وجهة نظر

البرامج الانتخابية بالمغرب وسؤال الهجرة بين التهميش وعمومية الحلول

يقع المغرب في قلب ظاهرة الهجرة الدولية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط بحكم موقعه الجغرافي الإستثنائي ، فهو البلد العربي والمغاربي والإفريقي الأكثر قربا من أروبا، وهذا ما يجعله محجا للمهاجرين العابرين من كل الأصقاع والباحثين عن رغد العيش في القارة الأوروبية، كما أن المغرب ظل على مر عقود من الزمن بلدا مُصدرا للهجرة؛ مما ساهم في خلق جالية مغربية مكثفة بالخارج وفي مختلف ربوع المعمورة، وبالنظر إلى التغيرات التي تعرفها ظاهرة الهجرة غير النظامية في الآونة الأخيرة وبالخصوص موجات الهجرة الجماعية نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين؛ أضحى هذا الموضوع يفرض مواجهة الأسئلة التي تُغدي الرغبة في الهجرة غير النظامية لدى الشباب المغربي من جهة ، ومن جهة ثانية البناء لرؤى إستراتيجية حول الظاهرة خاصة على مستوى تدبير علاقات المغرب الخارجية بخصوص هذا الملف مع دول المقصد الأوروبية.

على مر عقود من الزمن أصبحت الهجرة من القضايا الأكثر حضورا في الحياة السياسية الأوروبية، ومن منطلق تعقيداتها الآنية أضحى تدبير قضايا الهجرة والإندماج يُثير سجالات ونقاشات بين الأحزاب الأوروبية خاصة الشعبوية واليمين المتطرف الذي لطالما كانت الهجرة بالنسبة له “فزاعة إنتخابية”، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن تعاطي الأحزاب مع هذه الظاهرة أصبح من محددات السلوك الإنتخابي للمواطن الأوروبي، وبالنظر للتحولات التي تعرفها ظاهرة الهجرة غير النظامية في الواقع المغربي إذ كشفت موجات النزوح الجماعي عن وجود أزمة إجتماعية تدفع بالآلاف من الشباب إلى المخاطرة، كما أن طبيعة الحدث وما أعقبه من تفاعلات سياسية أوروبية يفتح الباب أمام أبعاده السياسية والأمنية والجيوسياسية، فكيف تنظر الأحزاب السياسية المغربية لحل الظاهرة؛ ومن تم الإجابة على تعقيداتها على ضوء التنافس البرنامجي لتشريعيات 2026؟

إن الناظر في البرامج الحزبية الخاصة بالإنتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 يرى أن هناك تهميشا برنامجيا للظاهرة وتعقيداتها في أجندات الأحزاب السياسية على مستوى الحلول (أولا)، علاوة على غياب الرؤى الإستراتيجية التي تستحضر الأبعاد الجيوسياسية للظاهرة ( ثانيا).

أولا: التهميش البرنامجي لقضايا الهجرة في أجندات الأحزاب السياسية

غني عن البيان أن المواطن في الانتخابات ي لا يُصوت عن أسماء مرشحين بل يختار تصورات وبرامج يُفترض فيها أن تجيب عن التحديات المجتمعية وتُعبر عن تطلعات الأفراد، وذلك من خلال التفصيل في هذه البرامج عن رؤى واضحة لتجاوز الإشكالات المستعصية؛ والتي يأتي في مقدمتها في واقعنا المغربي إشكالية الهجرة وتعقيداتها، فمحاولات الهجرة الجماعية غير النظامية تكشف عن تعقد الظاهرة، وإستعجالية وضع خطط فعلية تجيب عن الأسئلة الداخلية المغدية للرغبة في الهجرة لدى الشباب المغربي ، والزمن الإنتخابي الحالي بالمغرب محطة أساسية لفتح حوار سياسي ومجتمعي حول هذا الملف، وإستيضاح الحلول لتعقيداته.

إن الناظر في برامج الأحزاب السياسية المغربية الخاصة بالإنتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 لا يخفى عليه الطابع التبسيطي الذي يطغى على التعاطي مع ملف الهجرة عموما؛ وبالخصوص في شكلها غير النظامي في التنافس البرنامجي لحد تهميش الظاهرة وإعتبارها مجرد ظاهرة إجتماعية بسيطة؛ من دون إبراز المداخل الأساسية للتعامل معها ؛ رغم أن الظاهرة وتداعياتها ترقى في واقعنا المغربي الحالي لمستوى الأزمة ، مما يجعل التفكير في حلها بحاجة لسياسات تشريعية ومؤسساتية أكثر وضوحا وإستدامة.

إن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة جديدة في الواقع المغربي؛ كما أنها ليست حكرا على المغرب وحده، ولكن ما يُثير القلق ويدفع لدق ناقوس الخطر هو التحول الذي تعرفه في دوافعها وأشكالها، فبعد أن كانت مرتبطة أساسا بتحسين مستوى الدخل ؛ أصبحت اليوم تعبيرا عن أزمة ثقة في المستقبل؛ وعن شعور متنام لدى جزء من الشباب بأن إمكانيات تحقيق الذات داخل الوطن أصبحت محدودة؛ وأن فرص الإرتقاء الاجتماعي لم تعد متاحة للجميع بالقدر نفسه.

لا أحد يُنكر أن البطالة وإرتفاع تكاليف المعيشة وإتساع الفوارق وتراجع القدرة الشرائية؛ كلها عوامل مغدية للهجرة غير النظامية في الواقع المغربي، وتناول هذه الإشكالات وحلولها تكاد تتقاسمه برامج الأحزاب السياسية ؛ لكن تنامي الهجرة غير النظامية والرغبة الجامحة لدى الشباب المغربي فيها تفرض تجاوز هذه العمومية في الحلول وإقتراح سياسية وطنية جادة في البرامج الحزبية لإعادة بناء الثقة لدى الشباب في المستقبل وإقناعهم بأن مستقبلهم يُوجد وطنهم من خلال الجواب عن سؤال كيفية إدماج الشباب في الحركية الاقتصادية وفي صلب المشروع المجتمعي؟

ثانيا: تغييب البعد الجيوسياسي لظاهرة الهجرة في التنافس البرنامجي الحزبي لتشريعيات شتنبر 2026

أصبح من الخطأ اليوم فهم تطورات الهجرة بكل أشكالها في الواقع المغربي من منطلق إجتماعي وإقتصادي صرف، فطبيعة العلاقات الدولية المعاصرة تفرض الإقرار بأن قضايا الهجرة لم تعد ظاهرة إجتماعية وإنسانية فحسب ؛ بل تحولت إلى أداة للتفاوض والضغط وإعادة تشكيل موازين القوى ؛ كما أنها قضية من قضايا حقوق الإنسان؟

يحضر ملف الهجرة منذ عقود من الزمن في العلاقات المغربية الأرومتوسطية ؛ ولطالما كان تدبير الظاهرة محط سجال سياسي وإستراتيجي في هذه العلاقات؛ إذ ظلت الدول الأروبية دوما تسعى لتحميل المسؤولية للمغرب في تنامي الهجرة غير النظامية لحدودها، وممارسة المزيد من الضغط عليه للإستمرار في لعب دور الدركي في حراسة الأبواب الخلفية لفضاء شنغن عن طريق الإذعان لمجموعة من القواعد والإجراءات والتدابير التعاقدية في هذا المجال.

إن طموح المغرب لتحقيق تمركز قوي في العلاقات الدولية المعاصر يُلزم إستحضار البعد الجيوسياسي لظاهرة الهجرة في علاقاته الدولية خاصة مع الدول الأروبية من خلال مداخل عدة من أهمها:

-التأسيس لتعاون قائم على مرتكزات واقعية وموضوعية قوامها المسؤولية المشتركة بين دول الإستقبال والعبور وكذا دول المصدر المعنية بتنامي ظاهرة الهجرة وتعقيداتها.

-التسويق الجيد للتجربة المغربية في تدبير الظاهرة دوليا وإقليميا من خلال تبني سياسية وطنية هجروية غايتها إحترام الحقوق الإنسانية للمهاجرين وتيسير إندماجهم في المجتمع المغربي تماشيا مع ما ورد في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتي جرى التأكيد عليه في الإتفاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية والذي إحتضنته المملكة المغربية في عام 2018.

– الدفاع عن حقوق مغاربة العالم في الدول المستقبلة وذلك بتوقيع إتفاقيات ثنائية لحماية مصالحهم ؛ والمراهنة على الحصول على تنازلات في معاملتهم وتحسين ظروفهم؛ وفسح المجال أمامهم للعمل والإندماج في المجتمعات المستقبلة.

لقد تحولت الهجرة وقضاياها لورقة لإعادة رسم موازين القوى بين المغرب وأروبا، فالمغرب بالنسبة لأروبا هو شريك لا غنى عنه في تدبير ملف الهجرة ؛ وهذا المعطى الجيوسياسي يفرض البناء لتصور إستراتيجي لتدبير الملف لدى الأحزاب السياسية في برامجها؛ يستوضح سبل إقامة شراكة إستراتيجية قوامها إقتراح الحلول وبناء قواعد الاستقرار في الضفتين. وفي سبيل ترسيخ إشعاع المملكة المغربية في مجال حقوق الإنسان، فالبرامج الحزبية كان بالأحرى أن تتضمن الخطوط العريضة لتأهيل الإطار الوطني الخاص يالهجرة واللجوء خاصة القانون 02,03 حتى يُصبح موائما للمعايير الدولية ذات الصلة، وكذا مقترحات لتحسين القوانين القطاعية ذات الصلة بحقوق الأجانب والمهاجرين خاصة مدونة الشغل؛ الجنسية، المشاركة في الانتخابات…..

إن التوثر الجيوسياسي الذي أعقب أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة ؛ زد على ذلك النقاش المجتمعي الذي رافق هذه الأحداث داخل الوطن، كان بالأحرى أن يكون حافزا للأحزاب السياسية وهي تحضر برامجها الانتخابية إستحضار هذا الملف من منطلق أن كل ما حدث ليس بالمسألة الإعتباطية، ولا بالأزمة العابرة، وإنما حقيقة واقعة وهي نتيجة مركبة للفوارق الاقتصادية والإجتماعية بين ضفتي المتوسط ولإنسداد قنوات الهجرة القانونية زد على ذلك نشاط شبكات التهريب وهذا يفرض وضع تصورات تتجاوز المنطق الذي تُحاول أروبا أن تفرضه والقائم حصرا على “أمننة ظاهرة الهجرة” من دون الإستثمار في التنمية وفتح مسارات الهجرة القانونية ، كما أن البرامج الحزبية كان بالأحرى أن تجيب وبواقعية عن الإشكالات الداخلية التي تغدي الرغبة في الهجرة لدى الشباب ومن ذلك فشل السياسات العمومية في مجال التشغيل وإدماج الشباب الذي يجب أن يكون جزءا أساسيا في أي نقاش حول الهجرة ، فأهم سياسية وقائية ضد موجات الهجرات غير النظامية ليست مزيدا من الدوريات في البر والبحر وإنما ضمان تعليم جيد وتكوين مرتبط بسوق الشغل؛ وفرص شغل كريمة بأجور مناسبة؛ وإدارة نزيهة تساهم في زرع الثقة وعدالة مجالية ، فالشاب الذي يجد مستقبله في وطنه لن يكون مضطرا للبحث عنه في أوطان أخرى ؟؟؟؟؟

 

* أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والسياسية بأكادير؛ جامعة إبن زهر

* باحث في قضايا الهجرة واللجوء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *