المذهب المالكي وشرعية الدولة بالمغرب (2)
2- المذهب المالكي وإضفاء الشرعية على الحكم
من المتعارف عليه سياسيًا أن كل دولة هي قبل كل شيء عبارة عن “عنف”، وتحتاج دائمًا للشرعية حتى تصبح مستساغة من طرف المحكومين. لذا فقد احتاجت الدولة المغربية منذ بروزها إلى إطار شرعي يغلف مضمونها الحربي والعنفي.
وتُعد الخاصية السياسية التي ميزت المرابطين، والتي ساعدت إلى حد كبير في نجاح حكمهم، هي هذه الازدواجية التي شكلت أساس مشروعهم السياسي ورافقت تطورهم في إعادة توحيد الدولة بالمغرب، حيث تبرز هذه الازدواجية بالخصوص في التقابل بين:
عنـف / شرعية و أمير / فقيه
فكل القرارات السياسية التي كان يتخذها الأمراء المرابطون كانت بمشورة وتزكية الفقهاء، كمشاورة يوسف بن تاشفين للفقهاء في بناء سور مراكش. وهكذا ساهم هؤلاء بدور فعال في تسيير شؤون الدولة والحكم، بحيث كانوا يشاركون في مجلس الأمراء ويرافقونهم في تنقلاتهم، كما كانوا يشغلون بعض الوظائف السامية، وخاصة القضاء، ويتقاضون رواتب كبيرة من الدولة.
ولعل هذه المكانة السياسية التي كان يتمتع بها الفقهاء ترجع بالأساس إلى الدور الذي كانوا يلعبونه من خلال إضفاء الشرعية السياسية على السلطة القائمة. إذ وجد المرابطون في مؤسسة الفقهاء المؤسسة الأساسية التي تضفي على سلطتهم الشرعية اللازمة، وذلك من خلال إصدار هؤلاء لفتاوى تزكي السياسة الرسمية وتضفي عليها الشرعية.
وقد استمد الفقهاء هذه “السلطة الإيديولوجية” من تمكنهم من المذهب المالكي وتحكمهم في تقنيات تفسيره وشرحه وتنظيمه، لذا فقد انتشرت في العهد المرابطي ما يسمى بالمصنفات والمدونات والشروح.
وقد أدرك الأمراء الموحدون الدور الخطير والحساس الذي كان يلعبه الفقهاء في إضفاء الشرعية على السلطة القائمة؛ فركز ابن تومرت معارضته السياسية على إظهار ضعف هذه المؤسسة، وذلك من خلال الدروس التي كان يلقيها في بعض مساجد العاصمة، ومن خلال المناظرة الشهيرة التي جرت بينه وبين فقهاء الدولة بحضور الأمير علي بن يوسف.
وبمجرد صعود الموحدين إلى الحكم، سعوا إلى اضطهاد الفقهاء المرابطين وملاحقتهم، محاولة منهم للقضاء على مظاهر النظام السابق، حيث أحرقت كتب الفروع:
“ففي خلافة أبي يوسف يعقوب انقطع علم الفروع وخاصة الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن جرد ما فيها من حديث وقرآن… وقد أوقع يعقوب المحن بذوي الفروع، وقتلهم وضربهم بالسياط، وألزمهم الأيمان المغلظة من عتق وطلاق وغيرهما على أن يتمسكوا بشيء من كتب الفقه.”
غير أن اضطهاد الموحدين للفقهاء المالكيين لم يكن بسبب الخلاف المذهبي الفقهي بقدر ما كان بسبب الموقف السياسي الذي كان لهم من الدولة الموحدية، كثورة فقهاء سبتة بزعامة القاضي عياض سنة 543 هـ. كما أن ملاحقة الفقهاء المالكيين في عهد الموحدين لم تكن تحللًا من المذهب المالكي الذي بقي المذهب الرسمي للدولة، بل كانت محاولة من الموحدين لتأسيس شرعيتهم السياسية على كتاب المهدي والمبادئ الجديدة التي تضمنها.
بل لقد ذهب الخليفة يعقوب المنصور أبعد من ذلك بمحاولته عدم ربط شرعية الدولة بمؤسسة الفقهاء، وذلك حتى لا يكرر الموحدون نفس الخطأ الذي وقع فيه المرابطون، وحتى يستطيع احتواء نفوذ الأشياخ الموحدين والحد من سلطتهم.
وهكذا قام الخليفة الموحدي المأمون بإلغاء مراسيم المهدوية، حيث أمر بقطع اسم المهدي من الخطبة والتنكر من العصمة والمهدوية، فوجه رسالة بهذا الصدد نشرت في مختلف أنحاء الإمبراطورية تضمنت ما يلي:
“من عبد الله إدريس أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين إلى الطلبة والأشراف والأعيان والكافة ومن معهم من المؤمنين والمسلمين (…) لتعلموا أننا نبذنا الباطل وأظهرنا الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى بن مريم روح الله، وما سمي مهديًا إلا أنه تكلم في المهد، فتلك بدعة قد أزلناها، والله يعيننا على هذه القلادة التي تقلدناها…”
وقد أدت إجراءات المنصور القمعية تجاه الفقهاء المالكيين وسياسة ابنه المأمون في إلغاء رموز المهدوية إلى إضعاف شرعية النظام الموحدي، وذلك نتيجة لما ترتب عن ذلك من نتائج يمكن حصرها فيما يلي:
-
حرمان الموحدين من سند إيديولوجي تربوا عليه وناضلوا من أجله.
-
تزعم الفقهاء المالكيين لمعارضة النظام الموحدي.
-
عدم تماثل هذه السياسة مع المعتقدات الشعبية التي كانت متأثرة بالفكر المالكي.
-
التناقض بين سياسة المنصور وابنه المأمون.
ولقد أحس الخليفة الرشيد بالمخاطر التي أحاطت بالنظام الموحدي جراء هذه السياسة؛ فحاول استعادة مراسيم المهدوية من جديد وإعادة الاعتبار للأشياخ الموحدين، محاولة منه لمواجهة الخطر المريني الذي كان يحظى بمساندة الفقهاء المالكيين.
3- المذهب المالكي وتكوين أطر الدولة
نظرًا للمهام الجديدة التي أصبحت تقوم بها الدولة في ميدان التسيير والتنظيم الإداري، اهتم الحكام المغاربة بتكوين مجموعات من الأطر لشغل الوظائف الإدارية والعلمية. وبالتالي، بخلاف المرابطين الذين لجأوا بشكل كبير إلى العنصر القبلي أو إلى استقدام الأطر الأندلسية، عمد الموحدون إلى تكوين أطر محلية لتسند لها مهام إدارة الأقاليم وتسييرها.
وقد كان الخليفة عبد المؤمن بن علي الكومي هو الذي دشن هذه العملية من خلال اختيار مجموعة من العناصر الشابة من مختلف المدن والأقاليم، ليتم تكوينها علميًا وعسكريًا.
وجاء في الحلل الموشية:
“ربى عبد المؤمن الحفاظ بحفظ كتاب الموطأ وغير ذلك من تواليف المهدي، وكان يدخلهم كل يوم جمعة بعد الصلاة داخل القصر، فيجتمع الحفاظ فيه، وهم نحو ثلاثة آلاف كأنهم أبناء ليلة من المصامدة وغيره… ولما كمل هذا الأمر فيهم، عزل بهم أشياخ المصامدة عن ولاية الأعمال والرياسة، وقال العلماء أولى منكم، فسلموا له الأمر.”
ومن خلال هذا النص يمكن استنتاج ملاحظتين رئيسيتين:
-
الاعتماد على كتاب الموطأ في التكوين العلمي والنظري للأطر.
-
اعتماد عبد المؤمن على تبرير إزاحة أشياخ المصامدة من مناصبهم بأولوية العلماء في تسيير دواليب الدولة.
وهاتان الملاحظتان تبرزان الهدف البعيد المدى الذي كان يسعى إليه الخليفة عبد المؤمن، وهو تكوين أطر للدولة تتميز بحيادها القبلي، وتكوينها العلمي، وتدربها على تحمل أعباء الدولة. وقد نجح عبد المؤمن إلى حد ما في بلوغ هذا الهدف والاستجابة للتطورات الجديدة التي عرفتها الدولة في عهده.
وأشار العرابي إلى هذا المعطى قائلاً:
“يبدو أن تكوين الحفاظ (…) قد أعطت نتائجها الهامة على المستوى الإداري والتنظيمي الذي هدف به عبد المؤمن خلق جيل جديد من الأشياخ ذوي التكوين العالي ليتلاءم مع ظروف تطور الدولة الموحدية بعد اتساع رقعتها الجغرافية…”
وقد كان الهدف من إنشاء هذه المدارس هو تحكم الدولة في المجال الديني الذي أصبح معرضًا لاكتساح بعض الاتجاهات الدينية المختلفة.
وأشار تراس إلى أن:
“بناء المدارس لم يكن من أجل التباهي والتعبد، فمن خلال هذه المؤسسات التعليمية الرسمية والمراقبة، كان الحكام يراقبون تطور الإسلام المغربي، ويواجهون تأثير الزوايا التي بدأت تنتشر في المدن والقبائل، والتي كانت بشكل خاص لا تخضع لمراقبة السلطة المركزية… كما كانت هذه المدارس تعمل على المحافظة على تطبيق الدين تطبيقا مالكيا يتماهى مع إيديولوجية النظام.”
وحرص الحكام المرينيون على متابعة ما يتم تدريسه من مؤلفات وكتب في المذهب المالكي. وأشار الجزنائي إلى أن:
“أبا الحسن كان يحرص أن تقرأ بين يديه المؤلفات العديدة في المذهب المالكي، وكان يصغي جيدًا لما يلقى عليه من أدلة أهل السنة وبيان مذهبهم، فإذا ما عرضت أدلة المعتزلة أو غيرهم من المذاهب الأخرى أعرض عنها ونهى عن الخوض فيها وزجر من تمادى في ذلك.”
وقد كانت هذه المدارس تخرج أفواجا من الأطر العلمية والفقهية التي كان يتم توظيفها في مختلف المؤسسات الدينية تحت إشراف الدولة، كجامع القرويين، كما كان يُبعث ببعض الأطر إلى مختلف الأقاليم لتقلد المناصب العلمية والدينية.
اترك تعليقاً