وجهة نظر

الانتماء الوطني وسرديات الخارج: جدل الهوية والوعي في المغرب

المغترب روحاً وفكراً يعيش قطيعة صامتة مع التربة الرمزية التي صاغت وعيه الأول. يتحرك في الفضاء العام بخطاب صاخب، غير أن صوته ينبع من فراغ داخلي يتغذّى على صور بعيدة أكثر مما يتغذّى على تفاصيل يومه المعيش. يتبنّى قضايا عابرة للحدود بحماسة عالية، ويغضّ الطرف عن توترات حارته ومدينته وبلده، ما يؤدي إلى تشكّل ظاهرة مركّبة تمسّ الوعي والهوية والانتماء، خاصة في المغرب خلال الأشهر الأخيرة، مع تعاطف بعض الفئات مع أطروحات دولة إقليمية تعادي مصالح البلاد.

ينتج عن هذا الانفصال عن الواقع المحلي انبهار رمزي بالقضايا البعيدة، يمنح الفرد شعوراً بالفاعلية والمشاركة في حدث عالمي، لكنه يبعده عن تحليل أولويات وطنه ومواجهة تحدياته اليومية، مثل الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشكّل حياة المواطنين. هذا الانبهار يظهر بوضوح عند المقارنة بين النشاط الخارجي والحضور الفعلي في قضايا المجتمع المغربي اليومية.

على مدار العقود الأخيرة، شهد المغرب تحولات عميقة في بنيته الاجتماعية والثقافية. توسّع التعليم وزاد الانخراط في تفاعلات إقليمية معقدة، ما أنتج وعياً سياسياً أكثر حساسية تجاه قضايا المنطقة. مع ذلك، بعض أشكال الانخراط اتخذت مساراً انتقائياً؛ إذ تحوّلت القضايا البعيدة إلى وسيلة لإسقاط توترات داخلية، وأصبحت الساحات الخارجية مساحة لإعادة تعريف الذات على نحو احتجاجي، بعيداً عن مواجهة الواقع المحلي وتحديات الوطن اليومية.

الأحداث الأخيرة المتعلقة بمواقف وأطروحات ناصر بوريطة أعادت إلى الواجهة ملف العلاقات المتوترة بين المغرب وبعض القوى الإقليمية. انخراط بعض الفئات في تأييد أطروحات تلك الدولة، مع تجاهل الواقع الوطني وتعقيدات قضيته، يعكس الانجراف نحو خطاب خارجي أحادي الطرح، بعيد عن ممارسة التفكير النقدي والمسؤولية الوطنية.

المغترب الفكري يميل إلى تبني سرديات كبرى تمنحه شعوراً بالاصطفاف الأخلاقي، فيرى العالم من خلال ثنائية صارمة: مظلوم في مواجهة ظالم، مقاومة في مواجهة هيمنة. هذه الثنائية تمنحه وضوحاً عاطفياً وطابعاً بطولياً، لكنه يغفل تعقيدات الواقع السياسي، وطبقات المصالح والتحالفات التي تشكّل السياسة الداخلية والخارجية للمغرب.

الهوية الوطنية المغربية تتكوّن من عناصر متشابكة: التاريخ الملكي، المرجعية الدينية، العمق الإفريقي، والانتماء المتوسطي. أي انحياز عاطفي لقوة خارجية يهدد هذا التوازن. التعبير عن التضامن مع قضايا عادلة يظل مشروعاً، غير أن تحويل هذا التضامن إلى اصطفاف سياسي ضد مصالح البلاد يضع الفرد في موقع غير مسؤول، ويعطل النقاش العمومي.

تتضح المفارقة عند مقارنة الحماسة تجاه قضايا بعيدة مع برودة التفاعل مع الملفات المحلية الملحّة: إصلاح التعليم، العدالة المجالية، خلق فرص الشغل، وترسيخ الحكامة. هذه الملفات تؤثر مباشرة في حياة المواطنين وكرامتهم، بينما الانخراط في صراعات خارجية يعطي شعوراً وهمياً بالمشاركة في حدث كبير.

الجانب النفسي يلعب دوراً محورياً في الظاهرة. شعور الفرد بالعجز أمام بطء التحولات المحلية يدفعه للبحث عن نموذج مثالي في الخارج، رمز للكرامة والاستقلال، مما يطغى على أسئلة الحقوق والحريات وعلاقاته الداخلية.

التحليل الموضوعي يتطلب التمييز بين نقد السياسات الوطنية من الداخل، وبين تبني خطاب قوة خارجية لها حساباتها الخاصة. النقد الداخلي يعزز المناعة الديمقراطية ويغني النقاش، بينما الانجراف وراء سرديات خارجية يحوّل الفرد إلى أداة في صراعات تتجاوز حدوده.

الجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبرى في ترسيخ وعي نقدي، من خلال إنتاج معرفة دقيقة حول العلاقات الدولية، وتبسيط المعلومات للرأي العام. التربية على التفكير التحليلي منذ الصغر تعزز قدرة الأجيال على التمييز بين التضامن الإنساني والاصطفاف السياسي.

المغترب روحاً وفكراً يحتاج إلى إعادة وصل مع أسئلة مجتمعه. هذا الوصل يتحقق عبر المشاركة الفعلية في مبادرات محلية، متابعة دقيقة للسياسات العمومية، وحوار مفتوح مع مختلف التيارات. الانخراط الوطني يمنح شعوراً بالفاعلية ويقلص الحاجة إلى بطولات رمزية خارج الحدود.

العالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، وتصاعد صراعات النفوذ. الدول توسع مجال تأثيرها عبر أدوات متعددة، بما فيها دعم شبكات متعاطفة. الوعي بهذه الأدوات يحصّن الفضاء الداخلي، وحماية السيادة تتطلب يقظة معرفية ومؤسساتية معا.

تظل الوطنية الواعية الإطار الذي يسمح بالتعبير عن التضامن العالمي، مع الحفاظ على ترتيب الأولويات وفق مصلحة الوطن. بهذا التوازن، يتحول النقاش من انفعال عابر إلى مساهمة واعية في صياغة مستقبل أكثر تماسكاً، ويقلّ تأثير الاغتراب الفكري على الوعي الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *