وجهة نظر

من دفع نجل الرئيس السابق للبوليساريو إلى الهلاك؟ ومن المستفيد؟

تعيش جبهة البوليساريو منذ سنوات على وقع تحولات داخلية عميقة فرضتها المتغيرات السياسية والإقليمية المرتبطة بملف الصحراء، في ظل تراجع الأطروحة الانفصالية على المستوى الدولي وتزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية هذا النزاع. وقد أفرزت هذه التطورات حالة من التوتر داخل هياكل الجبهة، انعكست في تصاعد الخلافات بين أجنحة متنافسة حول مستقبل القيادة وشكل المرحلة المقبلة، خاصة مع تقدم إبراهيم غالي في السن واحتدام النقاش حول مرحلة ما بعده.

وفي موازاة ذلك، تشهد مخيمات تندوف حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي بسبب استمرار الأوضاع المعيشية الصعبة وتنامي الأصوات المطالبة بالتغيير وتجديد النخب القيادية، وهو ما جعل مسألة الخلافة تتحول إلى أحد أبرز الملفات المطروحة داخل دوائر القرار في الجبهة. وتتنافس عدة أسماء وتيارات على موقع القيادة، بين من يدافع عن استمرار النهج التقليدي الذي حكم الجبهة لعقود، ومن يدعو إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي ومراجعة الخيارات التي أوصلت المشروع الانفصالي إلى حالة من الجمود والعزلة.

وفي قلب هذه المعادلة، يظل الدور الجزائري عاملا حاسما في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بالنظر إلى ما تمثله الجزائر من حاضنة سياسية وعسكرية ومالية للجبهة. لذلك فإن أي نقاش حول مستقبل القيادة أو ترتيبات ما بعد إبراهيم غالي لا يمكن فصله عن حسابات الجزائر ومصالحها الاستراتيجية في هذا الملف. ومن هنا تكتسب الأحداث التي تشهدها المخيمات، والصراعات غير المعلنة بين مراكز النفوذ داخل الجبهة، أهمية خاصة باعتبارها مؤشرات على حجم التجاذبات الدائرة حول مستقبل التنظيم ومسار النزاع في المرحلة القادمة.

وفي خضم هذه التطورات، جاء مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز، نجل الزعيم السابق لجبهة البوليساريو محمد عبد العزيز، ليضيف بعدا جديدا إلى حالة الجدل والتساؤلات التي تخيم على المشهد الداخلي للجبهة. فالرجل لم يكن مجرد إطار عسكري أو عضو فيما يسمى بالأمانة الوطنية، بل كان يشغل منصب قائد لواء الاحتياط العسكري، وينظر إليه باعتباره أحد الوجوه الصاعدة داخل هياكل البوليساريو والمرشحة للعب دور مؤثر في مرحلة ما بعد إبراهيم غالي. كما أن مكانته كانت تستمد جزءا من رمزيتها من كونه نجل الرئيس السابق للجبهة ومن والدته خديجة حمدي، الوزيرة السابقة للثقافة في البوليساريو، فضلا عن تكوينه العسكري بالأكاديمية العسكرية الجزائرية بشرشال، وعلاقاته التي يقال إنها كانت وثيقة بدوائر نافذة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الجزائرية، وهو ما جعل اسمه يتردد باستمرار ضمن الشخصيات المؤهلة للمنافسة على مواقع متقدمة في هرم القيادة مستقبلا.

وقد أثار الحادث الكثير من علامات الاستفهام، خاصة وأنه وقع في ظرفية دقيقة تزامنت مع الزيارة التي قام بها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى مخيمات تندوف، وإذا كانت المخاطر معروفة مسبقا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: من اتخذ قرار إرسال لحبيب إلى تلك المنطقة العازلة؟ ومن قدم التقديرات الأمنية والعسكرية التي سمحت بتنفيذ هذه المهمة؟ وهل كان الأمر يتعلق بمهمة عسكرية عادية، أم أن هناك حسابات أخرى تقف وراء وجوده في ذلك التوقيت بالذات؟

ويزداد هذا التساؤل مشروعية بالنظر إلى طبيعة المنطقة العازلة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة مجالا لعمليات عسكرية، حيث تعتبر أي تحركات مسلحة فيها عرضة للرصد والاستهداف. كما أن التحركات التي تقوم بها بعض العناصر المسلحة المشبوهة في تلك المناطق ترتبط، بحسب العديد من التقارير والمتابعات الميدانية، بمحاولات التسلل أو تنفيذ أعمال عدائية تستهدف مناطق مدنية مأهولة، وهو ما يجعل الإجراءات الدفاعية الرامية إلى حماية المدنيين وتأمين المجال الترابي أمرا مشروعا ومفهوما في سياق حماية الأمن والاستقرار.

وفي المقابل، يرى عدد من المراقبين أن قيادة البوليساريو دأبت على فبركة وخلق أحداث مأساوية داخل المخيمات أو في محيطها، خصوصا خلال الفترات التي تعرف حراكا دبلوماسيا أو زيارات لمسؤولين أمميين. فغالبا ما يتم التركيز على مشاهد الحزن والحداد وتقديم صور تعكس أجواء التوتر والمعاناة بهدف التأثير على الرأي العام الدولي وإبراز النزاع وكأنه يعيش حالة حرب مفتوحة بشكل دائم.

ومن هذا المنطلق، يذهب بعض المتابعين إلى اعتبار أن مقتل لحبيب ولد محمد عبد العزيز سيستُخدم سياسيا وإعلاميا لتغذية خطاب المظلومية وإيصال رسائل محددة إلى المبعوث الأممي والزوار الدوليين. غير أن هذا التوظيف السياسي المحتمل لا يلغي التساؤل الأساسي المرتبط بالجهة التي سمحت أو قررت وجوده في منطقة تعرف مسبقا حجم المخاطر الأمنية والعسكرية التي تحيط بها.

كما أن غياب لحبيب عن المشهد الحالي يفتح الباب أمام قراءات متعددة مرتبطة بصراعات النفوذ داخل الجبهة، خاصة وأن اسمه كان يتردد ضمن الشخصيات المرشحة للعب أدوار قيادية مستقبلا، وفي ظل احتدام النقاش حول مرحلة ما بعد إبراهيم غالي، فإن خروج أي شخصية وازنة من معادلة التوازنات الداخلية من شأنه أن يعيد رسم موازين القوى بين الأجنحة المتنافسة داخل التنظيم.

وبغض النظر عن التأويلات المتداولة، فإن المؤكد هو أن حادثا بهذا الحجم لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام الذي تعيشه الجبهة، ولا عن النقاشات الجارية حول مستقبل القيادة ومراكز النفوذ داخلها. لذلك فإن الكشف عن الظروف الحقيقية التي أدت إلى وجود لحبيب ولد محمد عبد العزيز في المنطقة العازلة يظل أمرا ضروريا لفهم ما جرى بعيدا عن الروايات الدعائية أو التفسيرات المتسرعة.

ويبقى السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة: من دفع لحبيب ولد محمد عبد العزيز إلى التوجه نحو منطقة يدرك الجميع حجم المخاطر المحدقة بها؟ من المستفيد من هلاكه؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن القرار الذي انتهى بفقدانه في ظرفية دقيقة تشهد فيها الجبهة واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدا منذ سنوات؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *