منتدى العمق

الوعي أنواع.. وجيل زد لا يحوزها كلها

دراسات تتناسل، وتأويلات تُقام عليها، ينتشي بها البعض، وتنفخ غرور البعض، خاصة ممن يراهن منذ أمد على تغير قد يأتي ولا يأتي؛ من جيل حُمِّل ما لا يطيق؛ جيل زد (Gen Z) جيل الشاشات الذكية..، جيل المنصات التي تمنحه صوتا في كل لحظة، جيل يوصف بأنه “الأكثر وعيا في التاريخ”. لكن ثمة سؤالا يلوح في الأفق، سؤالا يحرج هذه الرواية، ويكشف أن الوعي الذي نتحدث عنه هنا ليس كتلة واحدة، وليس هبة تمنح بمجرد الولادة في العصر الرقمي. فالمفارقة أن الجيل الذي يمتلك وعيا رقميا يفوق أي جيل سبقه، والذي يستطيع التنظيم والتحشيد في غضون ساعات عبر تطبيقات لم تكن موجودة للأجيال السالفة، هو نفسه الجيل الذي تخمد همته كلما “اعتقد أنه أطال المحاولة”. وهو الجيل الذي تظهر الدراسات أنه يعجز عن التفوق على سابقيه في القدرات المعرفية الأساسية. جيل يمتلك وعيا أخلاقيا حادا تجاه قضايا العدالة الاجتماعية، لكنه يفتقر إلى الوعي الاستراتيجي الذي يحول الغضب إلى تغيير مُمأسس وملموس. جيل يبحث عن المعنى في عمله، لكنه لا يلبث أن يغادر وظيفته بعد أشهر إن لم يجد ما يرضي تطلعاته. جيل يمتلك أدوات المعرفة، لكنه يستهلكها بسرعة من دون أن يحاورها ..لهذا نقول إن الوعي أنواع وجيل زد لا يملك الطريق إليها كلها.

جيل واعٍ ولكن…؟

إذا ما استنطقنا معجميا مفردة الوعي؛ فإننا نجدها ترتد لجذر و.ع.ي الذي يحيلنا إلى “الوعاء” الحافظ للأشياء. ولذا تتعدد أبعاده باختلاف مضامينه؛ فقد يحوز المرء وعيا اجتماعيا ويفتقر وعيا عاطفيا، أو يمتلك تمكنا أكاديميا ويغيب عنه الوعي الاستراتيجي وهلم جراً. هذا الحضور والغياب في قائمة الإدراكات هو ما ينطبق على واقع جيل زد، إذا جاز الاستدلال.

عن أي وعي نتحدث؟

لا يمكن إنكار أن جيل زد يمتلك أنواعا من الوعي لم تكن متوفرة بهذه الكثافة أو العمق لدى الأجيال السابقة. فالجيل، المولود بين منتصف التسعينيات وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، هو أول جيل يُصنف على أنه “رقمي أصلي” (Digital Native)، إذ لم يعرف عالما من دون إنترنت. وقد تشكل وعيه في بيئة تكنولوجية متسارعة غيرت أنماط التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي بشكل جذري. ومنه فإنه يتميز جيل زد بوصفه جيلاً رقمياً بامتياز، ذا وعي مركب تشكل داخل بيئة تكنولوجية أعادت صياغة أنماط التنشئة والتواصل. ويتصدر هذا المشهد الوعي الشبكي؛ إذ لا يكتفي هذا الجيل باستهلاك التقنية، بل يمتلك إدراكا تحليليا لآليات عمل الخوارزميات، مما يجعله فاعلا قادرا على تحويل القضايا الشخصية إلى شأن سياسي عام. ويتقاطع هذا عضويا مع وعي بقضايا العدالة الاجتماعية، وهو مسار تدعمه الدراسات السوسيولوجية التي تُجمع على أن احتجاجات هذا الجيل هي بالأساس فعل ثقافي يروم إعادة تعريف قيم الكرامة والمواطنة. كما ويحضر لدى هذه الفئة وعي بيئي ـــ على قلته ـــ ؛ حيث تؤكد الأبحاث الميدانية أن هؤلاء الشباب يمارسون ضغوطا أخلاقية منهجية، ويربطون انخراطهم المهني بمدى التزام المؤسسات بقضايا المناخ والاستدامة.

أنواع الوعي التي “قد” يفتقدها هذ الجيل

في مقابل مظاهر التفتح الرقمي التي ينفرد بها هذا الجيل. نجد غيابا واضحا لأنماط متعددة من الوعي تترجم نوعاً من الاعتلال في البنية الإدراكية لهذا الجيل. في بنيته الإدراكية خمس فجوات رئيسية. تبدأ أولى هذه الفجوات بغياب الوعي المعرفي العميق؛ حيث يسجل الجيل الأكثر اتصالا بالبيانات تراجعا لافتا في قدراته الذهنية الأساسية. وقد أثبت عالم الأعصاب الإدراكي جاريد هورفاث (Jared Horvath) أن استخدام التكنولوجيا المكثف في التعليم أدى إلى تراجع الانتباه والذاكرة والذكاء العام، حتى إن مؤشر الذكاء الذي كان ينمو بمعدل 3 نقاط كل جيل في القرن العشرين، هبط بمعدل 8 نقاط مع مطلع القرن الحادي والعشرين فيما وصفته عدة أبحاث بالكارثة المعرفية. ويتصل هذا مباشرة بغياب الوعي الاستراتيجي؛ إذ يبرع هذا الجيل في التنديد والرفض لكنه يعجز عن ترجمة غضبه إلى برامج سياسية أو تأثير مؤسساتي دائم، فتخبو حركاته الاحتجاجية سريعا لافتقارها إلى الرؤية. ويرتبط هذا التعثر بضعف الوعي بالمدة والصبر، فإيقاع المنصات السريع حرم هذا الجيل من إدراك أهمية “الزمن البارد” الذي يتطلبه التغيير الاجتماعي الحقيقي عبر التنظيم الهادئ وبناء الأطر، مما يجعله يفقد زخمه وينتقل بين القضايا بسرعة. وتتسع هذه المفارقة لتشمل غياب الوعي المهني الواقعي؛ فبينما يطالب 51% منهم بعمل يثير شغفهم ويعتبر نصفهم التوازن مع الحياة الأهم بعد الراتب، كشف استطلاع موقع “ريزمي بيلدر” (ResumeBuilder) أن 80% من مديري التوظيف يقلقهم نقص خبرة هذا الجيل، وتخوف 63% من تنقلهم الوظيفي المستمر في حين رأى 58% أن السلوك غير المهني يعيق توظيفهم. وأخيرا يكتمل هذا الاعتلال بغياب ما يمكن تسميته بالوعي الجدلي، حيث تغلب على تفكير هذا الجيل الثنائيات الحادة كالخير والشر أو الصواب والخطأ، متأثرا بالفضاءات الرقمية التي تعزز الاستقطاب وتمنعه من استيعاب رمادية الحياة، إضافة إلى سهولة تموقفه العقائدي والأيديولوجي والسياسي، نظرا لافتقاده النسبي لآليات المحاججة العقلية.

أخيرا يمكن القول في هذا المضمار، وتتويجا لما سبق؛ فما تمت الإشارة إليه يتجاوز مجرد الانطباع إلى الرصد الجلي لمسارات تفكير هذا الجيل تعززها دراسات سوسيولوجية وسيكولوجية، فالوعي من منظور براغماتي لا يعني أن تملك رأيا في كل شيء، بل أن نملك القدرة على إرجاء إصدار الأحكام على كل شيء. وإذا أراد جيلنا الحالي أن يتسلق مستويات أخرى من الوعي، فعليه أن يضيف إلى سرعة ردود الأفعال صفة التفكر العميق، وإلى الدراية بالعالم الرقمي عادة قراءة الكتب الورقية، وإلى الجرأة في انتقاد الغير شجاعة انتقاد الذات. فاللبنة الأولى في درب التغير تُوضع في صرح الذات أولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *