حين تتحول الحضانة إلى سلاح من يحمي الأبناء من معركة الآباء؟
الطلاق في الأصل نهاية علاقة زوجية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الأبوة ولا بداية حرب مفتوحة على الأبناء. غير أن الواقع يكشف، في بعض حالات النزاع، عن مأساة أخرى أكثر قسوة: تتحول الحضانة إلى ورقة ضغط، وتصبح رؤية الأب لأبنائه رهينة للخلافات بينه وبين أمهم، وكأن الأطفال أصبحوا جزءاً من مفاوضات الطلاق، لا بشراً لهم مشاعر وذاكرة وحاجة إلى أب وأم معاً.
وهنا يطرح الأب المقهور سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن أن يتحول حق رعاية الطفل إلى سلطة مطلقة تستعمل لإقصاء أحد الوالدين؟ ومن سمح بأن تتحول الحضانة من وسيلة لحماية الطفل إلى سلاح لاستنزاف الأب؟
ليس الحديث هنا عن أم تحمي أبناءها، ولا عن أب يريد الانتقام من طليقته. الحديث عن حالات يصبح فيها الطفل رهينة للصراع، ويُستخدم حق الحضانة والزيارة بطريقة تجعل الأب يعيش على أعصابه، يركض خلف المواعيد، يطرق أبواب المحاكم، ينتظر قراراً هنا أو استجابة هناك، بينما تكبر المسافة بينه وبين أبنائه يوماً بعد يوم.
والأخطر من ذلك أن بعض الآباء لا يخسرون الزواج فقط؛ بل يشعرون أنهم يخسرون حقهم الطبيعي في أن يكونوا آباء.
قد تُقال للأب عبارة بسيطة: “هذا هو القانون”، وكأن القانون منح أحد الطرفين مفاتيح الأبناء ومنح الطرف الآخر مجرد حق في طلب رؤيتهم. لكن القانون، في جوهره، لم يُشرّع لكي يجعل الأب غريباً عن أبنائه، ولا لكي يمنح الأم سلطة انتقامية، وإنما لكي يحمي الطفل ويضمن له الاستقرار.
من أعطى الحضانة معنى السلطة المطلقة؟
الحضانة ليست ملكية للطفل، وليست امتيازاً شخصياً للأم أو للأب. الطفل ليس عقاراً يُسلَّم إلى طرف ويُحرم منه الطرف الآخر.
الحضانة مسؤولية قبل أن تكون حقاً، والزيارة ليست منّة يمنحها أحد الوالدين للآخر. إنها جزء من علاقة الطفل بأبيه وأمه.
فإذا كانت الأم حاضنة، فهذا لا يعني أن الأب أصبح ضيفاً في حياة أبنائه. وإذا كان الأب هو الحاضن، فهذا لا يعني أن الأم أصبحت مجرد زائرة.
المعادلة الصحيحة يجب أن تكون واضحة: الأب والأم قد يفترقان، لكن الطفل لا ينبغي أن يُجبر على طلاق أحدهما.
عندما تصبح “ورقة الأبناء” وسيلة للاستنزاف
المشكلة تبدأ حين يدرك أحد الطرفين أن أكثر نقطة تؤلم الآخر هي أبناؤه.
هناك من يستعمل المواعيد، والاتصالات، والعطل، والأعياد، والسفر، وتسليم الأطفال واستلامهم، بل وحتى التفاصيل الصغيرة في حياتهم، كأدوات ضغط متواصلة.
مرةً يمنع اللقاء، ومرةً يُؤجَّل، ومرةً تُخلق مشكلة جديدة، ومرةً يُقال للطفل كلام يجعله ينظر إلى أبيه بعين مختلفة.
وفي كل مرة يدفع الأب ثمناً نفسياً ومادياً جديداً.
لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن الأذهان هو:
هل نحن نعاقب الأب فعلاً، أم نعاقب الطفل بحرمانه من أبيه؟
الأب الذي يُحرم من رؤية طفله لا يتوقف عن كونه أباً. والطفل الذي يُمنع من أبيه لا يتوقف عن احتياجه إليه.
قد ينجح أحد الطرفين في إنهاك الآخر، وقد يربح جولة في المحكمة أو في الحياة اليومية، لكن الطفل قد يخسر شيئاً لا تعوضه الأحكام: علاقته الطبيعية بأحد والديه.
ولماذا لا يكون القانون أكثر صرامة مع من يسيء استعمال الحضانة؟
هنا يجب أن نكون واضحين: المطلوب ليس قانوناً “ضد المرأة”، كما أنه لا ينبغي أن يكون قانوناً “ضد الرجل”.
المطلوب قانون ضد الشطط.
إذا ثبت أن أحد الوالدين يتعمد عرقلة علاقة الطفل بالطرف الآخر دون مبرر حقيقي، فيجب أن تكون هناك عواقب قانونية واضحة وسريعة، سواء كان المخالف أماً أو أباً.
فما قيمة حكم قضائي يمنح الأب حق التواصل مع أبنائه إذا كان تنفيذ ذلك الحكم يستغرق أشهراً أو سنوات؟
وما قيمة النصوص القانونية إذا كان الطرف الذي يخالفها يستطيع أن يكرر المخالفة ثم يدخل في دوامة جديدة من الشكايات والإجراءات؟
القانون القوي ليس الذي يمنح أحد الوالدين سلطة أكبر، وإنما الذي يجعل مصلحة الطفل فوق رغبات الطرفين.
الأب ليس ماكينة نفقة
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن الأب قد يجد نفسه مطالباً بكل مسؤولياته المالية تجاه أبنائه، لكنه في الوقت نفسه يواجه عراقيل في ممارسة دوره العاطفي والتربوي.
يُطلب منه أن يدفع، وأن يتحمل، وأن يساهم، وأن يظل مسؤولاً، ثم قد يجد نفسه في الجانب الآخر من المعادلة عاجزاً عن احتضان أبنائه أو مشاركتهم تفاصيل حياتهم.
وهنا يظهر السؤال القاسي:
هل نريد من الأب أن يكون ممولاً فقط، أم أباً؟
الأبوة ليست حوالة مالية في نهاية الشهر.
الأبوة حضن، ووقت، وتربية، ونصيحة، ووجود في المرض والنجاح والفشل، واحتفال بعيد الميلاد، ومرافقة إلى المدرسة، وسؤال عن الواجبات، وحوار قبل النوم.
حين نحرم الأب من هذه التفاصيل، فنحن لا نقتطع جزءاً من حياته فقط؛ بل نقتطع جزءاً من طفولة أبنائه.
الطفل ليس رسولاً بين المتخاصمين
من أخطر صور الانحراف بعد الطلاق أن يتحول الطفل إلى ساعي بريد بين الأب والأم.
“قل لأبيك…”
“قل لأمك…”
“أبوك هو السبب…”
“أمك فعلت…”
هكذا يبدأ الطفل في حمل أوزار الكبار.
والطفل الذي يُجبر على اختيار طرف ضد طرف آخر قد يكبر وهو يحمل جرحاً لا يراه أحد.
ليس من حق الأب أن يجعل أبناءه يكرهون أمهم، كما ليس من حق الأم أن تجعل أبناءها يكرهون أباهم.
الطفل ليس محكمة تصدر حكماً على أحد الوالدين.
حان الوقت لقلب المعادلة… ولكن لصالح الطفل
إذا أردنا إصلاح قوانين الأسرة، فلا ينبغي أن يكون الهدف “التشديد على المرأة” أو “الانتصار للرجل”.
يجب أن نقلب الطاولة على كل من يستعمل الطفل سلاحاً.
يجب أن تكون هناك آليات سريعة وفعالة لتنفيذ أحكام الزيارة والحضانة، وعقوبات متدرجة على التعمد في عرقلة العلاقة بين الطفل وأحد والديه، وتقييم حقيقي لمصلحة الطفل، ومتابعة للحالات التي يظهر فيها خطر التلاعب النفسي بالطفل أو تحريضه ضد أحد والديه.
فالأم التي تستعمل أبناءها للانتقام من أبيهم يجب أن تُحاسب.
والأب الذي يفعل الشيء نفسه يجب أن يُحاسب أيضاً.
ليس لأن القانون يريد الانتقام من أحدهما، بل لأن الطفل يستحق أن يعيش بعيداً عن انتقام الكبار.
وفي النهاية…
قد ينتهي الزواج، وقد تنتهي المودة، وقد يصبح الزوجان خصمين أمام القضاء.
لكن هناك حقيقة يجب أن تبقى فوق كل الخلافات:
الطفل لم يطلب الطلاق.
لم يختر أن يستيقظ ذات صباح في بيت دون أبيه، أو بيت دون أمه. لم يختر المحاكم، ولا المحامين، ولا أوامر الزيارة، ولا الخلافات حول العطل والأعياد.
إنه فقط يريد شيئاً بسيطاً جداً:
أن يحب أمه دون أن يشعر بالخيانة تجاه أبيه، وأن يحب أباه دون أن يشعر أنه يخون أمه.
فإذا كان القانون لا يستطيع أن يحمي هذا الحق البسيط، فقد نحتاج إلى إعادة النظر ليس في الحضانة وحدها، بل في فلسفة الأسرة بعد الطلاق كلها.
فالطلاق يجب أن ينهي العلاقة بين الزوجين، لا العلاقة بين الأب وأبنائه، ولا بين الأم وأبنائها.
ومن أراد أن ينتقم من طليقته أو طليقها، فليبحث عن أي وسيلة أخرى ويترك الأطفال بعيداً عن هذا الخبث القاتل.
اترك تعليقاً