وجهة نظر

المال الإجرامي والانتخابات: دروس من التجربة الكولومبية؟

ليست كل الانتخابات التي تُجرى انتخابات ديمقراطية بالمعنى الحقيقي، فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع، وإنما أيضًا بنزاهة البيئة التي تُنتج الإرادة الشعبية. وعندما يتحول المال غير المشروع إلى فاعل رئيسي في تمويل الحملات الانتخابية، تصبح الديمقراطية نفسها في دائرة الخطر، وتغدو المؤسسات المنتخبة عرضة للاختراق من قبل شبكات المصالح والجريمة المنظمة.

ولعل التجربة الكولومبية تُعد من أبرز النماذج التي تكشف كيف يمكن لتجار المخدرات أن ينتقلوا من عالم الاقتصاد غير المشروع إلى قلب القرار السياسي. فقد أدركت كارتلات المخدرات مبكرًا أن النفوذ داخل المؤسسات أكثر فاعلية وأقل كلفة من المواجهة المباشرة مع الدولة، فاستثمرت ثرواتها الهائلة في تمويل الحملات الانتخابية، وشراء الولاءات، والتأثير في نتائج الاقتراع، حتى أصبح المال الإجرامي أحد العوامل المؤثرة في تشكيل المشهد السياسي خلال مرحلة من تاريخ البلاد.

ولم يكن الهدف من هذا التمويل الوصول إلى السلطة من أجل خدمة المواطنين، بل إنشاء شبكة حماية سياسية وقانونية تضمن استمرار الأنشطة الإجرامية، وتعطيل الملاحقات القضائية، والتأثير في التشريعات والقرارات الإدارية، بما يخدم مصالح تلك الشبكات.

والأخطر أن هذا المسار أدى إلى اختلال عميق في قواعد المنافسة الديمقراطية. فالمرشح الذي يعتمد على المال غير المشروع يمتلك قدرة غير عادلة على الدعاية، واستمالة الناخبين، وبناء شبكات النفوذ، في حين يجد أصحاب الكفاءة والبرامج الجادة أنفسهم عاجزين عن منافسة إمكانيات مالية لا سقف لها ولا مصدر مشروع.

ومع مرور الوقت، لا تقتصر الخسارة على نزاهة الانتخابات، بل تمتد إلى الدولة بأكملها. فالمؤسسات تصبح أقل استقلالًا، والقضاء يتعرض لضغوط متزايدة، والإدارة العمومية تُستغل لخدمة المصالح الخاصة، بينما يفقد المواطن ثقته في السياسة وفي جدوى المشاركة الانتخابية، ويترسخ الاعتقاد بأن المال هو الطريق الأقصر إلى السلطة.

كما أن التنمية الاقتصادية تصبح من أوائل ضحايا هذا الواقع. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الفرص، بل عن بيئة يسودها القانون والشفافية. وعندما تتغلغل الجريمة المنظمة في دوائر القرار، ترتفع مخاطر الاستثمار، وتتراجع ثقة الفاعلين الاقتصاديين، وتزداد كلفة ممارسة الأعمال، فتتباطأ التنمية وتتقلص فرص الشغل، ويُعاد إنتاج الفقر والهشاشة.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن أخطر ما يترتب على هذا الاختراق هو انهيار منظومة القيم. فحين يرى الشباب أن النفوذ السياسي يمكن شراؤه بالمال، تتراجع قيمة الكفاءة والنزاهة والعمل الجاد، ويصبح الثراء غير المشروع طريقًا مختصرًا إلى السلطة والمكانة الاجتماعية، وهو ما يهدد أسس الدولة الحديثة.

لقد دفعت كولومبيا ثمنًا باهظًا لهذه المرحلة؛ إذ شهدت البلاد اغتيالات لسياسيين وقضاة وصحفيين، وتعرضت مؤسساتها لاختبارات صعبة قبل أن تنجح، عبر سنوات من الإصلاحات، في تعزيز الرقابة على تمويل الحياة السياسية، وتقوية استقلال القضاء، وملاحقة شبكات غسل الأموال والجريمة المنظمة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه التجربة باعتبارها مجرد صفحة من التاريخ الكولومبي، بل باعتبارها درسًا عالميًا يؤكد أن حماية الديمقراطية تبدأ بحماية مصادر تمويلها. فكل نظام انتخابي، مهما بلغت جودة قوانينه، يظل معرضًا للاختراق إذا لم تُفرض رقابة صارمة على الأموال المتداولة في الحملات الانتخابية، وإذا لم تُفعَّل آليات المحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالمساءلة.

ومع اقتراب العديد من الدول من استحقاقات انتخابية كبرى، تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تحصين العملية الانتخابية من كل أشكال المال غير المشروع. فالتحدي الحقيقي ليس فقط تنظيم انتخابات في موعدها، وإنما ضمان أن تكون نتائجها معبرة عن الإرادة الحرة للمواطنين، لا عن قوة المال ولا عن نفوذ شبكات المصالح.

إن الديمقراطية لا تسقط عادة بانقلاب مفاجئ، بل قد تتآكل تدريجيًا عندما يُفتح الباب أمام المال الإجرامي لشراء النفوذ السياسي. وعندما يحدث ذلك، لا تكون الخسارة مقعدًا انتخابيًا أو حكومةً بعينها، بل يكون الثمن دولةً أقل قوة، ومؤسساتٍ أقل استقلالًا، وتنميةً أقل عدالة، ومستقبلًا أقل استقرارًا.

 

* الكاتب العام للشبيبة الاتحادية، أستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *