وجهة نظر

الحرب في الشرق الأوسط وتحولات النظام الدولي: كيف يتموضع المغرب في عالم يتغير؟

نادراً ما تبقى الحروب التي تندلع في الشرق الأوسط مجرد صراعات محلية محصورة في حدودها الجغرافية. فهذه المنطقة، التي شكلت على مدى عقود أحد أهم مفاتيح التوازنات الجيوسياسية العالمية، تتحول في كل مرة يندلع فيها صراع كبير إلى مسرح يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. وما يبدو أحيانًا كحرب إقليمية محدودة، سرعان ما يتحول إلى لحظة اختبار لشبكة التحالفات الدولية وإلى فرصة تعيد فيها الدول ترتيب حساباتها الاستراتيجية.

وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، لا يقف المغرب بعيدًا عن تداعيات ما يجري. فالمملكة، التي عملت خلال العقدين الأخيرين على تعزيز حضورها الإقليمي وتوسيع مجالها الحيوي داخل القارة الإفريقية، تجد نفسها اليوم أمام بيئة دولية مضطربة تفرض عليها قراءة دقيقة لما يجري في الشرق الأوسط، ليس فقط من زاوية متابعة الأحداث، بل من زاوية استشراف ما يمكن أن تتيحه هذه التحولات من فرص لإعادة التموضع داخل نظام دولي يتجه تدريجيًا نحو قدر أكبر من السيولة وعدم اليقين.

إرث التوتر مع إيران

لفهم موقع المغرب من التوترات الراهنة في الشرق الأوسط، لا بد من العودة إلى طبيعة العلاقة المعقدة التي تربطه بإيران منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979. فمنذ ذلك التاريخ، ظلت العلاقات بين الرباط وطهران تتسم بدرجة كبيرة من التباعد السياسي والتوجس المتبادل، وهو توجس تعزز مع مرور الوقت بفعل اختلاف الرؤى الإقليمية وتباين التموضع داخل شبكة التحالفات في المنطقة.

وقد بلغ هذا التوتر إحدى ذرواته عندما أعلنت الرباط قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، متهمة إيران بدعم جبهة البوليساريو عبر حزب الله، في سياق النزاع حول الصحراء. وهنا يتحول الملف الإيراني بالنسبة للمغرب من مجرد قضية شرق أوسطية بعيدة إلى عامل يرتبط مباشرة بأحد أهم الملفات الاستراتيجية في سياسته الخارجية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد إقليمي تكون إيران طرفًا فيه لا يمكن أن يمر دون اهتمام خاص في الرباط، لأن تداعياته قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال شبكة التوازنات المرتبطة بالقضية الوطنية للمغرب.

شبكة تحالفات متداخلة

في مقابل هذا التوتر مع طهران، عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على ترسيخ شبكة من العلاقات الاستراتيجية مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، من بينها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب الشراكة الاستراتيجية المتقدمة مع الولايات المتحدة.

وقد لعبت هذه العلاقات دورًا مهمًا في تعزيز الموقف المغربي في قضية الصحراء، خصوصًا فيما يتعلق بمقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كحل سياسي للنزاع. ومع اتساع دائرة الدعم الدولي لهذا المقترح، أصبح واضحًا أن الرباط تراهن على توظيف شبكة تحالفاتها لتعزيز موقعها الدبلوماسي في هذا الملف.

غير أن هذه التحالفات نفسها أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والصراع المتزايد بين محاور إقليمية مختلفة.

التطبيع وإعادة رسم المعادلة

في هذا السياق، شكل استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل سنة 2020 محطة بارزة في مسار إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، وذلك في إطار ما عرف باتفاق اتفاقيات أبراهام التي تمت بوساطة الولايات المتحدة.

هذا القرار لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية معزولة، بل جاء ضمن مقاربة استراتيجية أوسع سعت الرباط من خلالها إلى الربط بين الانفتاح الدبلوماسي وتعزيز موقفها في قضية الصحراء، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الإقليم.

لكن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يعيد طرح أسئلة جديدة حول مستقبل هذه التوازنات، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من الاستقطاب السياسي.

الرهان الإفريقي

إلى جانب الشرق الأوسط، يبدو أن أحد أبرز مفاتيح التموضع المغربي في النظام الدولي الجديد يكمن في القارة الإفريقية. فمنذ عودة الرباط سنة 2017 إلى الاتحاد الإفريقي، عمل المغرب على توسيع حضوره الاقتصادي والدبلوماسي داخل القارة من خلال شبكة واسعة من الاستثمارات والشراكات الثنائية.

وقد ساهم هذا التوجه في تعزيز صورة المغرب كقوة إقليمية صاعدة داخل إفريقيا، خصوصًا في مجالات البنوك والطاقة والبنية التحتية. وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، قد تتحول القارة الإفريقية إلى ساحة تنافس متزايد بين القوى الدولية، وهو ما يمنح الدول القادرة على لعب أدوار اقتصادية ودبلوماسية نشطة فرصًا إضافية لتعزيز نفوذها.

التنافس المغاربي

غير أن هذا التموضع لا ينفصل عن التوازنات داخل المنطقة المغاربية، خصوصًا في ظل التوتر المستمر مع الجزائر. فالعلاقة بين البلدين باتت في السنوات الأخيرة أقرب إلى صراع بارد يتداخل فيه التنافس الدبلوماسي مع الصراع على النفوذ الإقليمي.

وفي سياق الأزمات الدولية الكبرى، غالبًا ما تسعى الدول المتنافسة إلى استثمار التحولات العالمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يجعل التموضع الدبلوماسي خلال هذه اللحظات الحساسة جزءًا من لعبة التوازنات الإقليمية.

تحولات النظام الدولي وعودة التعددية القطبية

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن التحول الأوسع الذي يشهده النظام الدولي منذ أكثر من عقد. فالعالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة وهيمنة الولايات المتحدة كقوة أحادية، بدأ يدخل تدريجيًا مرحلة جديدة تتسم بصعود قوى دولية مثل الصين وروسيا، ما يعيد إحياء منطق التعددية القطبية داخل النظام العالمي.

وفي مثل هذه المراحل الانتقالية من التاريخ الدولي، غالبًا ما تبرز فرص جديدة أمام الدول المتوسطة القوة التي تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على المناورة الدبلوماسية. فالتاريخ يبين أن لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي لا تعيد فقط رسم حدود النفوذ بين القوى العظمى، بل تفتح أيضًا المجال أمام قوى إقليمية صاعدة لتوسيع أدوارها داخل النظام العالمي.

المغرب أمام لحظة جيوسياسية

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المغرب يقف أمام لحظة جيوسياسية دقيقة تفرض عليه الموازنة بين عدة اعتبارات. فمن جهة، هناك ضرورة الحفاظ على شبكة التحالفات الدولية التي دعمت مواقفه في ملفات استراتيجية، ومن جهة أخرى هناك حاجة إلى تجنب الانخراط المباشر في الاستقطابات الحادة التي قد تفرضها الأزمات الإقليمية.

لكن في المقابل، قد تتيح التحولات الجارية فرصة للمغرب لتعزيز موقعه كفاعل إقليمي صاعد، خاصة إذا تمكن من توظيف موقعه الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا، وشبكة علاقاته الدولية، ودوره الاقتصادي المتنامي داخل القارة الإفريقية.

وفي عالم يشهد إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوة، قد لا يكون السؤال المطروح فقط هو كيف سيتأثر المغرب بما يجري في الشرق الأوسط، بل كيف يمكنه أن يحول هذه التحولات إلى فرصة استراتيجية لتعزيز حضوره الإقليمي وتثبيت موقعه كفاعل مؤثر في نظام دولي يتغير بسرعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *