وجهة نظر

العلاقة بين الأحزاب السياسية والأساتذة الجامعيين

الثقة المفقودة بين الفكر والممارسة

تُعدّ العلاقة بين الأحزاب السياسية والأساتذة الجامعيين من القضايا المركزية في فهم تحولات المجال السياسي والفكري داخل المجتمعات الحديثة، خصوصاً في الدول التي تعيش انتقالات ديمقراطية أو أزمات ثقة في المؤسسات. فالأستاذ الجامعي يُفترض فيه أن يكون منتجاً للمعرفة، وموجهاً للرأي العام، ومشاركاً في صياغة السياسات العمومية عبر البحث العلمي والنقد الأكاديمي، بينما تُعدّ الأحزاب السياسية آلية للتأطير والتمثيل والتعبير عن مصالح المجتمع. غير أن هذه العلاقة شهدت خلال العقود الأخيرة نوعاً من التوتر والقطيعة، حتى بات الحديث عن “الثقة المفقودة” عنواناً بارزاً لهذه العلاقة.

أولاً: الجذور التاريخية للعلاقة بين الأحزاب والأستاذة الجامعيين

عرفت الجامعات العربية والمغربية خصوصاً خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين حضوراً قوياً للأحزاب السياسية داخل الحرم الجامعي. فقد كان عدد من الأساتذة الجامعيين منخرطين في العمل الحزبي والنقابي، بل إن بعضهم ساهم في تأسيس تيارات فكرية وسياسية مؤثرة. وكانت الجامعة فضاءً للنقاش الإيديولوجي والسياسي، ومنبراً لتكوين النخب.

ففي المغرب مثلاً، ارتبطت أسماء جامعية بارزة بأحزاب وطنية ويسارية…، وأسهم أساتذة التاريخ والفلسفة والاقتصاد والقانون في بلورة مشاريع فكرية وسياسية كان لها أثر في النقاش العمومي. غير أن هذه المرحلة شهدت تراجعا تدريجياً مع تحولات الدولة والمجتمع، وتغير طبيعة الأحزاب نفسها.

ثانياً: أسباب فقدان الثقة.

1. أزمة الأحزاب السياسية: تعاني كثير من الأحزاب السياسية في المغرب اليوم من ضعف التأطير الفكري وغياب المشاريع المجتمعية الواضحة، إضافة إلى هيمنة الحسابات الانتخابية الضيقة. هذا التحول جعل عدداً من الأساتذة الجامعيين ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها فضاءات للمصالح أكثر من كونها مؤسسات لإنتاج الأفكار.

كما أن تراجع الديمقراطية الداخلية داخل بعض الأحزاب أضعف جاذبيتها لدى النخب الأكاديمية التي تؤمن بالنقاش الحر والكفاءة العلمية.

2. تهميش الكفاءات الجامعية، اذ يشعر العديد من الأساتذة الجامعيين بأن الأحزاب لا تمنح قيمة حقيقية للخبرة الأكاديمية، وأنها تفضّل الولاءات التنظيمية والشعبوية الانتخابية على الكفاءة الفكرية. لذلك أصبحت العلاقة بين الطرفين موسمية، تظهر فقط أثناء الانتخابات أو إعداد البرامج.

وقد أدى هذا الوضع إلى عزوف عدد كبير من الأكاديميين عن الانخراط الحزبي، مكتفين بدور الباحث أو المعلق من خارج المؤسسات السياسية.

3. أزمة الجامعة، في المقابل، لا يمكن إعفاء الجامعة من المسؤولية. فبعض الأساتذة اختاروا الانغلاق داخل المجال الأكاديمي، وابتعدوا عن قضايا المجتمع والسياسة، مما جعل تأثيرهم محدوداً في المجال العمومي. كما أن ضعف البحث العلمي وقلة مراكز التفكير والدراسات الاستراتيجية المرتبطة بالأحزاب زاد من اتساع الهوة.

4. التحولات الرقمية وصعود الشعبوية، حيث ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في صعود خطابات شعبوية سريعة التأثير، قللت من قيمة التحليل الأكاديمي الرصين. وأصبحت الأحزاب تميل إلى “الوجوه الإعلامية” القادرة على جذب الأصوات بدل الباحثين والمفكرين القادرين على بناء التصورات بعيدة المدى.

ثالثاً: آثار القطيعة بين الجامعة والسياسة

إن فقدان الثقة بين الأحزاب والأساتذة الجامعيين له آثار عميقة على المجتمع والدولة، من أبرزها:

اولا، ضعف جودة البرامج السياسية والانتخابية. حيث تحولت البرامج إلى خطابات بدون محتوى ولا تعكس اي مجهود فكري أو سياسي.

ثانيا، غياب الدراسات العلمية في صناعة القرار الحزبي، إذ يسجل غياب تام لخلايا التفكير الخاصة بالدراسات وإنجاز المشاريع الإجتماعية والاقتصادية الخاصة بصناعة القرار.

ثالثا، تراجع دور النخبة المثقفة في توجيه الرأي العام. حيث لم يعد للنخب المثقفة اي دور في التدبير العمومي وصناعة القرار ومن ثم انقطعت الصلة بالمجتمع ككل.

رابعا، انتشار الخطاب الشعبوي والانفعالي. وهي آفة أصابت عدد من الأحزاب السياسية حولت العمل السياسي إلى محال للضحك والتنمية.

خامسا، ضعف تكوين النخب السياسية الجديدة. حيث برزت وجوه سياسية جديدة فاقدة لأي تكوين أو تراكم ، مما فتح المجال لاصحاب الأموال والثروات( مول الشكارة).

وقد ادت هذه القطيعة إلى إضعاف الثقافة الديمقراطية، لأن السياسة دون فكر تتحول إلى تدبير انتخابي محدود، بينما المعرفة دون تأثير سياسي تبقى معزولة عن المجتمع.

رابعاً: هل يمكن استعادة الثقة؟ السؤال الصعب.

رغم الأزمة الحالية، فإن إمكانية إعادة بناء الثقة بين الطرفين تظل ممكنة، لكنها تتطلب شروطاً أساسية:

1. إعادة الاعتبار للفكر داخل الأحزاب. اذ ينبغي للأحزاب أن تستعيد دورها التأطيري والفكري، وأن تنفتح على الجامعات ومراكز البحث، عبر إنشاء لجان علمية ومجالس استشارية تضم أساتذة وخبراء.

2. تشجيع البحث العلمي المرتبط بالسياسات العمومية، فالدولة والأحزاب معاً بحاجة إلى دعم مراكز التفكير “Think Tanks” القادرة على تقديم بدائل علمية في الاقتصاد والتعليم والثقافة والسياسة.

3. انخراط الأساتذة في العمل السياسي المتعلق بالشأن العام،
حيث يتطلب الأمر أيضاً تجاوز بعض الأكاديميين لفكرة “الحياد السلبي”، والانخراط في النقاش العمومي وتقديم الخبرة للمجتمع، دون السقوط في التبعية الحزبية الضيقة.

4. ترسيخ الديمقراطية الداخلية، فكلما احترمت الأحزاب السياسية الكفاءة والشفافية والديمقراطية، ازدادت قدرتها على استقطاب النخب الجامعية.

و خاتما، فإن العلاقة بين الأحزاب السياسية والأساتذة الجامعيين تعكس في العمق طبيعة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين الفكر والممارسة. وإذا كانت الثقة قد تراجعت بفعل أزمات السياسة وتحولات الجامعة والمجتمع، فإن الحاجة إلى إعادة بناء هذه العلاقة أصبحت ضرورة وطنية وفكرية. فلا يمكن لأي مشروع ديمقراطي أو تنموي أن ينجح دون تفاعل حقيقي بين الجامعة باعتبارها منتجة للمعرفة، والأحزاب باعتبارها فاعلاً في تدبير الشأن العام. إن مستقبل المجتمعات الحديثة لا يُبنى فقط بالأصوات الانتخابية، بل أيضاً بالأفكار والكفاءات والنخب القادرة على الربط بين العلم والسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *