بين منصة القضاء ومكتب المحاماة: المفارقات التشريعية في إقصاء خريجي كلية الشريعة
طالعت عبر موقع “مغرب تايمز” تصريحاً للسيدة النائبة المحترمة زينة إدحلي، توضح فيه خلفيات قيادتها لتيار داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان يرفض إدراج كليات الشريعة ضمن المؤسسات المخول لخريجيها اجتياز مباراة ولوج مهنة المحاماة في مشروع القانون رقم 66.23. وإذ نثمن حق السيدة النائبة —وهي خريجة كلية الشريعة — في التعبير عن موقفها، إلا أن هذا الموقف يستدعي وقفة نقاش علمية وقانونية لتفكيك الدفوع التي أسست عليها رأيها، والانتصار لروح الوثيقة الدستورية والسياسة التشريعية للمملكة المغربية.
أولاً: واقع الهندسة البيداغوجية.. الوثائق الرسمية (الإجازة والماستر) تُفنّد ادعاء “التكوين المجتزأ”
استند تصريح النائبة إلى دفعٍ كلاسيكي يتم تكراره كثيرا مفاده أن برامج كليات الشريعة “تركز بالأساس على العقيدة والفقه وأصوله والمواريث”، معتبرةً إياها غير كافية للإحاطة بالفروع القانونية (المدنية، الجنائية، والتجارية) التي يتطلبها عمل المحامي. غير أن هذا الادعاء يصطدم مباشرة بالوثائق الرسمية التي تؤطر التدريس في كليات الشريعة.
1. على مستوى سلك الإجازة:
فإن الملف الوصفي المعتمد من لدن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار لمسلك “الشريعة والقانون والمهن القضائية” بكلية الشريعة بأكادير —على سبيل المثال— يقدّم دليلاً قاطعاً على طبيعة المواد التي يدرسها طالب الشريعة اليوم؛ حيث يخضع لتكوين قانوني رصين يوازن بين فروع القانون العام والخاص.
وتكشف الهندسة البيداغوجية لهذا المسلك عن تدريس “المدخل لدراسة القانون” و”القانون الدستوري”، مرواً بـ”التحفيظ العقاري والحقوق العينية”، ووصولاً إلى “النظرية العامة للالتزامات والعقود” التي تمثل عصب القانون المدني. كما يحيط الطالب بالشقين الجنائي والإجرائي عبر دراسة “القانون الجنائي” (العام والخاص)، إضافة إلى “التنظيم القضائي” ومادتَي “المسطرة المدنية” و”المسطرة الجنائية”. ولا ينعزل هذا التكوين عن بيئة الأعمال والإدارة، إذ ينفتح على “القانون الإداري”، و”القانون الاجتماعي” (قانون الشغل)، و”القانون التجاري”، و”قانون الشركات”، وصولاً إلى آليات “التوثيق وقواعد الإثبات”.
2. على مستوى سلك الماستر (الدراسات العليا المعمقة):
ويتخذ هذا التكوين مساراً تخصصياً وعملياً دقيقاً في سلك الدراسات العليا (الماستر)، وهو ما يثبته الملف الوصفي لاعتماد مسلك الماستر بكلية الشريعة بأكادير، والمعنون بـ “الشريعة والدراسات القضائية المقارنة – العقود والمنازعات في الفقه والتشريع”، إذ تكشف المعطيات الرسمية لهذه الوثيقة عن ميزات حاسمة ترفع اللبس كلياً، لكون هذا الماستر مصنفاً رسمياً من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تحت الحقل المعرفي للعلوم القانونية والاقتصادية والتدبير، وضمن تخصص المنازعات القانونية والقضائية والإدارية، وهو اعتراف قانوني وتنظيمي يدمج هذا المسلك في نفس الحقل الأكاديمي والمهني لكليات الحقوق بالمملكة.
وتتجسد هذه الهوية القانونية الصرفة في بنية البرنامج البيداغوجي للماستر الذي يتضمن وحدات دراسية تمثل المادة اليومية والتطبيقية لعمل المحامي أمام المحاكم؛ حيث يدرس الطالب في فصيله الأول أحكام عقد البيع في الفقه والتشريع، وعقود التوثيقات، والعقود الإدارية والصفقات العمومية، ووسائل الإثبات، وينتقل في الفصل الثاني إلى مساطر صعوبات المقاولة، ومساطر التنفيذ المدني، والتوثيق وتحرير العقود العصرية، ومنازعات عقود الكراء، ليتوج مساره في الفصل الثالث بدراسة منازعات عقود الشغل، ومنازعات العقود التجارية والشركات، والاجتهاد القضائي في منازعات العقود، والوسائل البديلة لحل المنازعات، ومسؤولية موثقي العقود.
تعارض موقف النائبة المحترمة (المسنود بتوجه وزارة العدل في منع الخريجين) مع قرارات وزارة التعليم العالي التي اعتمدت رسمياً هذه المسالك الأكاديمية (إجازة وماستر) لإعداد الطلبة للمهن القضائية ومنازعات العقود، يُشكّل تضارباً إدارياً وبيداغوجياً حاداً داخل المنظومة الحكومية الواحدة، ويجعل الإقصاء مبنياً على “اسم الكلية” لا على “مضمون التكوين”.
ثانياً: حجة التجارب المقارنة.. تكامل الشريعة والقانون
إن دعوى عدم أهلية خريج الشريعة لولوج المحاماة تغفل تماماً التراكم التشريعي في الأنظمة القانونية المقارنة التي تشترك مع المغرب في مرجعياته ؛ إذ تُعد كليات الشريعة والقانون في هذه الدول الرافد السيادي الأول لمنظومة العدالة: فمثلا : جمهورية مصر العربية: تنص المادة 13 من قانون المحاماة المصري صراحة على أنه يُشترط فيمن يطلب قيده في الجدول العام أن يكون حاصلاً على الإجازة في الحقوق، أو على شهادة الشريعة والقانون من جامعة الأزهر الشريف، باعتبارهما متطابقين في الأهلية القانونية والمهنية، ومجموعة من دول العالم الإسلامي تفتح مباراة المحاماة لخريجي كلية الشريعة: المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، الأردن، وماليزيا، الكويت ، الامارات العربية المتحدة، أندونيسيا، و تجعل هذه الأنظمة القضائية من خريج الشريعة والقانون الركيزة في صياغة المذكرات والدفاع أمام المحاكم، فبينما تتجه الأنظمة المقارنة في دول العالم العربي والإسلامي نحو مأسسة هذا الانفتاح والاعتراف بالقيمة المعرفية المزدوجة لخريجي كلية الشريعة، يجنح التوجه البرلماني الحالي في المغرب نحو التضييق والإقصاء بدون مبررات موضوعية ولا منهجية ولا قانونية ولا بيداغوجية.
ثالثاً: تهافت القياس على شعبة الاقتصاد وسقوط حجة التخصص
حاولت السيدة النائبة تدعيم أطروحتها بضرب مثال بشعبة الاقتصاد، معتبرة أن ارتباط الاقتصاد بالقانون لم يمنح خريجيه حق ولوج المحاماة احتراماً لـ “مبدأ التخصص الأكاديمي الدقيق”. بيد أن هذا القياس معيب ومنقوض من وجهين:
1. الفارق التشريعي الجوهري
القياس السليم لا يستقيم بين شهادتين من حيث رغبة أصحابهما، بل من حيث موقف المشرع المنظّم لهما. فالمنظومة التشريعية المغربية لم يسبق لها قط أن اعترفت لشهادة الاقتصاد بأهلية المهن القضائية الصرفة، بينما نجد المشرّع قد أرسى اعترافاً قطعياً بأهلية شهادة الشريعة في أربعة قوانين نافذة على الأقل:
المادة 28 من القانون رقم 37.22 المتعلق بالمعهد العالي للقضاء: تفتح مباراة الملحقين القضائيين (القضاة) أمام الحاصلين على الشهادات في “القانون الخاص، أو في الشريعة أو ما يعادلهما”.
المادة 10 من القانون التنظيمي رقم 106.13: تعترف بأهلية دكتوراه الشريعة لولوج السلك القضائي لفئات معينة.
المادة 4 من قانون المفوضين القضائيين 81.03: تُعادل صراحة ومباشرة بين إجازة الحقوق وإجازة الشريعة.
المادة 6 من قانون خطة العدالة 16.03: تفتح باب المهنة أمام حملة إجازة الشريعة بنص صريح.
إذا كان “مبدأ التخصص الصارم” هو المعيار الحاكم، فكيف نُفسر مقتضيات المادة 12 من مشروع القانون ذاته، والتي تعفي قدماء القضاة من الدرجة الثانية (أو من درجة تفوقها) من شهادة الكفاءة ومن التمرين لولوج المحاماة؟ ومعلوم بأن عدداً كبيراً من هؤلاء القضاة هم تحديداً من خريجي كليات الشريعة الذين ولجوا القضاء بموجب شهاداتهم وعملوا في محاكم المملكة.
فالمنطق التشريعي المفترض هنا يقع في تناقض صارخ: يقر بأن شهادة الشريعة تؤهل صاحبها ليكون قاضياً يحكم في الدماء والأموال والحريات، ثم يعود ليعفي ذات القاضي خريج كلية الشريعة عند تقاعده ليلج المحاماة، لكنه يمنع الخريج المباشر من ذات الكلية من مجرد اجتياز مباراة الولوج!
رابعاً: الرد على التحفظ المستقبلي.. الاعتراف الضمني يقلب الحجة
أشارت النائبة المحترمة إلى أن فتح باب المحاماة أمام تخصصات أخرى قد يكون وارداً مستقبلاً في حال اعتماد نظام “المحامين المتخصصين”. هذا الدفع ينقلب حُجةً عليها من ثلاثة اتجاهات:
إقرار بسلامة الآلية: القول بأن الولوج ممكن مستقبلاً بشروط دقيقة تضمن الكفاءة يعني أن المانع ليس في “طبيعة التكوين البنيوي” بل في “آلية الفرز”. والمباراة الوطنية المنصوص عليها في القانون هي الآلية الدقيقة الكفيلة بغربلة الكفاءات، فلماذا يُحرم خريج كلية الشريعة من دخول الغربال ابتداءً؟
حاجة سوق العدالة التخصصي: إن أي نظام مستقبلي للمحامين المتخصصين سيتطلب بالضرورة كفاءات عالية في فروع الأسرة، المواريث، العقار غير المحفظ…، بالإضافة إلى “العقود والمنازعات ، وهذا التخصّص القضائي المقارن هو ما تمنحه كليات الشريعة اليوم عبر مسالك الماستر المذكورة؛ فحجبه تفويت لخبرة جاهزة تحتاجها منظومة العدالة.
طبيعة قرار المنع: قبول كفاءة الخريج في “المستقبل التخصصي” يعني قبول أهليته المبدئية، مما يجعل قرار المنع الحالي قراراً انتقالياً تمييزياً لا مبدئياً، والقرارات الانتقالية التي تضر بمراكز قانونية لفئة عريضة من المواطنين تفتقد للمشروعية والملاءمة.
خامساً: الرؤية الذاتية للنائبة في ميزان الفلسفة التشريعية (حجة راولز)
أكدت السيدة النائبة المحترمة أن كونها خريجة كلية الشريعة وكلية الحقوق معاً يمنحها “رؤية مزدوجة حول الفروقات بين التكوينين”. ورغم احترامي لمسارها الشخصي المتميز، إلا أن الانطباع الذاتي لا يصح أن يتحول إلى قاعدة تشريعية عامة تخاطب الكافة.
وإذا ما أخضعنا هذا الموقف لاختبار الفيلسوف القانوني “جون راولز” الشهير بـ “حجاب الجهل” ، فإن المشرع العادل يجب أن يصوغ القاعدة القانونية بمعزل عن معرفة موقعه الشخصي أو مكتسباته الذاتية. لو تخيلت النائبة نفسَها وراء هذا الحجاب حاصلة على إجازة الشريعة فقط كيف سيكون موقفها؟ هل كانت ستقر وتدافع عن قاعدة تشريعية تحجب عن فئة كاملة من الطلبة حق التنافس في مباراة عامة؟ إن الإجابة الموضوعية تؤكد أن معيار التشريع في دولة الحق والقانون هو الكفاءة بالامتحان” لا “الانطباع الشخصي” المستمد من التجربة الذاتية.
سادساً: السقف الدستوري الذي يُبطل الإقصاء
بعيداً عن السجال البيداغوجي، ثمة سياج دستوري أسمى يعلو فوق كل الدفوع والآراء الشخصية:
تنص الفصول 6 و31 و35 من دستور 2011 على مبادئ المساواة، تكافؤ الفرص، والولوج العادل للمهن والوظائف بناءً على الاستحقاق.
يحظر الدستور في فصله الثامن كل أشكال التمييز بسبب الوضع الشخصي أو الانتماء. وحيث إن الملفات البيداغوجية الرسمية (للإجازة والماستر) أثبتت تكافؤ المضمون المعرفي، فإن الإقصاء المبني على عنوان المؤسسة الأكاديمية يُعد قيداً غير دستوري وتضييقاً لا تستند إليه أي ضرورة موضوعية معللة.
خـتـامـا: إن الموقف الذي تبنّته السيدة النائبة المحترمة—ومَن يسير في ركابه— يضع اتساق المنظومة التشريعية والبيداغوجية على المحك؛ إذ لا يستقيم منطقاً ولا قانوناً أن يُقرّ المشرّع بأهلية شهادة الشريعة لتبوُّء منصة القضاء والحكم في الدماء والأموال، ثم يراها قاصرة عن مؤازرة المتقاضين أمام نفس المنصة!
إن الأمل معقود اليوم على السيدات والسادة أعضاء مجلس المستشارين لإعادة القطار إلى سكته الدستورية خلال القراءة الثانية لمشروع القانون رقم 66.23. وتحديداً عبر تعديل المادة الخامسة والتنصيص على “شهادة الماستر من كليات الشريعة” ضمن الشروط المرفوعة للمباراة.
إن الانتصار لطلبة كليات الشريعة ليس ريعاً بيداغوجياً ولا امتيازاً فئوياً، بل هو حماية لروح الوثيقة الدستورية، وصون للتنافس الشريف على أساس الكفاءة والامتحان، واعتراف بالكليات التي رفدت —ولا تزال— منظومة العدالة المغربية بقامات فقهية وقانونية.
اترك تعليقاً