منتدى العمق

أميّة رسول الله صلى الله عليه وسلم معلم البشرية مفخرة والأمية لا ترادف الجهل

النقاش حول الأمية ليس بجديد.

خاض الخائضون حول ما نطق به خبير التغذية محمد الفايد، فحمي النقاش وصار الناس بين مستهجن ومؤيد، و اصطف كلٌّ في فريق، فريق يدين ويستهجن، وفريق يدعو إلى حرية الرأي والتعبير.

والحقيقة أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كبير، وجنابه موقر، ينبغي التأدب معه حيا وميتا، فقد قال الله فيه صلى الله عليه وسلم: “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا” سورة الفتح الآية 9.

إن أميّة رسول الله صلّى الله عليه وسلم تعني أنه لم يعلمه بشر, بل الذي علمه هو الله جل وعلا، فقد قال سبحانه ” وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما” سورة النساء الآية 113. و أكد سبحانه و تعالى هذا المعطى بقوله: “وماكنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون” سورة العنكبوت الآية 48.

فالله هو الذي علمه فقال له: « اقرأ »فأقرأه جبريل ثم أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم وعلمهم، فشأنه صلى الله عليه وسلم كشأن آدم عليه السلام الذي قال الله فيه “وعلم آدم الأسماء كلها” سورة البقرة الآية 31.

تفطن ابن طفيل لهذا الأمر فذكر في كتابه قصة حي بن يقظان، و قد نخوض فلسفيا في نظرية العقل الخالص المذكور في كتابات علماء و فلاسفة و مفكرين كالغزالي وغيره، لندلل على النور الذي نزل على سيدنا محمد النور، مصداقا لقوله تعالى:” قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين” سورة المائدة الآية 15.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم نور سابق و فوق كل تجربة بشرية زمانية و مكانيةلأن الله ميزه بالنبوة والوحي.

والأمية في جنابه الشريف دليل على صدق نبوته أما عند العامة من الناس فالأمية فيهم غير مقبولة؛
ثم ان النقاش حول أميّة الرسول صلى الله عليه وسلم قد طرقه علماء الإسلام و فلاسفة و مفكرون و مستشرقون و هو موضوع ليس بجديد، حتى يدعيه من أثاره في واقعنا المعاصر، ولكننا في زمن كثر فيه اللغط و الجهل.

ثار جدل كبير بين علماء المسلمين و قساوسة ورهبان حول مسالة تبشير الانبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: “الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل” سورة الأعراف الآية 157.

فزعم قساوسة ورهبان ومستشرقون أن تحريفا وقع في كلمة الآتي فصارت الأمي، و هذا بعيد و غير صحيح، لأن الله بعث في الأميين رسولا منهم؛ وعليه فرسول الله صلى الله عليه وسلم أمي مبعوث من أمة أمية أي العرب من أهل مكة.

و في هذا الصدد، يتبادر إلى الذهن سؤال عن المعنى لكلمة الأمي؟
ذكر ابن اسحاق جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم للملك جبريل عليه السلام عندما قال له ” اقرأ” فقال “ما أقرأ” و عند الطبري”ماذا أقرأ”، وهما استفهامان قد يوحيان بكون النبي صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة والكتابة؛ و لكن في رواية البخاري ورد جواب النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة “ما أنا بقارئ” فدل هذا على نفي رسول الله معرفته بالقراءة والكتابة. يفيد هذا الاختلاف في الروايات معنى جامعا و مفاده أن القراءة تعني التلاوة والنطق بالحروف والكلمات؛ ولاتعني بالضرورة قراءة حروف وكلمات وجمل في كتاب مقروء و مسطور. فالذي يحفظ القرآن نسميه في واقعنا قارئا بسبب تلاوته ولايلزم من هذا أن يقرأ في كتاب.

و قد ذكر الله جمع كلمة الأمي فقال: “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم” سورة الجمعة الآية 2. وكلمة « الأميين » هنا تعني العرب الذين لم يكن لديهم كتاب عند بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كشأن أهل الكتاب اليهود والنصارى. فالأمة التي ليس لها كتاب توصف بالأمية، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم “نحن أمة أمية” (أي ليس لها كتاب من قبل نزول القرآن) و “لا نكتب ولانحسب” أي لا يمارسون الكتابة كما كان عند اليهود والنصارى.
ولننتبه أيها القارئ الكريم إلى أن كتابة القرآن رسميا في مصحف كان في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أما أهل الكتاب فقد كانوا يمارسون الكتابة، والشاهد هنا قوله تعالى عن بعض اهل الكتاب “فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون” سورة البقرة الآية 79.

و لا تعني ” الأمة الأمية” هنا خلو العرب ممن يكتب فقد ثبت ان طائفة من الصحابة كانوا يكتبون ويقرؤون كأبي بكر وعمر وعثمان و علي وزيد وغيرهم رضي الله عنهم .
و قيل إن الأمي أو الأميين هي صفة أطلقها اليهود على الامم التي ليس لها كتاب، و هو معنى مقبول قد يكون له وجه من الوجوه. فلا تعارض بين كون النبي صلى اللهُ عليه و سلم قد علمه الله بالوحي و دون واسطة من بشر و كونه أميا حال تلقيه للوحي أول مرة. هذا لكيلا يقال إنه قد أخذ القرآن و مضمونه عن بشر، و لقد فند القرآن هذا الادعاء الافتراضي الذي قال به بعض اهل الكتاب و مشركون و بعض المستشرقين قديما وحديثا. فقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عن غلام نصراني بالصفا اسمه بلعام او يعيش أو جبر. فرد الله تعالى زعمهم بقوله : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. سورة النحل الآية 103.

و لنا أن نستأنس بما رواه الإمام السيوطي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أدبني ربي فأحسن تأديبي”.
و قد تفطن الإمام البوصيري لهذه المسألة فقال في بردته:
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا/ وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ.
و نستدل بقول الله تعالى: “فإن كنت في شك مما انزلنا اليك الكتاب فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك” سورة يونس الآية 94, لنقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماقرأ في كتب اهل الكتاب تنزيها له عن وصفه بالأخذ عنهم، والتلفيق بين كتبهم، و إلا فلا معنى لوحي و لا لقول الله تعالى “ووجدك ضالا فهدى” سورة الضحى الآية 7.

هناك فرق كبير وبون شاسع بين الجهل الذي هو منقصة والأمية التي لا تعني الجهل و لا غياب الحكمة ولا القصور في الفهم؛ خاصة إذا علمنا ان الثقافة عند العرب كانت شفهية بالدرجة الأولى والتلقي كان مشافهة جيلا عن جيل.
و ختاما نقول، ليس كل من قال بقول يؤبه له، فإماتة الباطل تكون بعدم ذكره و تجاهله؛ لأن القائلين كثر خاصة في فورة وسائل التواصل الاجتماعي، و أفعال العقلاء و أقوالهم منزهة عن العبث؛ و إن كان لابد، فالجواب بالحجة والبرهان هو الفيصل لبيان الحق.
محمد سيد الكونين والثقلين/ والفريقين من عرب ومن عجم.

اللهم صل وسلم وبارك على معلم الناس الخير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله تعالى:”فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ماينفع الناس فيمكث في الأرض”سورة الرعد الآية 17.
والله أعلم و أحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *