الوساطة الانتخابية في المغرب: ديناميات التأثير والاختيار
مقاربة نفسية اجتماعية
مع اقتراب كل موعد انتخابي في المغرب، يعود إلى الواجهة مشهد سياسي يتجاوز في تعقيداته حدود التنافس بين الأحزاب والمرشحين، ليكشف عن شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والنفسية التي تتشكل حول العملية الانتخابية، غير أنه في قلب هذه الشبكة تبرز «الوساطة الانتخابية»، باعتبارها إحدى الظواهر التي تستحق أن تُقرأ ليس فقط من زاوية القانون والسياسة، وإنما أيضا من زاوية علم النفس الاجتماعي، أي من خلال فهم الكيفية التي يتأثر بها الفرد بالجماعة، وكيف تتشكل الولاءات، وكيف يمكن للحاجة والخوف والانتماء والضغط الاجتماعي والمصلحة أن تعيد تشكيل القرار الانتخابي.
في هذا السياق، لا يمارس الوسيط الانتخابي تأثيره على الناخب بالضرورة من خلال المال وحده، وإنما يستند إلى منظومة نفسية واجتماعية أكثر تعقيدا، على اعتبار أنه (الوسيط الانتخابي) يتحرك داخل فضاء يعرف فيه الناس بعضهم بعضا، وتتشابك فيه الروابط والعلاقات سواء على مستوى القرابة والجوار والصداقة، أو على مستوى والمصلحة والمنفعة والمكانة الاجتماعية. ولذلك فإن قوته لا تكمن فقط فيما يقدمه، وإنما أيضا في قدرته على التأثير في إدراك الناخب لخياراته، وفي جعله يشعر بأن التصويت ليس قرارا فرديا خالصا، بل جزء من منظومة من الالتزامات والانتظارات والضغوط المتبادلة.
في هذا الإطار، لا يتخذ الإنسان قراراته دائما باعتباره فردا مستقلا عن محيطه، فهو كائن اجتماعي يتأثر بالجماعة التي ينتمي إليها، وبالأشخاص الذين يمنحهم الثقة، وبالصورة التي يريد أن يحافظ عليها أمام الآخرين، بحيث يمكن للوسيط الانتخابي أن يمارس تأثيرا يتجاوز الإقناع المباشر، ليصل إلى ما يمكن تسميته بالتوجيه الاجتماعي للسلوك الانتخابي، وهو ما يدل على أن الوساطة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن شخصا يدفع مالا لشخص آخر مقابل صوته، مادامت هذه صورة واحدة فقط من صور الوساطة الانتخابية، غير أن الأعمق هو أن تنشأ علاقة تجعل الناخب يشعر بأنه مدين اجتماعيا لشخص أو جماعة أو مرشح، وأن هذا الدين المعنوي أو المادي ينبغي أن يُسدَّد في صندوق الاقتراع.
1– من حرية الاختيار إلى ضغط الجماعة
إذا كانت الديمقراطية تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن المواطن يمتلك حرية الاختيار، غير أن علم النفس الاجتماعي يقر بأن الحرية الفردية لا تعمل دائما في فراغ، لاسيما أن الشخص يتأثر بمن حوله، وقد يعدّل مواقفه واتجاهاته عندما لا يتعرض لإكراه مباشر، فقط، لأنه يريد الانسجام مع الجماعة أو الحفاظ على علاقاته الاجتماعية، وهو ما يجعل الوسيط الانتخابي أكثر من مجرد ناقل للأصوات. فهو قد يتحول إلى صانع للمواقف داخل جماعته الاجتماعية، بل إنه حين يقول الوسيط للناخب: «هذا هو المرشح الذي ينبغي دعمه»، فإن الرسالة قد لا تُفهم باعتبارها مجرد رأي سياسي، بل باعتبارها توصية صادرة عن شخص يتمتع بمكانة أو نفوذ أو معرفة أو قدرة على حل بعض المشاكل، بحيث يشعر الناخب أن رفض هذه التوصية قد يؤدي إلى فقدان علاقة أو خدمة أو حماية اجتماعية أو مجرد الانفصال عن الجماعة التي ينتمي إليها.
إن التأثير في هذا المنحى لا يكون دائما صريحا، بل يكون في كثير من الأحيان ضمنيا وناعما وغير صريح، وهذه هي قوته التي تمنح للآخر سلطة التأثير عن طريق الحاجة أو الإغراء، كما أن الضغط الاجتماعي لا يحتاج دائمًا إلى تهديد مباشر، بل يكفي أحيانا أن يشعر الفرد أن المحيط الذي يعيش فيه ينتظر منه سلوكا معينا حتى يبدأ في إعادة النظر في اختياره. وهكذا تصبح الإرادة الفردية محاصرة بشبكة من التوقعات الاجتماعية، لكن ثمة بعد آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فعندما يعيش المواطن ظروفا صعبة، يصبح أكثر حساسية للمنافع الآنية، وهو أمر لا ينبغي قراءته أخلاقيا باعتباره ضعفا في شخصية الناخب، بل ينبغي فهمه ضمن سياقه النفسي والاجتماعي، لأن الشخص الذي يواجه مشكلة عاجلة تدفعه لأن يعطي الأولوية للحاضر على المستقبل، بدليل أنه إذا كان أمامه احتياج حقيقي، فقد تصبح المساعدة المباشرة أكثر إقناعا من برنامج سياسي طويل الأمد.
من هنا، يستطيع الوسيط أن يدخل إلى المنطقة الأكثر حساسية في النفس الإنسانية: منطقة الحاجة، على اعتبار أن المساعدة التي تُقدم في سياق انتخابي قد تخلق نوعًا من الالتزام النفسي لدى المستفيد، حتى عندما لا يُطلب منه التصويت بصورة مباشرة، بحيث يتولد لديه شعور بأن عليه رد الجميل، وبالتالي يمكن فهم هذا السلوك من خلال مبدأ المعاملة بالمثل، أي ميل الإنسان إلى رد المعروف بالمعروف لأن الخدمة تتحول من فعل اجتماعي إلى رأسمال انتخابي، لكن الخطر يتمثل في أن المواطن قد لا يشعر بالضرورة بأنه تعرض للشراء. بل قد يعتقد أنه اتخذ قراره بحرية، في حين أن القرار كان محاطا بسلسلة من التأثيرات النفسية والاجتماعية التي سبقته.
2- الوسيط بوصفه منتجا للثقة
من الخطأ النظر إلى الوسيط الانتخابي باعتباره شخصا يمتلك المال فقط، لأنه في كثير من الحالات، تكمن قوته الحقيقية في الثقة التي راكمها داخل محيطه الاجتماعي. فالوسيط الناجح هو الذي يعرف الناس وحاجاتهم وعلاقاتهم، كما يعرف نقاط القوة والضعف في محيطه، مما يمكنه من الانتقال بين مختلف الفئات الاجتماعية، وهذا ما يؤكد على أنه يملك «رأس المال الاجتماعي» بيد أن هذا الرأسمال قد يكون أكثر تأثيرا من المال نفسه، لأن شخصا واحدا يحظى بثقة عشرات الأشخاص قد يكون قادرا على التأثير في اختياراتهم أكثر من شخص يملك المال لكنه لا يملك علاقة حقيقية بالمجتمع، لذلك فإن الوساطة الانتخابية تقوم في جانب كبير منها على إدارة العلاقات الإنسانية وتوظيف الثقة الاجتماعية، مما يجعل السياسة تتحول من منافسة بين البرامج إلى منافسة بين شبكات العلاقات، وأن من يمتلك شبكة اجتماعية أوسع، قد يمتلك قدرة أكبر على التأثير، حتى ولو كان خطابه السياسي ضعيفا وهشا.
3- سيكولوجيا الانتماء والولاء
لا يمكن فهم السلوك الانتخابي من دون التوقف عند حاجة الإنسان إلى الانتماء لأن الفرد يبحث عن الجماعة التي تمنحه الشعور بالأمان والاعتراف والقيمة. وفي المجتمعات التي تكون فيها الروابط العائلية والمهنية والمجالية قوية، قد يتداخل الانتماء الاجتماعي مع الاختيار السياسي، بحيث قد يصوت الفرد أحيانا ليس لأنه مقتنع تماما ببرنامج المرشح، وإنما لأنه يشعر أن هذا المرشح يمثل جماعته أو عائلته أو شبكته الاجتماعية، أو لأن الأشخاص الذين يثق بهم يقفون إلى جانبه. هكذا يصبح التصويت أحيانا تعبيرا عن الهوية الاجتماعية أكثر مما هو تعبير عن تقييم عقلاني للبرامج التي تغذي والسياسات العمومية. من هنا نفهم لماذا يمكن لبعض الوسطاء أن يحتفظوا بتأثيرهم حتى عندما تتغير الأحزاب والمرشحون. فالوسيط لا يرتبط بالضرورة بالفكرة السياسية، وإنما يمتلك شبكة ولاءات يمكن نقلها من مرشح إلى آخر، وفقا لتغير المصالح والتحالفات، لأنه لا يبيع «فكرة»، وإنما يدير علاقات اجتماعية قابلة لإعادة التوجيه.
4- عندما يتحول المواطن إلى «رقم انتخابي»
من أخطر نتائج هذه الظاهرة أنها تعيد تعريف المواطن داخل المخيال السياسي. فبدل أن يُنظر إليه باعتباره صاحب حق وموقف ورؤية، قد يتحول إلى مجرد «صوت»، أو إلى رقم داخل شبكة انتخابية. وحين يحدث ذلك، تفقد العملية السياسية بعدها الإنساني والأخلاقي. فالمرشح لا يعود مضطرا إلى إقناع المواطن بأنه الأقدر على إدارة الشأن العام؛ يكفي أحيانا أن يقنع الوسيط بأنه قادر على جلب مجموعة من الأصوات، بحيث يحدث اختزال خطير للمواطن: من إنسان له إرادة إلى وحدة انتخابية قابلة للحساب، لكن إذا استمر هذا المنطق، تصبح الانتخابات أشبه بعملية حسابية تقوم على عدد الشبكات، وعدد المؤثرين، وعدد الأشخاص الذين يمكن تحريكهم فيتراجع مفهوم المواطن، ويتقدم مفهوم «الكتلة».
5- الوساطة ليست ظاهرة فردية بل ظاهرة بنيوية
لا ينبغي أن نحمّل الوسيط وحده مسؤولية الظاهرة. فالوسيط نفسه نتاج البيئة التي يعمل داخلها، فهو يتعلم أن النفوذ الاجتماعي يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية، وأن العلاقات يمكن أن تتحول إلى رأسمال انتخابي، وأن الحاجة يمكن أن تصبح مدخلا للتأثير، وأن السياسة يمكن أن تكون مجالا للمقايضة. وبالتالي، فإن محاربة الوساطة لا تكون فقط بمعاقبة من يثبت تورطه في ممارسات غير قانونية، وإنما بإعادة بناء البيئة التي تمنح هذه الممارسات قدرتها على الاستمرار، لكون الظاهرة تتغذى من ثلاثة عناصر متداخلة:
الحاجة الاجتماعية، وضعف الثقة، وقوة شبكات النفوذ، وأنه كلما اجتمعت هذه العناصر، أصبحت الوساطة أكثر قدرة على الانتشار.
لعل السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا يقبل بعض المواطنين أصلا بأن يتدخل وسيط في قرار انتخابي يفترض أنه شخصي وسري؟ إن الجواب لا يمكن أن يكون أخلاقيا فقط، وإنما هو نفسي واجتماعي أيضا. فعندما تضعف ثقة المواطن في المؤسسات، ويشعر بأن صوته لن يغير شيئا، تصبح الانتخابات أقل ارتباطا بالأمل الجماعي وأكثر ارتباطا بالمصلحة المباشرة. وهنا تظهر علاقة شديدة الخطورة: كلما ضعفت الثقة في المستقبل، ارتفعت قيمة المنفعة الآنية، لأن الناخب الذي لا يثق بأن السياسة ستغير حياته قد يفضل الاستفادة مما يمكن أن يحصل عليه الآن. ومن ثم فإن معالجة الوساطة الانتخابية تقتضي، قبل كل شيء، إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
6- من «شراء الصوت» إلى «استلاب الإرادة»
قد يكون التعبير الأدق عن جوهر الظاهرة هو استلاب الإرادة الانتخابية بحيث لا يعني الاستلاب بالضرورة الإكراه. قد يكون أكثر تعقيدا من ذلك. إنه يحدث عندما يعتقد الإنسان أنه يختار بحرية، بينما تكون خياراته قد تشكلت مسبقا تحت تأثير شبكة من العلاقات والضغوط والحاجات والانتماءات. وهنا تصبح المسألة أكثر عمقا من مجرد محاربة المال الانتخابي، كما أن الديمقراطية لا تكون حقيقية بمجرد منع المال من الوصول إلى الناخب، وإنما عندما يصبح الناخب قادرا على اتخاذ قراره دون خوف أو حاجة أو ضغط اجتماعي أو تبعية شخصية.
7- الأحزاب بين التأطير وصناعة الشبكات
تتحمل الأحزاب السياسية بدورها مسؤولية مركزية في هذا السياق. فالحزب الذي يفقد قدرته على التأطير والإقناع، قد يجد نفسه مضطرا إلى الاعتماد على شبكات اجتماعية جاهزة. ومع مرور الوقت، قد يصبح الوسيط أكثر أهمية من المناضل، والشخصية المحلية أكثر تأثيرا من البرنامج، والقدرة على الحشد أهم من القدرة على الإقناع، بحيث يحدث تحول داخل الثقافة الحزبية نفسها. فالحزب الذي كان يفترض أن يصنع المواطن السياسي قد يجد نفسه يستثمر في المواطن الانتخابي: أي المواطن الذي يُقاس حضوره بقدرته على توفير الأصوات، وهذا التحول لا يضر بالانتخابات فقط، وإنما يضر بالحياة الحزبية برمتها، لأنه يضعف فكرة النضال السياسي والتأطير الفكري ويجعل السياسة أكثر ارتباطًا بشبكات المصالح.
إذا كانت الوساطة الانتخابية ظاهرة نفسية واجتماعية بقدر ما هي سياسية وقانونية، فإن مواجهتها تحتاج إلى مقاربة متعددة الأبعاد.
– التربية على المواطنة، لأن المواطن الذي يعرف قيمة صوته يصبح أقل قابلية لتحويله إلى مقابل مادي أو خدمة لحظية وظرفية
– إعادة بناء الثقة في المؤسسات، لأن الناخب الذي يؤمن بأن المؤسسات قادرة على الاستجابة لمطالبه يصبح أقل حاجة إلى الوسيط.
– تقوية استقلالية المواطن الاجتماعية والاقتصادية، لأن تقليص الهشاشة يعني تقليص قدرة الآخرين على استثمار الحاجة في صناعة الولاء.
– إصلاح الحياة الحزبية، بحيث يصبح البرنامج الحزبي والكفاءة والنزاهة والتأطير السياسي أساسا للاستقطاب، بدل الاعتماد المفرط على شبكات النفوذ.
– تفعيل الرقابة والقانون، لأن الثقافة الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وليس إلى الوعي وحده.
لكن الأهم من ذلك كله هو الانتقال من عقلية مكافحة «الوسيط» إلى عقلية معالجة الشروط التي تنتج الوساطة.
8- في الحاجة إلى تحرير الإرادة
إن ظاهرة الوسطاء الانتخابيين في المغرب ليست مجرد تفصيل هامشي في المشهد الانتخابي، وإنما مرآة تعكس طبيعة العلاقة القائمة بين الفرد والجماعة، وبين المواطن والمؤسسة، وبين الحاجة والسلطة، وبين السياسة والثقة. هذه الظاهرة تكشف أن الديمقراطية لا تُبنى فقط بصناديق الاقتراع، وإنما تُبنى أيضا داخل وعي الإنسان، ذلك أن صندوق الاقتراع يكون شفافا، لكن الإرادة التي تصل إليه قد تكون مثقلة بالخوف أو الحاجة أو ضغط الجماعة أو دين اجتماعي أو علاقة شخصية، ولذلك فإن حماية الانتخابات تبدأ قبل أن يدخل المواطن إلى مكتب التصويت، أي تبدأ من تحرير قراره من كل أشكال التأثير غير المشروع. من هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست ضد أشخاص بعينهم، ولا ضد مهنة بعينها، وإنما ضد *ثقافة سياسية واجتماعية تجعل الوساطة شرطًا للوصول إلى الحقوق والمصالح والتمثيل.
حين يصبح المواطن قادرا على الحصول على حقه دون وسيط، وعلى الوصول إلى الإدارة دون نفوذ، وعلى التعبير عن اختياره دون خوف، وعلى تغيير ممثليه دون أن يشعر بأنه يخون جماعته أو يخسر منفعة، عندها فقط تبدأ الإرادة الانتخابية في استعادة استقلالها، ذلك أن الفرد لا يكون مواطنا كامل الحرية بمجرد امتلاكه بطاقة انتخابية: يصبح كذلك عندما يستطيع أن يقول «نعم» أو «لا» دون أن يكون أسيرا لحاجة أو تبعية أو ضغط اجتماعي.
من منظور علم النفس الاجتماعي، ربما يكون هذا هو جوهر الديمقراطية: أن يصبح القرار السياسي امتدادا للوعي الحر، لا انعكاسا للخوف أو الحاجة أو التبعية، إذ أنه حين تتحرر الإرادة، يتراجع الوسيط، وعندما تقوى الثقة، تنكمش شبكات الولاء الانتخابي، وعندما يصبح المواطن شريكا حقيقيا في صناعة القرار، تتحول الانتخابات من مجرد موسم لتوزيع المقاعد إلى ممارسة جماعية لإنتاج المعنى السياسي للمواطنة، لأن الديمقراطية في نهاية المطاف ليست فقط أن نمنح المواطن حق التصويت، وإنما أن نضمن له القدرة النفسية والاجتماعية والأخلاقية على أن يصوّت بحرية.
* باحث في علم النفس الاجتماعي للنمو والتنظيمات
اترك تعليقاً