الحكم الذاتي وسؤال الجاهزية: هل أعدّت الدولة نفسها لمرحلة ما بعد الحل؟
منذ أن طرح المغرب مبادرته للحكم الذاتي سنة 2007 أمام الأمم المتحدة، دخل ملف الصحراء مرحلة جديدة قوامها الواقعية السياسية بدل الشعارات القصوى. المبادرة لم تكن مجرد موقف تفاوضي ظرفي، بل وثيقة مفصلة تحدد هندسة حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية، مع توزيع واضح للاختصاصات بين الجهة والدولة المركزية. ومع توالي التحولات الدولية، أصبح المقترح يُقدَّم في أكثر من عاصمة بوصفه أرضية جدية وقابلة للتطبيق
غير أن سؤال اللحظة لم يعد هو: هل المقترح واقعي؟ بل أصبح: هل نحن مستعدون فعليًا لتطبيقه إذا اقترب أفقه السياسي؟
الوثيقة المقدمة سنة 2007 وضعت تصورًا متقدمًا نسبيًا؛ جهة تتمتع ببرلمان منتخب، وحكومة محلية مسؤولة أمامه، واختصاصات واسعة في التنمية والاقتصاد والثقافة والإدارة المحلية، مقابل احتفاظ الدولة بالصلاحيات السيادية الكبرى كالدفاع والعلاقات الخارجية والعملة والأمن القومي. هذا التوازن يعكس فلسفة واضحة: تمكين محلي واسع دون المساس بوحدة الدولة
لكن النصوص، مهما كانت متقدمة، لا تساوي شيئًا إن لم تُسندها بنية مؤسساتية جاهزة لاستيعابها
وهنا يبرز فراغ لا يمكن تجاهله: أين يقف المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية في هذا النقاش؟ هذه المؤسسة أُنشئت لتكون حاضنة الرؤية الصحراوية داخل الدولة، ومختبرًا لتفصيل مقترحات الحكم الذاتي، وجسرًا بين المركز والنخب المحلية. غير أن حضورها في السنوات الأخيرة يكاد يكون باهتًا في النقاش العمومي، رغم أن اللحظة الحالية هي لحظتها الطبيعية
ليس المقصود الطعن في شرعية المؤسسة، بل التساؤل بهدوء: إذا كان تنزيل الحكم الذاتي يقتضي إعداد تصورات دقيقة في توزيع الصلاحيات وبناء النخب وإدارة المرحلة الانتقالية، فلماذا لا تتحول هذه الهيئة إلى ورش تفكير مفتوح يقدم تقارير استراتيجية دورية؟
ثم إن السؤال لا يقف عند وجود برلمان جهوي وحكومة محلية. فالتفاصيل الدقيقة هي التي تحدد طبيعة النموذج. هل نحن أمام حكم ذاتي واسع بصلاحيات شبه فدرالية؟ أم أمام صيغة مضبوطة أقرب إلى جهوية متقدمة مع توسيع مدروس للاختصاصات؟ أم أن الخيار الأكثر واقعية هو مسار تدريجي ينقل الصلاحيات على مراحل ويخضعها لتقييم دوري؟
كل فرضية تحمل مكاسب ومخاطر. النموذج الواسع يمنح تمكينًا قويًا وشعورًا بالملكية المحلية، لكنه يفرض تحديات تنسيقية وأمنية في بيئة إقليمية غير مستقرة. النموذج المضبوط يوفر استقرارًا أكبر ويقلل المخاطر، لكنه قد لا يحدث التحول النفسي والسياسي المطلوب. أما المسار التدريجي فيمنح مرونة عالية، غير أنه قد يفقد زخمه إن طال أمده
القطاعات الحساسة تعقّد الصورة أكثر. الأمن، مثلًا، ليس مجرد إدارة محلية، بل ركيزة سيادية. منح استقلال أمني كامل يبدو خيارًا غير واقعي في السياق الجيوسياسي الحالي، بينما الإبقاء على مركزية صارمة قد يُضعف فلسفة التمكين. الحل المرجح يقع في منطقة وسطى: أمن سيادي مركزي مع تدبير إداري محلي منسق. الأمر نفسه ينطبق على القضاء، حيث يمكن تصور اختصاصات جهوية ضمن وحدة النظام القضائي الوطني، دون خلق ازدواجية تهدد الانسجام القانوني
لكن جوهر الجاهزية لا يختزل في توزيع الصلاحيات. التحدي الأعمق يكمن في النخب والقدرات. هل تتوفر بنية بشرية قادرة على إدارة قطاعات اقتصادية واجتماعية بمرونة عالية؟ وهل الرأي العام الوطني مستوعب لطبيعة النموذج حتى لا يُساء فهمه؟
الدولة المغربية راكمت خبرة معتبرة في تدبير التحولات الهادئة والمتدرجة، وأظهرت قدرة على التكيف مع السياقات المتغيرة. لكن لحظة الحكم الذاتي، إن اقتربت، ستكون اختبارًا من نوع مختلف: اختبار الانتقال من خطاب السيادة إلى هندسة السيادة المشتركة داخل إطار وطني موحد
الدعم الدولي مهم، لكنه لا يكفي. الحسم الحقيقي سيكون داخليًا: في قدرة الدولة على تحويل المبادرة من ورقة تفاوضية ناجحة إلى تجربة حكم مستقرة ومقنعة، فالحكم الذاتي، إذا تحقق، لن يكون نهاية المسار، بل بداية مسؤولية أكبر.
اترك تعليقاً