الاستثمار.. عندما ترفع الدولة سقف الرهان
لم يعد الاستثمار في المغرب مجرد حركة لرؤوس الأموال، ولا مجرد معادلة حسابية تبدأ برأس المال وتنتهي بالأرباح، وإنما أصبح، مع التحولات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية المتسارعة، جزءًا من هندسة الدولة لاقتصادها ومجالها الحيوي وقدرتها على حماية مصالحها الأساسية… فالمشروع الاستثماري الذي كان يُنظر إليه بالأمس من زاوية الجدوى المالية وحجم التمويل وعدد مناصب الشغل، أصبح اليوم يُقاس كذلك بقدرته على الإسهام في الأمن المائي والطاقي والغذائي والصحي، وعلى نقل التكنولوجيا، وتقوية النسيج الإنتاجي، وتعزيز جاذبية المغرب وموقعه داخل الاقتصاد الإقليمي والقاري والدولي.
ومن المؤكد أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد عرف الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الاضطرابات العميقة، ابتداءً من جائحة كورونا وما رافقها من تعطّل لسلاسل الإمداد، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من تداعيات على الطاقة والحبوب والأسواق الدولية، وصولًا إلى توالي سنوات الجفاف واشتداد الضغط على الموارد المائية وارتفاع كلفة المواد الأولية والغذائية. وبالتالي، أصبحت الدولة أمام سؤال يتجاوز جاذبية الاستثمار إلى سؤال أكثر تركيبًا: أي استثمار نريد، ولأي اقتصاد، ولأي مستقبل؟
ومن هنا تحديدًا ظهرت فلسفة مشاريع الاستثمار ذات الطابع الاستراتيجي، باعتبارها إحدى أبرز المستجدات التي حملها القانون-الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار. فالمشرع لم يكتفِ بإقرار دعم عمومي للمستثمرين، وإنما وضع نظامًا خاصًا لمشاريع يرى أنها تمتلك قدرة استثنائية على إنتاج آثار تتجاوز حدود المشروع ذاته، وتلامس المصالح الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية للمملكة.
وقد جاءت هذه الهندسة التشريعية امتدادًا للتوجيهات الملكية السامية، خصوصًا ما ورد في الخطاب الملكي بتاريخ 8 أكتوبر 2021 بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الحادية عشرة، حيث تمت الدعوة إلى إعداد «ميثاق تنافسي جديد للاستثمار»، بما يسمح بإطلاق دينامية اقتصادية جديدة، وتحسين جاذبية المملكة، وتعزيز قدرة الاستثمار على خلق الثروة وفرص الشغل.
ثم تعزز هذا التوجه مع الخطاب الملكي المتعلق بإشكالية الماء، حيث أصبحت ندرة الموارد المائية قضية ذات طبيعة استراتيجية، الأمر الذي أعاد ترتيب الأولويات العمومية وجعل الاستثمار في تحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والأمن الغذائي، والبنيات الصحية، والتكنولوجيات الحديثة، جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالسيادة الاقتصادية والاستقلالية في اتخاذ القرار.
وعلى المستوى التشريعي، تمت المصادقة على القانون-الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار خلال المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 13 يوليوز 2022، ثم صادق عليه البرلمان بتاريخ 29 نونبر من السنة نفسها، ونُشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 12 دجنبر 2022، قبل أن تستكمل الترسانة التنظيمية اللازمة لتفعيل مقتضياته، ومن ضمنها المرسوم المتعلق بتفعيل الأحكام الرئيسية والاستراتيجية، الذي صادق عليه مجلس الحكومة بتاريخ 26 يناير 2023.
وبذلك انتقل المغرب من مرحلة الإعلان عن الحاجة إلى ميثاق جديد إلى مرحلة بناء إطار قانوني ومؤسساتي متكامل، يقوم على تحديد أنظمة الدعم، وضبط شروط الأهلية، وتحديد معايير الاستفادة، وإرساء آليات للحكامة واتخاذ القرار والتتبع… أي أن الاستثمار أصبح موضوعًا لتدخل تشريعي وتنظيمي دقيق، بعدما كان جزءًا من سياسة اقتصادية أكثر عمومية.
ويقوم الميثاق الجديد على أربعة أنظمة رئيسية للدعم: نظام الدعم الأساسي للاستثمار، ونظام الدعم الخاص بالمشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، ونظام خاص بالمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، ونظام يرمي إلى تشجيع المقاولات المغربية على التوسع والتواجد على الصعيد الدولي. وهذا التقسيم يكشف عن إرادة تشريعية واضحة في الانتقال من الدعم الموحد إلى الدعم الموجه، ومن الحوافز العامة إلى التحفيز المرتبط بطبيعة المشروع وأهدافه ونتائجه المتوقعة.
أما نظام الدعم الأساسي، فقد أُسندت إليه وظيفة تحفيز الاستثمارات التي تستجيب لشروط محددة، حيث يمكن الجمع بين ثلاثة أنواع من المنح في حدود 30 في المائة من مبلغ الاستثمار، وتشمل منحًا مشتركة ومنحة ترابية ومنحة قطاعية. كما ترتبط أهلية المستثمر بتحقيق أحد معيارين محددين؛ الأول يتمثل في إنجاز مشروع استثماري يساوي أو يفوق 50 مليون درهم، مقرونًا بخلق ما لا يقل عن 50 منصب شغل، والثاني يقوم على خلق ما لا يقل عن 150 منصب شغل قار.
وتحمل هذه المقتضيات دلالة قانونية واقتصادية واضحة، مفادها أن الدعم العمومي أصبح مرتبطًا بمؤشرات قابلة للقياس، وعلى رأسها حجم الاستثمار والتشغيل، بما يجعل المنحة أداة لتوجيه القرار الاستثماري نحو المجالات التي تحقق قيمة مضافة ملموسة. فالدولة لا تكتفي بتشجيع الإنفاق الاستثماري، وإنما تربط الحافز بنتائج اقتصادية واجتماعية محددة.
غير أن المشروع الاستراتيجي يحتل مرتبة مختلفة داخل هذه المنظومة، لأن الأمر يتعلق باستثمار يتجاوز حجمه وآثاره المشروع العادي. ولذلك حدد الإطار التنظيمي عتبة مالية مرتفعة تبلغ ملياري درهم، وهي عتبة تكشف عن طبيعة المشاريع التي يستهدفها هذا النظام، غير أن القيمة المالية، مهما بلغت، تظل مجرد مدخل إلى التصنيف ولا تشكل وحدها أساسًا كافيًا لاكتساب الصفة الاستراتيجية.
فالمشروع، حتى يستفيد من النظام الخاص، يتعين أن يستوفي معيارًا واحدًا على الأقل من المعايير المحددة قانونًا، ومن بينها أن يساهم في ضمان الأمن المائي أو الطاقي أو الغذائي أو الصحي للمملكة، أو أن يساهم في خلق عدد مهم من مناصب الشغل المباشرة أو غير المباشرة، أو أن يحقق إشعاعًا اقتصاديًا كبيرًا يعزز موقع المغرب إقليميًا أو قاريًا أو دوليًا، أو أن تكون له آثار إيجابية على تنمية قطاع اقتصادي بأكمله، أو أن يساهم في تملك تكنولوجيات رائدة ونقلها إلى المغرب.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية لفكرة الطابع الاستراتيجي؛ فالمشرع لا ينظر إلى المشروع باعتباره بناية أو مصنعًا أو منصة إنتاجية فقط، وإنما باعتباره حلقة داخل منظومة اقتصادية أوسع. مشروع لتحلية مياه البحر، مثلًا، قد تكون قيمته الاستراتيجية مرتبطة بالأمن المائي أكثر من ارتباطها بمردوديته التجارية المباشرة، ومشروع لإنتاج البطاريات قد تبرز أهميته من خلال موقعه داخل سلسلة صناعة السيارات الكهربائية، فيما يمكن لمشروع تكنولوجي متقدم أن يكتسب وزنه من خلال نقل المعرفة والتكنولوجيا وتكوين الكفاءات الوطنية.
ومن ثم، فإن الصفة الاستراتيجية تُبنى على الأثر أكثر مما تُبنى على الحجم، وعلى الوظيفة الاقتصادية للمشروع أكثر مما تُبنى على قيمته المالية المجردة. فالاستثمار الكبير قد يبقى مشروعًا اقتصاديًا كبيرًا، بينما يصبح استثمار آخر مشروعًا استراتيجيًا عندما يرتبط بمصلحة وطنية أوسع.
ولم يترك المشرع تحديد هذه الصفة لمنطق التقدير المنفرد، وإنما أقام منظومة مؤسساتية تتصدرها اللجنة الوطنية للاستثمارات برئاسة رئيس الحكومة، إلى جانب لجان تقنية تضطلع بدراسة الملفات المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية، ومن بينها المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي، بما يتيح فحصها وتقييمها والتفاوض بشأنها وفق مقاربة متعددة الأبعاد.
وتكشف هذه البنية عن أهمية الحكامة في تدبير الاستثمار؛ فالمشروع الاستراتيجي يحتاج إلى قرار مؤسساتي يوازن بين كلفته المالية، وآثاره الاقتصادية، ومنافعه الاجتماعية، وانعكاساته الترابية، ومتطلباته البيئية، ومدى انسجامه مع السياسات العمومية القطاعية. ولذلك فإن القرار الاستثماري الكبير يتحول إلى عملية مركبة تجمع بين التقييم والتفاوض والالتزام والتتبع.
وهذا الأمر يطرح أيضًا مسألة المسؤولية المؤسساتية؛ فكلما ارتفعت قيمة الدعم العمومي وارتفعت الأهمية الاستراتيجية للمشروع، ارتفعت معها ضرورة وضوح معايير الاختيار، ودقة التقييم، وشفافية المساطر، وربط الاستفادة من الحوافز بتحقيق الالتزامات المعلنة. إذ إن الحكامة الاستثمارية تُقاس بقدرتها على ضمان التوازن بين جاذبية الاستثمار وحماية المصلحة العامة.
وفي قلب هذه المنظومة يبرز صندوق محمد السادس للاستثمار باعتباره إحدى الأدوات الأساسية لتعبئة التمويل، فقد تأسس الصندوق سنة 2020، قبل اعتماد ميثاق الاستثمار الجديد، ثم أصبح جزءًا مهمًا من التصور الجديد لتمويل المشاريع الكبرى ودعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويبلغ رأسمال الصندوق 15 مليار درهم، ويعتمد نموذجًا يقوم على المساهمة في صناديق قطاعية وموضوعاتية متخصصة، بما يسمح بتوجيه التمويل نحو مجالات متعددة، من الصناعة والسياحة والفلاحة إلى النقل وغيرها من القطاعات ذات الأولوية. وتصل مساهمة الصندوق إلى 33 في المائة في سبعة عشر صندوقًا قطاعيًا وموضوعاتيًا، تتولى شركات تدبير متخصصة إدارتها، مع العمل على تعبئة بقية الموارد من السوق.
وهذه الآلية تعكس مفهوم الرافعة المالية العمومية؛ فالدولة لا تتحمل وحدها التكلفة الكاملة للمشروع، وإنما تستخدم مساهمتها كوسيلة لاستقطاب رؤوس أموال إضافية، وتحفيز القطاع الخاص، وتوزيع المخاطر، وتوسيع قاعدة التمويل. وهنا تتخذ الشراكة بين القطاعين العام والخاص معناها العملي، حيث تتحول الموارد العمومية إلى أداة لتعبئة موارد خاصة بدل الاكتفاء بالتمويل المباشر.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها إذا استحضرنا وضعية الاستثمار بالمغرب؛ فمعدل الاستثمار الوطني ظل مرتفعًا، حيث يعادل نحو 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل متوسط عالمي يقارب 20 في المائة، غير أن الإشكال ظل مرتبطًا بدرجة النجاعة وتوزيع الأدوار بين الاستثمار العمومي والخاص، إذ شكل الاستثمار العمومي حصة مهمة من إجمالي الاستثمار، بينما ظلت مساهمة القطاع الخاص دون مستوى الطموح المرغوب.
ومن هنا جاء أحد الأهداف الكبرى للميثاق الجديد: إعادة التوازن بين الاستثمار العمومي والاستثمار الخاص، بما يجعل القطاع الخاص يحمل الجزء الأكبر من دينامية الاستثمار، مع استهداف بلوغ ثلثي الاستثمار الخاص مقابل ثلث للاستثمار العمومي، وتعبئة نحو 350 مليار درهم في أفق 2035، إلى جانب العمل على تحسين شروط الاستثمار من خلال الإصلاحات الضريبية والعقارية، وتسهيل الولوج إلى الطلبيات العمومية، وتبسيط الإجراءات والمساطر الإدارية.
كما حملت خارطة الطريق الاستثمارية هدفًا أكثر مباشرة في أفق 2026، تمثل في تعبئة 500 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة وخلق 500 ألف منصب شغل، بما يجعل التشغيل والاستثمار عنصرين مترابطين داخل السياسة الاقتصادية الجديدة.
غير أن الأرقام، مهما بدت كبيرة، تحتاج دائمًا إلى معيار أكثر صرامة من مجرد حجم التمويل؛ وهو الأثر الفعلي. فالاستثمار الذي يستهلك مليارات الدراهم دون أن يخلق قيمة مضافة مستدامة، أو فرص شغل ذات جودة، أو قدرة إنتاجية وطنية، أو نقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، يظل مشروعًا مكلفًا مهما كانت واجهته الاقتصادية لامعة.
ومن هنا تبرز فلسفة الميثاق في بعدها الأعمق؛ فهو يريد إعادة توجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة، وربط الحوافز بالأهداف الوطنية، وتقليص الفوارق الترابية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد، وتحسين مناخ الأعمال، وإرساء قواعد أكثر وضوحًا للعلاقة بين المستثمر والإدارة.
كما أن البعد الترابي يحتل مكانة أساسية ضمن هذه الرؤية، لأن الاستثمار لا يُراد له أن يتركز في مناطق بعينها، بينما تظل مجالات أخرى خارج دائرة الجاذبية الاقتصادية. لذلك جاء نظام الدعم الأساسي متضمنًا لمنحة ترابية، بما يعكس توجهًا نحو جعل الموقع الجغرافي عنصرًا من عناصر السياسة الاستثمارية، وليس مجرد معطى ثانوي.
والبعد القطاعي بدوره حاضر بقوة؛ إذ إن الدولة تتجه إلى توجيه الاستثمار نحو المجالات التي تمتلك قدرة أكبر على خلق القيمة المضافة، ورفع الإنتاجية، وتحسين الميزان التجاري، وتقوية الاندماج الصناعي، وتعزيز الأمن الاقتصادي. وهذا ما يفسر الحضور اللافت لمشاريع السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر وغيرها من المجالات التي ترتبط بالتحولات الكبرى للاقتصاد العالمي.
وبذلك يصبح ميثاق الاستثمار الجديد جزءًا من منظومة إصلاحية أوسع تتصل بالنموذج التنموي الجديد وبأهداف الدولة الاجتماعية، لأن الاستثمار، وفق هذه الرؤية، يؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية وبيئية في الوقت ذاته. فهو مصدر للثروة، ورافعة للتشغيل، ووسيلة لتنمية المجالات الترابية، وآلية لتعزيز التنافسية، وأداة لتعبئة الموارد الضرورية لتمويل الأوراش الكبرى.
لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل تستطيع هذه المنظومة القانونية والمؤسساتية الانتقال من جودة النص إلى جودة التنفيذ؟
فالقانون يحدد شروط الأهلية، والمرسوم يضبط المعايير، واللجان تدرس الملفات، والصناديق تعبئ التمويل، والدولة تمنح الحوافز، غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك كله… عندما يغادر المشروع النصوص والمداولات ومحاضر الاجتماعات نحو المصنع والمزرعة والمنصة الصناعية ومحطة تحلية المياه ومختبر التكنولوجيا وسوق الشغل.
ومن المؤكد أن نجاح ميثاق الاستثمار لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بحجم المشاريع المعلنة، ولا بعدد الملفات التي حملت صفة «استراتيجية»، وإنما بقدرة هذه المشاريع على إنتاج أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، وعلى الوفاء بالالتزامات التي تأسس عليها الدعم العمومي، وعلى تحويل المال المستثمر إلى قيمة مضافة وفرص شغل وتكنولوجيا وأمن اقتصادي.
فالاستثمار الاستراتيجي، في نهاية المطاف، عقد غير مكتوب بين الدولة والمستقبل: الدولة تقدم الحوافز والتمويل والبنية المؤسساتية، والمشروع مطالب بأن يعيد إلى الاقتصاد قيمة تتجاوز بكثير حدود دفتر الحسابات… لأن أخطر استثمار هو ذلك الذي يبدو ناجحًا في الورق، بينما يظل أثره غائبًا عن حياة الناس.
اترك تعليقاً