السياسة الفنية بالمغرب في عهد الملك الحسن الثاني بين الدعم والاحتواء
غالبا، ما تم الاهتمام من طرف المتتبعين والمحللين لشؤون المملكة بجوانب من سياسة الملك الحسن الثاني سواء ما يتعلق بالمجال الديني أو العسكري أو الدبلوماسي أو الأمني أو الاقتصادي أو الاجتماعي في حين عادة ما يتم إغفال الجوانب المتعلقة بسياسته في المجال الفني و التي ارتكزت على الدعم والاحتواء.
1-الدعم الملكي للقطاع الموسيقي والغنائي
تميز الملك الراحل الحسن الثاني بشغف عميق بالموسيقى والشعر، معتبراً إياهما جزءاً من هويته الثقافية. فقد عشق الموسيقى الأندلسية، وعزف البيانو حيث قام بتلحين أغنية خاصة بمناسبة ولادة ولي العهد (الملك محمد السادس حالياً) عام 1963.. كما امتلك ذائقة شعرية رفيعة كانت تعكس حسه الإنساني المرهف حيث عُرف بكتابة قصائد غزلية رقيقة، من بينها قصيدة تتكون من خمسين بيتاً، تظهر قدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية. في حين كان يصف الموسيقى الأندلسية بـ “مرآة الذاكرة الحضارية للمغرب”، وكان يحرص على حضور حفلاتها واستضافة فرق الموسيقى الأندلسية في القصر الملكي . كما ربطته علاقات وطيدة بعمالقة الطرب كأم كلثوم وعبد الحليم حافظ… وبالتالي ، فقد عكست هذه الاهتمامات بعداً إنسانيا وثقافياً عميقاً في شخصية الملك الفنان، متجاوزة الهواية لتصبح جزءاً من رؤيته الوطنية. كما أن هذا الشغف انعكس على سياساته الثقافية، إذ دعم إنشاء مهرجانات موسيقية ورعى المؤسسات التي تهتم بحفظ التراث الفني، ليجعل من الموسيقى أداة للحفاظ على الهوية وتعزيز الدبلوماسية الثقافية. فقد تحولت علاقة الملك الحسن الثاني بالموسيقى إلى مزيج بين الذوق الشخصي والرؤية السياسية، جعلت الفن الموسيقي في عهده ركيزة من ركائز الثقافة الوطنية.
-الإشراف الملكي على مأسسة الفن الموسيقي
شهد عهد الملك الحسن الثاني طفرة في مأسسة الفن الموسيقي من خلال إنشاء شبكة من المعاهد الموسيقية ، حيث تم في عهده توسيع شبكة المعاهد الموسيقية لتشمل أغلب المدن الكبرى، مع التركيز على تدريس الموسيقى الكلاسيكية والأندلسية، والتي كان من أبرزها:
*المعهد الموسيقي بالدار البيضاء الذي كان يُلقب بـ “مصنع النجوم”، حيث تخرج منه كبار الفنانين والممثلين المغاربة.
*المعهد الموسيقي بطنجة الذي تخصص بشكل بارز في الموسيقى الأندلسية وكان يضم أوركسترا طنجة الشهيرة.
وبالإضافة إلى تأسيس هذه المعاهد ، أُنشئت معاهد موسيقية في مدن مختلفة مثل مكناس في سنة 1966، و العرائش وأكادير في سنة 1972 ، وشفشاون (1976) .كما صدر في عهده مرسوم ملكي ينظم إدارياً وبيداغوجياً معاهد الموسيقى وفنون الرقص بالمغرب، مما أعطى دفعة قانونية لهذه المؤسسات. فقد شكل هذا المرسوم الملكي الصادر في 18 يناير 1985 الدعامة القانونية لتنظيم معاهد الموسيقى وفنون الرقص. حيث كان من أبرز مقتضياته التنصيص “على أن كل معهد يديره مدير بمسؤولية بيداغوجية وإدارية ومادية، ويعين بقرار من وزير الشؤون الثقافية.” والتنصيص على استحداث “مجلس الأساتذة” في كل معهد للنظر في النتائج الدراسية، وقرارات انتقال أو إعادة التلاميذ، وتنظيم الحفلات والمهرجانات. وبعدما بدأت الحاجة لتكوين أساتذة متخصصين في الموسيقى تبرز مع الرغبة في “مغربة” الأطر التعليمية التي كانت أجنبية (فرنسية ومصرية بالأساس)، تم إنشاء مركز تكوين أساتذة التربية الموسيقية بالرباط الذي يُعد من أوائل المراكز التابعة لوزارة التربية الوطنية التي أُحدثت لتخريج مدرسين مخصصين للمدارس العمومية. ليتم إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ISADAC ) الذي رغم تخصصه المسرحي، إلا أن مرسومه الصادر في 1985 نص أيضاً على تكوين أطر في “التنشيط الثقافي”، مما ساهم في رفد الميدان الفني بمؤطرين أكاديميين.
-الدعم الملكي للأغنية المغربية
اعتاد الملك الحسن الثاني تنظيم سهرات خاصة ومغلقة بالقصر الملكي تميزت بطابع فني وثقافي رفيع، حيث استضاف كبار الفنانين المغاربة والعرب، وعزف فيها الطرب الأندلسي والموسيقى الكلاسيكية. هذه السهرات كانت جزءاً من طقوس دار المخزن، وغالباً ما أشرفت عليها فرق متخصصة حظيت بتنظيم دقيق كان يعكس ذوق الملك الفني واهتمامه بالتراث الموسيقي والغنائي الذي كان مزيجاً بين الذوق الشخصي والرؤية السياسية. وقد تميزت هذه السهرات الملكية الخاصة بتركيزها على الطرب الأندلسي والموسيقى المغربية الأصيلة، مع استضافة مطربين وموسيقيين معروفين. فقد شكلت هذه السهرات فرصة للحسن الثاني لتقريب الفن من بيئته، حيث كان يتمتع بذوق موسيقي رفيع، مما جعل من القصر الملكي مركزاً ثقافياً بامتياز في تلك الحقبة. وهكذا أولى الملك الراحل الحسن الثاني دعماً كبيراً للأغنية المغربية والوطنية، معتبراً الفن ركيزة للهوية والثقافة الوطنية، حيث رعى الطرب الأصيل والموسيقى الأندلسية، ودعم الموسيقيين، وشجع إنتاج أغانٍ وطنية خالدة، التي كانت مرتبطة بالاعياد الوطنية كعيد العرش وعيد الشباب أو تلك المرتبطة بالاحتفال بالمسيرة الخضراء. فقد أدرك الملكُ الحسن الثاني قوةَ الموسيقى ودورها في التعبيرِ عن الولاءِ للوطنِ والمؤسسة الملكية. ولهذا حاول تكريس مفهوم “الأغنية الوطنية”. وغدت الموسيقى في عهدِه جزءاً من الخطاب السياسي، حيث كانت الأغاني الوطنية تذاع تحت إشرافه، مما منحها شرعية خاصة وجعَلها صوت الدولة الرسمي. وهو ما أكده محمد همام في كتابه بقوله إنّ الأغاني التي كانت تنال استحسان الملك “تُسجَّل رفقة الجوقة الملكية”، بينما تُسجّل الأخرى “الأقل استحساناً مع الجوقة الوطنية”. ويضيفُ أنّ فناني الأغنية الوطنية نالوا “الحظوة المادية والمعنوية في شكل هِبات عينية أو قطع أراضِ بل جرى تشغيل مجموعة من المطربين والملحنين والموسيقيين في الإذاعةِ الوطنية”.. كما تميز عهده برعاية الطرب الأندلسي حيث كان يدعم الفرق الخاصة بها ويستضيفها في القصر الملكي. بالإضافة إلى دعم الملحنين والمغنين بمنحهم فرصة للإنتاج (مثل توجيهاته للموسيقار أحمد البيضاوي بتسجيل 6 قطع غنائية سنوياً). في حين انعكست ميول الملك الفنية والمعرفة الموسيقية في دعمه جيلاً من الفنانين المغاربة الذين حافظوا على الأغنية المغربية التقليدية والطرب العربي. فاحتضنهم ودعمهم، سواء عبر الدعوات المتكررة إلى القصر للمشاركة في المناسبات الرسمية، أو التدخل المباشر لتأمين استقرارهم المادي والمهني. ومن الأمثلة البارزة على هذا الدعم المطرب أحمد الغرباوي، الذي يروي أنه حظي بدعوة ملكية بعد تسجيل أغنيته الشهيرة “إنها ملهمتي” سنة 1963، ليصبح بعدها من المدعوين الدائمين للمناسبات الملكي. ويذكر الغرباوي في حوار منشور على جريدة “الأيام 24” سنة 2016، أنه مازح الفنان المصري عبد الحليم حافظ بخصوص المكافآت المالية التي ينالها من الملك لقاء غنائه في القصر بالقول: “إنك أتيت على كل مال الدولة المغربية”. وحين علم الحسن الثاني بذلك، أوضح للغرباوي في جلسة لاحقة أنه ينفق على الفنانين العرب من ماله الخاص، لكي يتعلم منهم نظراؤهم المغاربة.
2-الاحتواء الملكي للقطاع الموسيقي والغنائي
إن دعم الملك الحسن الثاني بالفن الموسيقي والغنائي لم يمنعه من العمل على احتواء أية تداعيات على سلطته ، حيث سعى إلى تدجين الموجات الغنائية ذات الطابع الاحتجاجي وكذا عدم تعميم التكوين الموسيقي والغنائي.
-رعاية الفرق الشبابية
تزامن صعودِ الأغنية الوطنية في السبعينيات من القرن 20 مع موجة غنائية بديلة ذات طابعٍ احتجاجي، كانت تقودها فرقتا ناس الغيوان وجيل جيلالة. حيث فرضتْ الفرقتان نفسيهما على الساحة الفنية المغربية، وذاع صيتهما بسبب أغانيهم التي وجد فيها مغاربة كثيرون صدى لما بداخلهم. إذ كانت الفرقتان تستثمران “المشترك اللغوي الثقافي عند المغاربة”، ولاسيما التراث الشفوي الشعبي واللغة اليومية المتداولة. فجاءت أغانيهم قريبة من وجدان الطبقاتِ الشعبية، وعبّرت كلماتها عن الواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم حينذاك، لاسيما مع تزايد التوترات السياسية بين المعارضة والسلطة. ومع أنّ الذاكرة الجمعيّة المغربية يسودها تصوّرٌ أنّ علاقة الحسن الثاني بهذه المجموعات، لاسيما ناس الغيوان، كانت علاقة عداءٍ وقمعٍ ممنهَجيْن، إلا أنّ هذه الصورة على رسوخها ليس دقيقة. إذ تُظهر بعض الروايات القريبة من هذه التجربة الفنية أن علاقة الملك الحسن الثاني بالأغنية الاحتجاجية كانت أكثر تركيباً مما يُتداول، ولم تُبنَ على القمع والمنع بقدر ما بُنيت على الدفاع والرعاية والتمييز الواضح بين الاحتجاج الفني والمعارضة السياسية. فقد أكد عمر السيد أحد أعضاء فرقة ناس الغيوان في مقابلته مع “تيلي ماروك” سنة 2024 بالقول إن “العلاقة بالملك كانت ودية وحميمية، ولم تتخللها تلك الممارسات القمعية المروية شفهياً”، وأن المجموعة “لقيت تشجيعاً كبيراً منه”. فقد أدرك الملك الحسن الثاني مبكراً خطورةَ انضمامِ أصواتِ ناس الغيوان إلى المعارضة، لذا كان يشيرُ إليهم بضرورةِ الحذر. فقد روى عمر السيد في نفس المقابلة التلفزية بقناة تيلي ماروك أنّ الحسن الثاني خاطبهم ذات مرة بالقول: “غنّوا اللي بغيتوا، غير ما ياكلوش الثومة بفمكم”، بمعنى: “غنّوا ما شئتم، لكن لا تدعوا أحداً يستغلكم سياسياً”. ولعل هذا الموقف الملكي هو الذي ساهم في رفع المنع الإذاعي والتلفزي عن أغاني االفرق الشبابية و على رأسها أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة الاحتجاجية والتي كانت لا تُعرض في الإذاعة والتلفزة في بعض الفترات. غير أن هذا الموقف لم يستمر طويلاً، بسببِ تدخّلِ الملكِ شخصياً. حيث يقول حسن بحراوي، الباحث في المسرح والتراث الشعبي إن “الذي حمل الموسيقار أحمد البيضاوي على تغيير موقفه، بل وجعله يأمر ببث أغاني الغيوان، هو الملك الحسن الثاني نفسه”. فالملك، كما يرى بحراوي، لم يكن متلقياً عابراً لأغانيَ ناس الغيوان، وإنما “كان يتابعها منذ بدايتها، ويبعث سراً ببعض أفراد عائلته ومحيطه القريب لحضور سهراتها ومدِّهِ بانطباعاتهم حولها”. وبالتالي ، فقد أعطى الملكُ أوامره بتعميم غنائهم في وسائل الإعلام والحفلات الرسمية والسهرات، وأصبح من المعتاد استقبالهم في قصره والاستماع إليهم، دون النظر إلى طبيعة أغانيهم. إذ حدّثني نجمي عن لقاءٍ استفسر فيه الحسنُ الثاني من أحمدَ البيضاوي عن سبب غياب مجموعتَي ناس الغيوان وجيل جيلالة عن شاشة التلفزيون المغربي، فكان جواب البيضاوي أن “هذه المجموعات لا تغني الأغاني الوطنية”. عندها ردّ عليه الملك قائلاً: “واش عمري قلت لكم يغنّيو عليّا؟ هؤلاء يغنّون عن هموم الناس، أريد أن أراهم في التلفزيون”.
-عدم التعميم الشعبي للتكوين الموسيقي والغنائي
رغم العناية الشخصية الكبيرة التي أولاها الملك الحسن الثاني للموسيقى (باعتباره عازفاً وراعياً للفن)، إلا أن مادة الموسيقى لم تكن إجبارية في التعليم العمومي بالمغرب طيلة عهده لعدة أسباب سياسية، و لوجستية، واجتماعية تتمثل في:
– اعتبار مادة الموسيقى من المواد “الثانوية”: فبعد الاستقلال وحرب الرمال (1963)، أعطت الدولة الأولوية القصوى للمواد الأساسية (اللغات، العلوم، التاريخ) لبناء أطر الدولة. في حين تم اعتبار التربية الموسيقية مادة “ثانوية” مكملة، فتم تهميشها لصالح تقليص التكاليف والتركيز على تكوين الكفاءات الإدارية والتقنية.
-نقص الأطر والتكوين: حيث كان معظم أساتذة التربية الموسيقية في الستينيات من البعثات المصرية. ومع توتر العلاقات السياسية في فترات معينة (مثل الوقوف المصري مع الجزائر في حرب 1963)، تراجع الاعتماد عليهم.
-تأخر المغرب في تأسيس مراكز لتكوين أساتذة مغاربة متخصصين في التربية الموسيقية موجهين للمدارس العمومية حتى الثمانينيات.
-ثقافة “المعاهد” مقابل “المدارس”: فقد تبنى النظام التعليمي في عهد الملك الحسن الثاني فكرة التخصص؛ حيث تركت مهمة تدريس الموسيقى للمعاهد الموسيقية المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة أو الجماعات المحلية (مثل معهد الدار البيضاء)، ولم تدرج ضمن المنهاج العام لوزارة التربية الوطنية لضمان بقائها كفن نخبوي أو اختياري لمن يملك الموهبة والوقت.
-التحفظ الاجتماعي والديني: حيث واجه إدراج الفنون (والموسيقى خصوصاً) في المقررات الدراسية تحفظات من بعض التيارات المحافظة التي كانت تعتبر الموسيقى “لهواً” لا يتناسب مع الجدية المطلوبة في التحصيل العلمي المدرسي، وهو ما جعل الدولة تتجنب الاصطدام مع هذه القناعات في فضاء المدرسة العمومية.
وعلى العموم ،يبدو أن سياسة الدعم والاحتواء ما زالت حاضرة في سياسة الدولة فيما يتعلق بالمجال الموسيقي والغنائي خاصة في السياسة التعليمية . إذ ما زالت لا تحضر الفنون من رسم وفنون تشكيلية وموسيقى في المنظومة التعليمية بالمغرب بصورة كافية وناجعة، أمام هيمنة المواد العلمية والأدبية في المستويات الإعدادية والثانوية والجامعية. فعلى الرغم من اعتبار الموسيقى في المنظومة التعليمية المغربية مكوناً ضمن مادة “التربية الفنية” (إلى جانب التشكيل والمسرح) بالابتدائي، وكمادة قائمة بذاتها في الإعدادي، فإنها تعاني من التهميش ونقص المدرسين المتخصصين منذ 2013. إذ على الرغم من أهمية مادة الموسيقى في التنشئة والذوق الفني، وبعدما تم منذ الموسم الدراسي 2022، إدراج “التربية الفنية” في الابتدائي لتعزيز الذوق الفني والجمالي، فقد تم توقف تكوين أساتذة التربية الموسيقية منذ 2013، مما أدى إلى خصاص كبير.
كما تعاني هذه المادة في العديد من المؤسسات من غياب الآلات الموسيقية والكتب المدرسية الخاصة بها. مما جعل مادة التربية الموسيقية تعيش تذبذباً بين فترات المد والجزر، رغم كل شعارات إصلاح المنظومة التعليمية التي تركز على إعطائها مكانة أوسع كجزء من تطوير كفايات المتعلم.
اترك تعليقاً