهم أمام خسائر شاملة طالت المعدات والبضائع على حد سواء”.
وفي ما يتعلق بالتدخلات الميدانية، أوضح المتحدث أن التجار اعتمدوا في البداية على مجهوداتهم الذاتية لمحاولة الحد من الخسائر، في ظل سرعة تدفق المياه، مضيفاً أن الإنذارات المتداولة بين الساكنة بشأن ارتفاع منسوب الوادي دفعتهم إلى التحرك بشكل فردي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتعيد هذه الفيضانات إلى الواجهة إشكالية البنية التحتية بالمدينة، خاصة في الأحياء القريبة من مجرى الوادي، حيث تتكرر مشاهد الغمر كلما ارتفعت التساقطات المطرية أو تم تصريف كميات إضافية من المياه من السدود المجاورة. وفي انتظار تقييم رسمي شامل لحجم الأضرار، يطالب المتضررون بتدخل عاجل لجرد الخسائر ودعم التجار المتضررين، تفادياً لتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة.
مع انحسار الجزء الأكبر من المياه، انطلقت عمليات تنظيف واسعة بمشاركة الوقاية المدنية والقوات المسلحة، مدعومة بآليات ثقيلة لفتح الطرق وإزالة الأوحال. كما أعلنت الحكومة عن برنامج دعم مالي بقيمة ثلاثة مليارات درهم لإصلاح البنى التحتية، وتعويض الأسر المتضررة، ومواكبة صغار التجار والفلاحين.
إقرأ أيضا: الحكومة تصرف دعم متضرري الفيضانات: 140 ألف درهم لإعادة البناء و6000 درهم لمساعدة الأسر
رئيس لجنة الطوارئ في القصر الكبير أكد أن عمليات الإجلاء تمت بتنسيق محكم، وأن عودة السكان إلى الأحياء غير المهددة جرت بعد التأكد من السلامة الهيكلية للمنازل، مشددا على استمرار الجهود لإعادة تأهيل الشبكات المتضررة.
العودة الآمنة بعد مراة الإجلاء
في سياق إعادة الاستقرار، أعلنت وزارة الداخلية الشروع في تنفيذ تدابير العودة التدريجية للساكنة التي سبق إجلاؤها بعدد من الجماعات الترابية في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وذلك بعد تحسن الأحوال الجوية وتصنيف المناطق منكوبة بقرار لرئيس الحكومة.
وبدأت عمليات إزالة مخلفات الفيضانات منذ 7 فبراير، شملت تنظيف الأزقة والدواوير، وإعادة تزويد المناطق المتضررة بالماء الصالح للشرب والكهرباء وخدمات التطهير السائل والاتصالات، فضلا عن فتح الطرق والمسالك لاستقبال السكان في أفضل الظروف الصحية والبيئية. وتم اعتماد مخطط عمل لكل إقليم لتأمين عودة تدريجية للساكنة، مع جدولة المراحل وإشعارات رسمية لضمان انسيابية العمليات وسلامة المواطنين.
كما دعت الوزارة ساكنة المناطق غير المشمولة حاليا بعدم التوجه إلى المناطق المتضررة إلى حين صدور بلاغ رسمي، مؤكدة استمرار التعبئة الشاملة لتوفير مختلف أشكال الدعم والمواكبة.

في أجواء يغلب عليها الامتنان والارتياح، عبّر عدد من المواطنين المتضررين من الفيضانات الأخيرة عن إشادتهم بالتدخلات التي واكبت عملية إجلائهم وإيوائهم، مؤكدين أنهم “وصلوا بخير وعلى خير” بعد مرحلة صعبة عاشوها رفقة أسرهم.
أحد المتحدثين، وهو من قاطني منطقة “البزبوز”، أوضح أن السيول باغتت الساكنة، ما استدعى تدخلا سريعا من مختلف المصالح المختصة. وأكد في حديثه لجريدة “العمق” أن عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية، من باشا وقياد، أشرفوا على عمليات الإجلاء في ظروف منظمة، مضيفاً أن فرق الهلال الأحمر كانت حاضرة لتقديم الدعم اللازم.
وأوضح المتضرر ذاته أن أسرته نُقلت إلى مدينة طنجة حيث تم إيواؤهم بالمجمع الوطني للترفيه، في ما وصفه بـ”الغابة الدبلوماسية”، مشيراً إلى أن ظروف الإقامة كانت ملائمة من حيث التغذية والتطبيب والمبيت. وقال إن السلطات “وفرت الأكل والشرب والمبيت في ظروف جيدة”، مؤكداً أن الأسر عاشت فترة انتقالية اتسمت بالقلق في بدايتها، خصوصاً خوفاً على الأطفال، قبل أن تتأقلم تدريجياً مع الوضع.
وأشار إلى أن الإقامة المؤقتة في بعض المرافق، بما فيها وحدات تابعة للعسكر، كانت صعبة نفسياً في البداية، غير أن حضور السلطات ومواكبتها المستمرة خفّفا من حدة التوتر، وساهما في طمأنة الأسر. وأضاف أن عملية نقل وإيواء هذا العدد من العائلات “ليست بالأمر الهيّن”، معتبرا أن تعبئة الإمكانات اللوجستية والبشرية عكست مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وأكد المتحدث أن جميع أفراد أسرته، بمن فيهم الأطفال، عادوا إلى بيوتهم في ظروف آمنة، بعد تحسن الأوضاع. وشدد على أن الساكنة لم تُترك وحدها في مواجهة تداعيات الفيضانات، مثمناً ما وصفه بـ”الاهتمام والمتابعة” من طرف مختلف الأجهزة.
وتعكس هذه الشهادات حجم التعبئة التي رافقت تدبير آثار الفيضانات، سواء على مستوى الإجلاء أو الإيواء أو المواكبة الاجتماعية، في انتظار استكمال عمليات إعادة التأهيل ومعالجة الأضرار المسجلة بالمناطق المتضررة.
ما بعد الفيضان… درس مفتوح
بعيدا عن الأرقام، برزت مبادرات شبابية لتنظيف الأحياء، وجمع تبرعات لتوفير الأغطية والمواد الغذائية، إلى جانب دعم نفسي للأطفال. صور التضامن هذه خففت من وطأة الأزمة، لكنها لم تُخفِ الحاجة إلى مراجعة أعمق لسياسات التخطيط العمراني وإدارة المخاطر.
خبراء يعتبرون أن ما حدث يتجاوز كونه حادثا ظرفيا، ويعكس تحولات مناخية تتسم بتساقطات قصيرة وعنيفة تتخللها فترات جفاف طويلة. هذه المفارقة تفرض، وفق مختصين، تحديث نماذج التهيئة الحضرية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وربط تدبير السدود بخطط استباقية تحمي المدن الواقعة في المصبات.
فيضانات القصر الكبير لم تكن مجرد عاصفة عابرة، بل محطة كشفت هشاشة بعض البنيات أمام ضغط مناخي متصاعد. بين ضرورة حماية المنشآت المائية وضمان سلامة السكان، يبرز تحدي التوفيق بين الأمن المائي والأمن الحضري.
في خضم النقاش المتواصل حول تداعيات الفيضانات التي ضربت حوض اللوكوس، كشف تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) معطيات تفصيلية حول كيفية تدبير الأزمة، معتبرا أن السلطات حققت “نجاحا تكتيكيا” واضحا في حماية الأرواح، مقابل بروز اختلالات بنيوية عميقة في منظومة الوقاية والتعمير والتعويض.
وأكد رشيد الساري، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، وجود مجموعة من الإشكاليات الجوهرية التي تحيط بموضوع تدبير الموارد المائية ومخاطر الفيضانات في المغرب، مشددا في المقام الأول على ضرورة مراجعة الحكامة في التسيير، حيث ألح في تقارير سابقة وما يزال يؤكد على وجوب تأسيس وكالة خاصة أو مستقلة لتدبير الماء في المملكة، عوض بقاء المسؤولية موزعة ومشتتة على مجموعة من الوزارات والقطاعات الحكومية المختلفة، لضمان نجاعة أكبر في التعامل مع هذه المادة الحيوية.
وأوضح الساري في تصريح لجريدة “العمق المغربي” أن الإشكال الثاني يرتبط بشكل وثيق بقطاع التعمير وغياب المخططات الاستباقية، مبرزا أن السنوات الماضية شهدت توالي مواسم الجفاف، مما جعل الاعتماد الأكبر ينصب على فرضية أن المغرب دولة تعيش ندرة في المياه، وربما لن تعيش سيناريوهات مماثلة للفيضانات القوية، إلا أن الواقع الحالي أثبت عكس ذلك، حيث تفرض التقلبات المناخية الصعبة على المستوى العالمي واقعا جديدا، وهو ما تضرر منه المغرب مؤخرا، وكذلك تمت ملاحظته في دول مجاورة مثل إسبانيا والبرتغال.
واعتبر الخبير الاقتصادي أنه أمام هذه التقلبات المناخية المتسارعة، يجب إعادة النظر في الاستراتيجيات الوطنية بحيث لا يجب الاعتماد فقط على تدبير “الندرةخ”، بقدر ما يجب الاستثمار بشكل أكبر وأوسع في المجال الهندسي والتقني والتشريعي المرتبط بالتعمير، مشيرا إلى أن مجموعة من الأماكن التي كانت تشكل وديانا جافة في السابق، أو تلك المعرضة للفيضانات، أصبحت اليوم تشكل خطرا حقيقيا، مما يستوجب وجود هندسة خاصة للتعمير تأخذ بعين الاعتبار هذه المخاطر المستجدة.
وشدد رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة على ضرورة تفعيل الجانب الاستباقي عبر اعتبار مجموعة من المناطق “منكوبة”بمجرد وقوع الكوارث ومعاينة الأضرار التي ضربتها، لافتا إلى أن المؤسسات التأمينية والأبناك مطالبة اليوم بالانخراط في هذا الإطار والقيام بأداء ما عليها من تعويضات، خاصة أن المغرب يتوفر على صندوق لمواجهة الكوارث الطبيعية، لكنه لا يفعل بالشكل الناجع والمطلوب، في ظل استمرار الاعتماد على منطق الجفاف بينما الواقع يثبت تعرض البلاد لفيضانات مدمرة.
ونبه المتحدث ذاته إلى أن الإكراهات المناخية الحالية ستفرز واقعا صعبا يتمثل في تعرض المغرب لمجموعة من الفيضانات مستقبلا، وهو ما سيكون له تبعات اقتصادية واجتماعية ثقيلة، داعيا إلى ضرورة وضع ترسانة قوية من القوانين والتشريعات الصارمة، إلى جانب تعزيز الجانب التقني والمالي، والحذر من التهاون في تطبيق المساطر القانونية الذي قد يفسح المجال أمام جشع بعض المنعشين العقاريين لبناء عقارات في مناطق مهددة ومعرضة للخطر.

التقرير، المعنون بـ”فيضانات القصر الكبير ومنطقة الغرب: استجابة ناجحة لإنقاذ الأرواح وخارطة طريق لتعزيز حكامة الماء”، سجل أن عملية الإجلاء الاستباقي التي نُفذت بلغت نحو 154,309 أشخاص على مستوى أقاليم العرائش وتطوان وشفشاون ووزان، وذلك عند ذروة الموجة الفيضانية يوم 6 فبراير 2026.
واعتبر المركز أن هذا التحرك حال دون تسجيل خسائر بشرية داخل نطاق التدخل، رغم تسجيل أربع وفيات في حوادث مرتبطة بالسيول بإقليم تطوان خارج محيط الإجلاء.
وصف التقرير هذه المقاربة بعقيدة “الأرواح أولا” معتبرا أنها تعكس نضجا عملياتيا في إدارة الطوارئ، لكنه شدد في المقابل على أن الاعتماد على الإجلاء كآلية أساسية لا يمكن أن يشكل حلا مستداما.
فجوات في الوقاية والتعمير
بحسب الوثيقة، كشفت الأزمة هشاشة شبكات تصريف مياه الأمطار، وعدم قدرة مجاري الأودية على استيعاب التدفقات الاستثنائية، نتيجة اختناقات هندسية وتوسع عمراني غير منضبط. وانتقد التقرير استمرار منح رخص البناء في مناطق مصنفة ضمن المجالات الفيضانية، معتبرا ذلك “استثمارا ممنهجا في كوارث مستقبلية”.
كما أشار إلى أن ضعف إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير يعمق من هشاشة التجمعات السكنية، ويحول المخاطر الطبيعية إلى أزمات متكررة ذات كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة.
على المستوى التقني، توقف التقرير عند المعطيات المرتبطة بارتفاع منسوب سد وادي المخازن، الذي بلغ 1.08 مليار متر مكعب بين 6 و7 فبراير 2026، ما فرض تنفيذ إطلاقات مائية متحكم فيها للحفاظ على سلامة السد.
غير أن المركز سجل غياب تواصل استباقي مبسط يشرح للرأي العام خلفيات القرار التقني، معتبرا أن الفراغ المعلوماتي ساهم في انتشار الإشاعات وزيادة القلق في صفوف الساكنة، خصوصا بالمناطق المنخفضة على امتداد حوض اللوكوس.
سبل العيش… الحلقة الأضعف
ورغم الإشادة بالتركيز الأمني واللوجستي، نبه التقرير إلى أن حماية “سبل العيش” لم تحظ بالاهتمام نفسه، خاصة في الوسط القروي، حيث تضررت الماشية والمحاصيل والبنيات الفلاحية. كما انتقد بطء تفعيل مساطر التعويض المنصوص عليها في القانون 110.14، وغياب بروتوكولات دعم اقتصادي تلقائية.
ودعا المركز القطاع البنكي وشركات التأمين إلى تقاسم عبء الصدمة عبر تجميد الأقساط، وتوفير قروض ميسرة لإعادة الإعمار، بما يخفف الضغط عن الأسر المتضررة.
إقرأ أيضا: بعد أسابيع من الإجلاء .. القصر الكبير تستقبل أبناءها في أجواء من الامتنان (صور)
التقرير قدم خارطة طريق إصلاحية ترتكز على خمس توصيات أساسية، أبرزها:إحداث “هيئة وطنية للماء والمخاطر” لتوحيد القرار الاستراتيجي. وتفعيل “صندوق وطني للأمن المائي” لتمويل البنية التحتية الوقائية.وفرض إدماج خرائط المخاطر في وثائق التعمير وربط المسؤولية بالمحاسبة.وتطوير منصة وطنية للبيانات المائية المفتوحة لتعزيز الشفافية.ومأسسة التنسيق الميداني عبر تدريبات دورية وسجلات وطنية للمتطوعين.
كما شدد التقرير على ضرورة تثمين نقاط القوة التي أبرزتها الأزمة، خاصة التنسيق بين السلطات المحلية والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية، والدور المحوري لمديرية الأرصاد الجوية في توفير إنذار مبكر.
ودعا المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية إلى تغيير جذري في العقيدة التدبيرية للمخاطر الطبيعية، عبر الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى مقاربة استباقية مؤسساتية، ترتكز على الوقاية البنيوية، والتخطيط العمراني المسؤول، والشفافية في تدبير الموارد المائية.

وبينما تتواصل عمليات إعادة البناء في المناطق المتضررة، يطرح التقرير سؤالا جوهريا: هل تكون فيضانات اللوكوس نقطة تحول في حكامة الماء بالمغرب، أم محطة أخرى في مسار أزمات تتكرر بوتيرة أشد في ظل مناخ متقلب؟
إقرأ أيضا: الداخلية تعلن السماح بعودة سكان القصر الكبير إلى منازلهم باستثناء 3 مناطق
في الشوارع التي لا تزال آثار الطين تكسو جدرانها، يتشكل وعي جديد بأن إدارة الماء لم تعد شأنا تقنيا فقط، بل قضية تخطيط واستباق وثقافة وقاية. درس ثقيل الكلفة، لكنه يضع أمام المغرب سؤالا ملحا: كيف تُبنى مدن قادرة على الصمود في زمن المناخ المتقلب؟
قد تجف الأرض سريعا، لكن الوعي الجماعي الذي خلفته العاصفة سيبقى طويل الأمد. ففي القصر الكبير، كما في سيدي قاسم والقنيطرة وسيدي سليمان، لم يكن الفيضان مجرد كارثة طبيعية، بل علامة فارقة في زمن مناخي جديد، يفرض استعدادا مختلفا، ورؤية تتجاوز رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي.
مخاض الكارثة.. وإدارة المخاطر
لم تكن الفيضانات الأخيرة مجرد اختبار للبنية التحتية، بل كانت امتحاناً لقدرة الدولة على الاستجابة السريعة وإدارة الأزمات الكبرى. فبين إجلاء آلاف السكان وتخصيص 3 ملايير درهم للتعويضات، نجحت السلطات المغربية في تدبير أزمة الفيضانات الأخيرة بمرونة عالية.
وفي تصريح خاص لجريدة “العمق”، يستعرض الخبير الاقتصادي رشيد الساري محطات التعامل مع هذه الكارثة؛ بدءاً من “الاستباقية الرقمية” والتدخل الميداني للقوات المسلحة والسلطات المحلية، وصولاً إلى تفعيل القانون 110.14 الذي ضخ مليارات الدراهم في عروق الاقتصاد المحلي. كما يضع الساري يده على مكامن الخلل، داعياً إلى ثورة في “الحكامة المائية” والمسؤولية التشاركية بين القطاعين العام والخاص
وسحل الخبير الاقتصادي التعامل مع الكارثة تم عبر ثلاث خطوات مفصلية جنبت البلاد خسائر بشرية فادحة، حيث تمثلت الخطوة الأولى في الإجراءات الاستباقية التي اعتمدت على الإجلاء الفوري للسكان من المناطق المنخفضة والمعرضة للخطر قبل وصول السيول، وهو القرار الذي شمل أكثر من 154 ألف مواطن في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقصر الكبير، مما مكن من تسجيل صفر وفيات في المناطق التي خضعت لهذه التدابير الوقائية، وهو ما يعد مؤشرا إيجابيا مقارنة بحجم التهديد.
وأوضح المصدر ذاته أن الخطوة الثانية ركزت على سرعة الاستجابة وتدبير الأزمة أثناء وقوعها، حيث تميزت بتعبئة شاملة للموارد البشرية واللوجستية، بمشاركة فرق الإنقاذ والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والسلطات المحلية، إلى جانب الدور المحوري الذي لعبه المجتمع المدني من خلال الجمعيات المواطنة التي ساندت جهود الدولة في الميدان، مشيراً إلى أنه تم فتح مراكز إيواء مؤقتة وتوفير المساعدات الغذائية والصحية للمتضررين بشكل عاجل، رغم الصعوبات الميدانية التي واجهت فرق التدخل للوصول إلى بعض القرى والمداشر التي عزلتها السيول بسبب انقطاع الطرق والممرات، مما استدعى مجهودات مضاعفة لفك العزلة عنها.

وأكد المتحدث أن المرحلة الثالثة، التي تلت تصنيف المناطق المتضررة كمناطق منكوبة وتفعيل القانون رقم 110.14 المتعلق بالوقاية من المخاطر الكارثية، عرفت تخصيص غلاف مالي إجمالي يقدر بـ 3 ملايير درهم لتعويض المتضررين وإعادة الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي بهذه الأقاليم، مفصلا في طبيعة التعويضات التي شملت تخصيص 140 ألف درهم لكل أسرة تعرض مسكنها للانهيار الكلي و6000 درهم لكل أسرة، بالإضافة إلى تقديم دعم مالي مباشر قدره 15 ألف درهم لفائدة أصحاب المشاريع الصغيرة والتجار الصغار والمهنيين الذين توقفت أنشطتهم، لضمان استئناف الدورة الاقتصادية المحلية.
وأشار الخبير في سياق حديثه إلى أن القطاع الفلاحي استحوذ على حصة الأسد من هذا البرنامج الاستعجالي، حيث تم رصد مليار درهم من أصل الغلاف الإجمالي لجبر الضرر الفلاحي، نظرا لكون المناطق المتضررة، لاسيما في سهل الغرب وحوض اللوكوس، تعد خزانا فلاحيا استراتيجيا للمملكة، مبرزا أن الدعم شمل تعويض الفلاحين عن نفوق الماشية وتوفير الأعلاف والأسمدة والبذور المختارة لمساعدتهم على استصلاح الأراضي المتضررة وإنجاح الموسم الفلاحي والزراعات الربيعية، وهو ما يعكس وعي الدولة بأهمية الحفاظ على الأمن الغذائي واستقرار الساكنة القروية.
وشدد الساري على ضرورة استخلاص الدروس من هذه الكارثة الطبيعية لتعزيز البنية التحتية المائية وحماية الممتلكات مستقبلا، داعيا إلى تسريع وتيرة إنجاز السدود الصغيرة والمتوسطة للتحكم في صبيب المياه، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وتطوير أنظمة للإنذار المبكر تعتمد على البيانات المناخية الدقيقة والتكنولوجيات الحديثة، لافتا إلى أهمية التوفر على قاعدة بيانات دقيقة ومحينة حول الفلاحين والأسر في المناطق المهددة لضمان توجيه الدعم والمساعدات بشكل عادل وشفاف وسريع في حالات الطوارئ.

ودعا المتحدث بقوة إلى إعادة النظر في الحكامة المائية من خلال إحداث وكالة وطنية مستقلة لتدبير الماء، تتجاوز منطق تشتت المسؤوليات وتداخل الاختصاصات بين القطاعات الوزارية المختلفة، وتتمتع بصلاحيات موسعة لتدبير الموارد المائية وحماية المجالات الترابية من الفيضانات، معتبراً أن التحدي المستقبلي يكمن في الحد من الأضرار الاقتصادية والفلاحية عبر سياسات عمومية استباقية وتخطيط مجالي صارم.
ولفت رئيس المركز الافريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة الانتباه إلى المسؤولية المشتركة للقطاع البنكي وشركات التأمين في تدبير هذه المخاطر، مطالبا بضرورة انخراط الأبناك ومؤسسات التأمين بشكل أكبر في تغطية الكوارث الطبيعية والمناخية، وتسهيل إجراءات التعويض وتقديم منتجات تأمينية تتلاءم مع واقع التغيرات المناخية، مشدداً على أن التعويض عن الضرر لا يجب أن يبقى رهين التدخل الحكومي المباشر فقط، بل يجب أن يكون جزءاً من منظومة مالية متكاملة للحماية.

اترك تعليقاً