منتدى العمق

السياسة في زمن الصورة: هل فقدت الأحزاب المغربية قدرتها على الإقناع؟

لم تعد السياسة اليوم تُقاس فقط بامتلاك البرامج أو وضوح المواقف، بل أصبحت تقاس—بشكل متزايد—بقدرة الفاعل السياسي على الإقناع داخل فضاء عمومي سريع ومتغير.

في المغرب، يبدو أن هذه المعادلة الجديدة تطرح سؤالًا مقلقًا: هل فقدت الأحزاب السياسية قدرتها على مخاطبة المجتمع، أم أن المجتمع نفسه لم يعد يستجيب لخطابها؟

الجواب الأقرب إلى الواقع أن الأزمة ليست في المجتمع، بل في ضعف التواصل السياسي، الذي أصبح أحد أبرز أعطاب الفعل الحزبي في المغرب.

أزمة تواصل… لا أزمة سياسة

ما يميز المشهد السياسي المغربي اليوم ليس غياب الخطاب، بل غياب القدرة على إيصاله.
فالأحزاب لا تعاني من ندرة في البرامج أو التصريحات، لكنها تعاني من ضعف واضح في:
تبسيط خطابها
تسويق أفكارها
بناء علاقة مستمرة مع المواطن
بمعنى آخر، المشكلة ليست في “ما يُقال”، بل في “كيف يُقال… ولمن يُقال”.

وفي زمن تحكمه قواعد علوم التواصل، لم يعد مقبولًا أن يظهر السياسي فقط خلال الحملات الانتخابية، ثم يختفي بعدها، تاركًا فراغًا تواصليًا يُملأ بخطابات أخرى أكثر بساطة وانتشارًا.

تسويق سياسي موسمي

واحدة من أبرز مظاهر هذا الخلل هي أن الأحزاب لا تمارس ما يمكن تسميته بـ“التسويق السياسي المستمر”.
فالدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، أو الانخراط في العمل الحزبي، غالبًا ما تكون مرتبطة بلحظة انتخابية محددة، بدل أن تكون عملية ممتدة زمنيًا.

وهنا يظهر الخلل بوضوح:
كيف يمكن إقناع شاب بالانخراط في السياسة، إذا لم يتم التواصل معه إلا قبيل الانتخابات؟
السياسة، في جوهرها، علاقة طويلة الأمد مع المجتمع، وليست حملة إشهارية موسمية.

غياب الهوية… وتشابه الأحزاب

أخطر من ضعف التواصل، هو غياب هوية حزبية واضحة.
فالمشهد الحزبي المغربي يعاني من تشابه لافت، يجعل التمييز بين الأحزاب صعبًا على المواطن العادي.
لم يعد السؤال: مع من تختلف الأحزاب؟
بل أصبح: هل تختلف أصلًا؟

باستثناء بعض التمايزات المحدودة—كالتصنيف التقليدي بين إسلامي وغير إسلامي—فإن أغلب الأحزاب تقدم نفسها بخطاب متقارب، بل أحيانًا متطابق.
هذا التشابه، إلى جانب كثرة الأحزاب وغياب تكتلات قوية، يجعل المشهد يبدو وكأنه: تعدد شكلي… بدون اختلاف فعلي.
وهو ما يعزز لدى جزء من الرأي العام فكرة أن الأحزاب، مهما اختلفت أسماؤها، تظل متشابهة في جوهرها.

أزمة كاريزما وقيادة

لا يمكن الحديث عن التواصل دون الحديث عن الأشخاص.
فالتواصل السياسي ليس فقط خطابًا، بل هو أيضًا حضور، شخصية، وقدرة على التأثير.
وهنا يبرز ضعف آخر في المشهد السياسي المغربي:
غياب كاريزمات سياسية قادرة على الإقناع وجذب الاهتمام.
ففي زمن الصورة، حيث يلعب الحضور الشخصي دورًا أساسيًا، تبدو العديد من الوجوه السياسية عاجزة عن خلق ذلك التفاعل الضروري مع الجمهور، خاصة فئة الشباب.
من المسؤول؟

تحميل المسؤولية للشباب أو للمجتمع أصبح تبريرًا جاهزًا.
لكن الواقع يشير إلى أن الخلل أعمق، ويتعلق بقدرة الأحزاب نفسها على التكيف مع تحولات العصر.
فالجمهور تغيّر:
أصبح أسرع حكمًا
أكثر نقدًا
وأقل صبرًا على الخطاب التقليدي
بينما بقيت الأحزاب، في جزء كبير منها، تشتغل بنفس الأدوات القديمة.

في النهاية، لا يبدو أن المغرب يعاني من غياب السياسة، بل من غياب القدرة على إقناع الناس بها.
فالسؤال اليوم لم يعد: هل تمتلك الأحزاب برامج؟
بل:
هل تمتلك القدرة على جعل الناس يصدقونها ويهتمون بها؟
في زمن الصورة، لا يكفي أن تكون لديك أفكار…
بل يجب أن تعرف كيف تجعل الناس تراها، تفهمها، وتؤمن بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *