وجهة نظر

حين يصوت الذكاء الاصطناعي مكان الناخب المغربي

في 23 شتنبر 2026 سيتوجه المغاربة الى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب، لكن هذه الانتخابات لن تكون مثل سابقاتها. إنها اول انتخابات برلمانية مغربية تجري في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الفيديو دليلا قاطعا، ولا الصوت اثباتا على ان صاحبه قال ما نسمعه، ولا الصورة بالضرورة انعكاسا لما حدث فعلا.

وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال اكثر الحاحا: ماذا لو استعمل الذكاء الاصطناعي لصناعة مرشح لم يقل ما قيل عنه، او لصناعة فيديو لم يحدث، او لتزييف صوت سياسي قبل ايام قليلة من الاقتراع؟ لم يعد هذا السيناريو من الخيال. تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي اصبحت قادرة على تركيب الوجه والصوت والحركة وانتاج فيديوهات شديدة الواقعية خلال دقائق. والخطر السياسي لا يكمن فقط في نشر معلومة كاذبة، بل في صناعة دليل بصري على واقعة لم تحدث اصلا.

المغرب لم يعد في فراغ قانوني كامل كما قد يعتقد البعض. فقد تم خلال سنة 2025 ادخال مقتضيات جديدة لمواجهة نشر الاخبار الزائفة والمعلومات الكاذبة والمحتويات المفبركة التي يمكن ان تضر بالناخبين او المرشحين او بنزاهة الانتخابات.

والاهم ان الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري اتخذت في 16 يونيو 2026 قرارا صريحا يؤطر استعمال الذكاء الاصطناعي في التغطية الانتخابية. فالقرار يمنع وسائل الاتصال السمعي البصري من بث محتوى انتخابي مولد او محرف بالذكاء الاصطناعي اذا كان من شأنه تضليل الجمهور او المساس بنزاهة وصدقية النقاش الانتخابي، بينما يسمح بالمحتوى الاصطناعي لأغراض اخبارية او تفسيرية او تحققية بشرط الاشارة بوضوح الى طبيعته الاصطناعية.

لكن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالهاكا تستطيع تنظيم ما تبثه القنوات والاذاعات، لكن الانتخابات الحديثة لا تجري فقط على شاشات التلفزيون. جزء كبير من المعركة السياسية يوجد داخل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وخصوصا مجموعات واتساب. وقد ينتشر فيديو مزيف في هذه الفضاءات خلال ساعات، قبل ان تتاح للمؤسسات او وسائل الاعلام فرصة التحقق منه والرد عليه.

وهنا تبرز خصوصية الحالة المغربية، خصوصا في عدد من المناطق القروية. المشكلة ليست في الذكاء او الوعي السياسي لدى المواطن القروي، وإنما في تفاوت مستويات الثقافة الرقمية والقدرة على التحقق من المحتوى. قد يمتلك المواطن هاتفا ذكيا ويستعمل واتساب يوميا، لكنه لا يمتلك بالضرورة المعرفة التقنية التي تمكنه من اكتشاف ان الصوت الذي يسمعه مستنسخ او ان الصورة التي يراها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي.

وفي بعض البيئات القروية، حيث تلعب الثقة الشخصية والروابط الاجتماعية دورا كبيرا في تداول المعلومة، قد يتحول الفيديو بمجرد ارساله من شخص موثوق الى حقيقة متداولة. شوف الفيديو، راه قالها، قد تكون كافية لاقناع عدد من الناس، خصوصا عندما لا تكون هناك مصادر بديلة وسريعة للتحقق.

وهنا يمكن ان يصبح الذكاء الاصطناعي اخطر في الانتخابات القروية منه في المدن. ففي المدينة يمكن للمواطن في الغالب مقارنة المعلومة بين مواقع اخبارية وقنوات وحسابات متعددة، بينما قد يكون الهاتف ومجموعات التواصل والمحيط الاجتماعي مصادر اساسية للمعلومة السياسية في بعض المناطق النائية.

والاخطر هو توقيت الهجوم. تخيلوا فيديو مفبركا يظهر فيه مرشح مساء 20 شتنبر، قبل ثلاثة ايام فقط من الاقتراع، وهو يدلي بتصريح صادم. ينتشر الفيديو طوال الليل. في الصباح يصدر المرشح تكذيبا، لكن الفيديو يكون قد وصل الى الاف الاشخاص. وربما لن يكون السؤال يوم الاقتراع هل الفيديو حقيقي، بل هل صدقه عدد كاف من الناخبين؟

هنا يظهر ضعف القانون امام سرعة الخوارزمية. فالقانون يستطيع معاقبة الفاعل بعد تحديده، لكنه لا يستطيع دائما اعادة قرار ناخب تغير موقفه بسبب فيديو مزيف. كما ان هناك مشكلة اخرى اكثر خطورة: ماذا لو اصبح كل فيديو حقيقي قابلا للنفي بحجة انه مولد بالذكاء الاصطناعي؟ في هذه الحالة لن نواجه فقط انتشار الكذب، بل انهيار الثقة في الحقيقة نفسها.

ولهذا فإن حماية انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يجب ان تقتصر على حماية صناديق الاقتراع، بل يجب ان تشمل حماية المجال المعلوماتي الذي يتخذ فيه المواطن قراره. فالانتخابات النزيهة تحتاج الى صندوق نزيه، لكنها تحتاج ايضا الى ناخب يحصل على معلومات موثوقة.

واذا كان المغرب قد خطا خطوات مهمة في تأطير المحتوى الانتخابي المصطنع، فإن التحدي المقبل هو توسيع هذا النقاش ليشمل الفضاءات الرقمية التي لا تخضع لنفس آليات الرقابة التقليدية، وتعزيز التربية الرقمية، خصوصا في المناطق التي تكون فيها القدرة على التحقق من المحتوى محدودة.

الذكاء الاصطناعي ليس عدوا للديمقراطية. يمكن ان يكون اداة قوية لتطوير التواصل السياسي وتحسين الحملات الانتخابية. لكن عندما يستخدم لصناعة تصريح لم يقله مرشح، او فيديو لم يحدث، او صورة لواقعة وهمية، فإنه يتحول من اداة للتواصل الى اداة للتلاعب بالارادة الانتخابية.

لهذا ستكون انتخابات 23 شتنبر 2026 اكثر من مجرد انتخابات برلمانية. ستكون اول اختبار انتخابي مغربي كبير في عصر الذكاء الاصطناعي، واختبارا لقدرة الدولة والاحزاب والاعلام والمجتمع على حماية الناخب من نوع جديد من التضليل.

وفي هذه الانتخابات قد يصبح السؤال الاشهر بين المغاربة قبل تصديق اي فيديو سياسي: واش بصح قالها؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *