وجهة نظر

المؤتمر الثاني لحركة صحراويون من أجل السلام: خطوة نحو ترسيخ خيار السلام والاستعداد لمرحلة الحكم الذاتي

ظهرت حركة صحراويون من أجل السلام في سياق سياسي إقليمي اتسم بجمود طويل في مسار تسوية قضية الصحراء، وبهيمنة خطاب أُحادي حاول لسنوات احتكار تمثيل الصوت الصحراوي. غير أن التحولات التي عرفها المجتمع الصحراوي، وتنامي الوعي بضرورة البحث عن حلول واقعية وسلمية، مهدت لظهور هذه الحركة التي رفعت منذ تأسيسها شعار الحوار والسلام والانخراط في المسار السياسي الواقعي. وقد نجحت الحركة في كسر الصورة النمطية التي رُوجت لسنوات طويلة حول كون جبهة البوليساريو الممثل الشرعي والوحيد للصحراويين، مقدمة نفسها كإطار سياسي صحراوي جديد يعبر عن تيار واسع يؤمن بأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس التوافق والسلام والتنمية.

وفي ظل التطورات المتلاحقة التي يعرفها ملف الصحراء، واستمرار المفاوضات والتحركات الدبلوماسية بين مختلف الأطراف المعنية بالقضية، وهي المملكة المغربية وموريتانيا وإسبانيا والجزائر وجبهة البوليساريو، تبرز أهمية المبادرات السياسية الصحراوية التي تسعى إلى الدفع نحو حل سياسي واقعي ومستدام. كما أن المقترح المتعلق بالحكم الذاتي يفتح آفاقاً جديدة أمام الصحراويين لتدبير شؤونهم بأنفسهم، بما يتيح بناء نموذج مؤسساتي حديث يضمن المشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا السياق، تتواصل الاستعدادات لعقد المؤتمر الثاني لحركة صحراويون من أجل السلام في منتصف سنة 2026، بعد خمس سنوات من العمل السياسي والتنظيمي الذي مكن الحركة من ترسيخ حضورها كفاعل سياسي صحراوي مؤثر برئاسة الحاج أحمد باريكلى. ويأتي هذا المؤتمر كأهم محطة في مسار الحركة، حيث يمثل فرصة لتقييم المنجزات وتحديد التوجهات المستقبلية، كما يعكس انتقال الحركة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التموضع الفعلي داخل المشهد السياسي المرتبط بمستقبل الصحراء.

وخلال السنوات الماضية تمكنت الحركة من تحقيق عدد من المكاسب المهمة على الصعيدين السياسي والتنظيمي، من بينها حصولها على عضوية الأممية الاشتراكية، وتنظيم ثلاث ندوات للحوار والسلام حظيت باهتمام ومشاركة دولية، وهو ما عزز حضورها في النقاشات المرتبطة بمستقبل المنطقة. كما استطاعت أن تقدم خطاباً سياسياً معتدلاً يضع الإنسان الصحراوي في صلب أولوياته، ويؤكد أن إنهاء هذا النزاع لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مقاربة واقعية تقوم على السلام والاستقرار والتنمية.

ويأتي المؤتمر الثاني للحركة في ظرفية إقليمية ودولية تتسم بتزايد الاهتمام بملف الصحراء، وبروز توجه دولي متنامٍ نحو دعم الحلول الواقعية القابلة للتطبيق. لذلك يشكل هذا المؤتمر فرصة مهمة للاستعداد لمرحلة ما بعد حل النزاع، من خلال التفكير في آليات تنزيل مشروع الحكم الذاتي الذي يتيح للصحراويين تدبير شؤونهم المحلية عبر مؤسسات منتخبة، تشمل حكومة محلية وبرلماناً جهوياً وهيئات قضائية وأمنية واقتصادية ومالية قادرة على إدارة شؤون المنطقة بكفاءة ومسؤولية.

كما تراهن الحركة في هذا المسار على الرصيد البشري المهم الذي تزخر به من الأطر والكفاءات الصحراوية في مجالات السياسة والدبلوماسية والقانون والاقتصاد والإدارة، إضافة إلى حضور شيوخ القبائل والزعامات التقليدية والوجهاء وأهل الخبرة الذين يمثلون مرجعية اجتماعية وتاريخية داخل المجتمع الصحراوي. وإلى جانب ذلك، تحضر الطاقات الشابة والنساء بقوة داخل الحركة، وهو ما يعكس دينامية سياسية جديدة تسعى إلى إشراك مختلف فئات المجتمع في صياغة مستقبل المنطقة.

ومن المنتظر أن يحرص المؤتمر الثاني على تحقيق تمثيلية نوعية لمختلف مكونات المجتمع الصحراوي، من شيوخ القبائل والوجهاء وأهل الحل والعقد، إلى الشباب والنساء والسياسيين والدبلوماسيين والمقاتلين السابقين والخبراء والأطر العليا. فالهدف ليس فقط تنظيم مؤتمر تنظيمي تقليدي، بل خلق فضاء جامع للحوار والتفكير الجماعي حول مستقبل الصحراء، بما يعزز ثقافة التوافق ويقوي الجبهة الداخلية الصحراوية المؤمنة بخيار السلام.

إن الأقاليم الصحراوية فضاء جغرافي واسع وغني بمواردها الطبيعية في البر والبحر، كما أنها مؤهلة لأن تكون قطباً اقتصادياً وتنموياً مهماً في المنطقة. ومن هذا المنطلق تدعو الحركة جميع الصحراويين إلى التكتل والعمل المشترك ونكران الذات من أجل تحقيق العيش الكريم لجميع أبناء المنطقة، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار والتنمية ليس فقط في الصحراء، بل أيضاً في محيطها الإقليمي، وخاصة في موريتانيا والجزائر، إذ إن استقرار الصحراء يشكل ركيزة أساسية للاستقرار المغاربي.

ويحمل المؤتمر الثاني لحركة صحراويون من أجل السلام رسالة أمل قوية إلى المجتمع الصحراوي في مدن الصحراء المطلة على المحيط الأطلسي و إلى الصحراويين الموجودين شرق الجدار وفي الشتات، مفادها أن الفرج بات قريباً وأن مرحلة جديدة تلوح في الأفق. فالحركة تسعى إلى الدفع نحو مقاربات عملية لمعالجة مختلف القضايا الإنسانية والاجتماعية، من قبيل المصالحة العامة وعودة اللاجئين وتوفير السكن اللائق وفرص الشغل وتحسين خدمات الصحة والتعليم، في إطار مشروع الحكم الذاتي ومؤسساته. وبذلك يمكن لهذا المؤتمر أن يشكل بداية مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار والتنمية، وأن يكون خطوة مهمة في اتجاه طي صفحة هذا النزاع الذي طال أمده وفتح أفق واعد لجميع الصحراويين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *