وجهة نظر

حدود الاستقلالية وإكراهات التمويل

يتعرض الصحافي محمد لغروس، منذ خرجته الأخيرة، لهجوم مكثف، ينحدر أحيانا عند البعض، لمستوى صبياني ولا أخلاقي.

وفي الحقيقة هو يتعرض لهذا الهجوم، وهذه الشيطنة، حتى قبل خرجته هذه، لكنه تضاعف بشكل مرعب، في اليومين الأخيرين، بعد الخرجة التي رد فيها على السيد عبد الإله بنكيران.

يبرر المشيطنون له شيطنتهم، بكون لغروس، يتلقى تمويلا من أخنوش لضرب الإسلاميين، وأنه باع نفسه وضميره، وتحالف مع خصم لدود للإسلاميين، مقابل دريهمات معدودة، ولعاعة من الدنيا فانية.

وقد شاهدت كلمة لغروس مرتين، ولم أجد فيها مايعاب، خاصة أنه كان في موقع دفاع عن النفس، ور على اتهامات من بنكيران.

وسأجمل هنا بعض الملاحظات، للمساهمة في هذا النقاش، محتفظا بنفس المسافة من الطرفين، رغم أن الأقرب لي في هذا الجدال هو محمد لغروس، لأسباب مهنية محضة.

فأقول بداية، إن هذا النقاش، لاينفصل عن نقاش أعم وأوسع، يتعلق باستقلالية الإعلام، الاستقلالية السياسية، التي لا تتأتى إلا بالاستقلالية المالية، وصعوبة ذلك في واقع مثل المغرب، بكل إكراهاته. (السياسية والقانونية والاقتصادية…)

وحتى لو كان الواقع مختلفا، فلن يكون بالإمكان أبدع مما كان، كما يقال، لأن الاستقلالية التامة، والحياد المطلق، صعب التحقيق.

فمن لم يكن منحازا أو مائلا، لهذه الجهة، سيكون منحازا ومائلا لتلك. ومن لم يخدم أجندات حزب، أو تيار، أو جماعة، أو مؤسسة سيادية، سيخدم أجندات جهات خارجية، ودول إقليمية، وايديولوجيات عابرة… بالطرق المباشرة وغير المباشرة.

نحن إذن نتحدث عن استقلالية بمعايير مغربية نعرفها جميعا، ونعي الإكراهات المحيطة بها.

وفي هذا السياق فإن السيد لغروس بخلفيته الإسلامية التي لايخفيها، والتي بصم بها مشروعه الإعلامي بصمة خفيفة، ولم يحُلْ ذلك بينه وبين أن يعطينا منتوجا مغربيا منفتحا، على كل المغاربة بمختلف توجهاتهم، وكل الجهات المغربية، بعمقها وبعدها وقربها وتنوعها…
منتوجا إعلاميا ناجحا، رغم بعده عن التفاهة أو التحريض أو الاصطفاف أو التقاطب أو العدمية أو المظلومية أو التطبيل… (التي أصبحت للأسف عناصر ضرورية للنجاح).

منتوجا متوازنا، في منبر نجد فيه الرأي والرأي الآخر، وحق الرد، ونجد فيه انتقادات للحكومة، وابتعادا عن سياسة شيطنة المخالفين والتحريض عليهم….

بهذه المعايير وهذه المواصفات، وفي واقعنا الذي نعرفه، لايمكننا أن نصف هذه التجربة إلا بأنها مستقلة.

لكن أليس السيد محمد لغروس نفسه يعترف بأنه يتلقى تمويلا من رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش، في الوقت الذي رفض تعاونا مع السيد عبد الإله بنكيران، بحجة أنه لم يكن يريد أن يكون أداة في يده؟
أولا: بحسب كلام لغروس، فإن الصيغة هي شراكة، وليس تمويلا.
والتمويل قد يكون منحة مباشرة، يعطيها المانح أو الممول، وبالتالي تكون لها سلطة وصلاحيات على المستفيد من التمويل.

أما الشراكة فهي تعارن محدد واتفاق واضح المدة والأهداف.
ثانيا: لغروس هو الذي أخبرنا به، فهو ليس سرا تم اكتشافه، أو فضيحة تم إماطة اللثام عنها.

ثالثا: أخبرنا لغروس أيضا بشراكات أخرى كثيرة مع جهات متعددة ومتنوعة. وفي رأيي أن هذه ضمانة لأن لايكون المنبر رهينة أو تحت رحمة جهة تنفرد بتمويله.

رابغا: الشراكة مع السيد أخنوش، كرئيس حكومة، أو كرجل أعمال… شراكة واضحة معلنة محددة موثقة بعقد… لاعلاقة بينها وبين ما عرضه السيد بنكيران، الذي أراد نشر بثوثه المباشرة على موقع العمق. هنا سيكون الأمر توظيفا للموقع، فضلا أن هذه الصفقة غير واضحة، فلو أن السيد بنكيران عرض مقابلا ماليا لهذه الخدمة، ربما يمكن اعتبار ذلك شراكة، وممكن للعمق أن تبث كلمات أخرى لسياسيين آخرين، بمقابل أيضا، في إطار شراكات.

يتضح إذن أن هذا الخلط بين الشراكة والتمويل والتوظيف والاستعمال والاستغلال… متهافت.

أقول هذا، وأنا أعلم أن عقد شراكة من هذا النوع، مع رئيس حكومة أو زعيم حزب… ينبغي تجنبها، للحفاظ على الاستقلالية والحياد، وإذا اضطرت إليها المؤسسة الإعلامية، فينبغي أن تكون واضحة البنود، حتى لاتكون المؤسسة الإعلامية، أداة دعاية في يد السياسي.

وأيضا أنا أعلم إكراهات التمويل في المغرب، وتحديات إنجاح مقاولة إعلامية، وما على صاحب المشروع إلا أن يسدد ويقارب، وهو الذي يقدر الضرورة والاحتياجات والمخاطر… ولايمكن لمن هو بعيد أن يزايد عليه.

ثم إن تصوير بعض (التعليقات والتدوينات، لفسابكة ليسوا بالضرورة ينتمون للعدالة والتنمية) عزيز أخنوش، على أنه محارب للإسلام والمسلمين، والتعاون معه يقرب صاحبه من الردة، أمر خطير فعلا.

فعزيز أخنوش أولا، عينه صاحب الجلالة أمير المؤمنين.
ثانيا سبق لبنكيران نفسه أن أثنى عليه.

صراعه أو تنافسه، ليس مع الإسلام، بل مع حزب كان يصف نفسه بأنه إسلامي، ولكن في الحقيقة لايوجد فرق بينه وبين حزب اخنوش، وباقي الأحزاب.

محمد لغروس أيضا، ليس خصما للإسلاميين، فهو إسلامي لايخجل من ذلك، بل يفتخر بانتمائه لحركة التوحيد والإصلاح، ويثني على حزب العدالة والتنمية، وعلى قادته، ومشكلته شخصية مع عبد الإله بنكيران.
كما ان موقعه منبر لإسلاميين كثيرين من توجهات مختلفة.

لذلك فإن ما يتعرض له، مجرد شيطنة وتصفية حسابات، ينبغي على العقلاء الترفع عنها، ومن أراد مناقشة هذه المعضلة المتعلقة باستقلالية الإعلام، وحدود العلاقة بين الإعلامي والسياسي، ومشاكل التمويل في الواقع المغربي، ومحاذير ومخاطر الشراكات مع الجهات التي ستسعى للاستفادة من ذلك…

فليطرح القضية بعلمية ومهنية وموضوعية، بعيدا عن الشخصنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *