منتدى العمق

السياحة الحلال: تركيا فهمت اللعبة والمغرب ما زال مترددا

يحيى التوزاني

لم تعد السياحة في عالم اليوم مجرد طائرة وفندق وشاطئ. لقد أصبحت صناعة دقيقة تقوم على فهم حاجات الزائر، وثقافته، وطريقة إنفاقه، وما يبحث عنه في الطعام والإقامة والترفيه والخصوصية.

ومن هنا برز خلال السنوات الأخيرة ما يعرف بـ السياحة الحلال أو السياحة الصديقة للمسلمين وهي لا تعني إغلاق الأبواب أمام غير المسلمين، ولا تحويل المدن إلى فضاءات دينية مغلقة، وإنما تقديم منتج سياحي يستطيع المسلم أن يستمتع به من دون أن يضطر إلى التخلي عن قناعاته: طعام حلال، أماكن للصلاة، مرافق عائلية، خيارات للخصوصية، وفنادق ومنتجعات تراعي احتياجات الأسر المحافظة.

وتقدم تركيا واحدة من أبرز التجارب في هذا المجال.

تركيا لم تتعامل مع السائح المسلم باعتباره زائراً يبحث فقط عن المساجد والمعالم التاريخية، وإنما باعتباره زبوناً له قدرة شرائية واحتياجات سياحية محددة.

وهذا فارق مهم.

فالفندق الصديق للمسلمين يمكن أن يقدم منتجاً سياحياً متكاملاً: إقامة راقية، مطاعم حلال، مسابح ومرافق عائلية، مساحات للخصوصية، خدمات للنساء والأطفال، برامج ثقافية وتاريخية، ورحلات إلى المدن والمواقع الإسلامية، وكل ذلك داخل صناعة سياحية حديثة.

والأهم أن هذا النموذج لا يلغي السياحة الأخرى، بل يضيف سوقاً جديدة إلى الأسواق الموجودة.

والأرقام التركية تكشف حجم الصناعة السياحية عموماً: فقد بلغت عائدات السياحة في تركيا سنة 2025 حوالي 65.23 مليار دولار، بزيادة 6.8% عن السنة السابقة، فيما بلغ عدد الزوار نحو 63.9 مليوناً.

ولذلك فالسؤال ليس: هل السياحة الإسلامية مربحة؟

بل السؤال الأهم هو:

كم من المال يتركه المسلم في بلد آخر لأنه لم يجد في بلده أو في وجهته القريبة المنتج الذي يناسبه؟

وهنا ينبغي إزالة خلط شائع.

السياحة الإسلامية أو الصديقة للمسلمين ليست حرباً على السياحة، ولا دعوة إلى منع الآخرين من الاستمتاع، وليست بالضرورة سياحة دينية بالمعنى التقليدي.

هي ببساطة قطاع سياحي يستجيب لشريحة من الزبائن.

والفارق واضح بين نموذج يجعل الخصوصية والقيم الأسرية جزءاً من المنتج السياحي، وبين نموذج يقوم على استقطاب الزائر من خلال الخمر والملاهي والعلاقات الجنسية وغيرها من مظاهر الترفيه التي قد لا تناسب قطاعاً واسعاً من الأسر المسلمة.

ومن حق المستثمر أن يقول:

لماذا لا يكون لدينا منتجع فاخر للعائلات المسلمة، كما توجد منتجعات متخصصة لأنواع أخرى من السياح؟

إنها مسألة تنويع للسوق قبل أن تكون مسألة أيديولوجيا.

وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن حاجات السائح المسلم تتضمن بالفعل الطعام الحلال، والمطاعم المناسبة، وإمكانية ممارسة الشعائر، والإقامة والخدمات المتوافقة مع توقعاته.

وهنا المفارقة المغربية.

فالمغرب لا يحتاج إلى اختراع هوية سياحية من الصفر.

لدينا مراكش وفاس ومكناس وتطوان والصويرة وأكادير وطنجة وشفشاون وورزازات والصحراء، ولدينا المآثر الإسلامية، والمدن العتيقة، والزوايا، والمساجد، والمطبخ المغربي، والحمامات، والرياضات، والجبال، والشواطئ، والصحراء، والفنادق الفاخرة.

ولدينا أيضاً ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، فضلاً عن ملايين المسلمين في أوروبا، وإفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا.

ومع ذلك، لم تتحول هذه المؤهلات إلى منتج مغربي واضح ومتكامل للسياحة الصديقة للمسلمين بالقدر الذي فعلته بعض الوجهات المنافسة.

وهنا تكمن المشكلة:

المغرب لديه المنتج بصورة عفوية، لكنه لم يصنع منه صناعة متخصصة.

مغاربة العالم سوق ضائعة؟

المسألة أكثر أهمية عندما نتحدث عن مغاربة العالم.

فالمغربي المقيم في أوروبا عندما يسافر مع زوجته وأطفاله لا يبحث فقط عن الشمس والبحر.

إنه يبحث عن الراحة والخصوصية والأمان والطعام المناسب والأسرة والأطفال والبيئة التي لا تجعله مضطراً إلى الاختيار بين عطلته وبين قناعاته.

وإذا وجد هذه المعادلة في تركيا، أو ماليزيا،أو غيرهما، فمن الطبيعي اقتصادياً أن يتجه إليها.

وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى المسألة باعتبارها خسارة معنوية فقط، بل باعتبارها تحويلاً للعملة الصعبة من اقتصاد إلى اقتصاد آخر.

وهذا يعطينا درساً مهماً:

السائح من أبناء الجالية ليس مجرد فرد يعود إلى وطنه؛ إنه سوق سياحية قائمة بذاتها.

والمغرب اليوم ليس عاجزاً عن ذلك

فالمغرب يمتلك بالفعل البنية الأساسية التي تسمح له بالدخول بقوة إلى هذا المجال.

فخارطة الطريق السياحية 2023–2026 تتحدث عن تأهيل الفنادق، وإحداث طاقات إيوائية جديدة، وتحفيز الاستثمار في التنشيط السياحي، وتنويع العرض، وتقوية الربط الجوي والترويج الدولي.

كما أن المغرب سجل إلى نهاية غشت 2025 حوالي 13.5 مليون سائح، مع 67 مليار درهم من مداخيل العملة الصعبة إلى نهاية يوليوز، بحسب وزارة السياحة.

أي أن المشكلة ليست في غياب الفنادق أو المطارات أو المطاعم أو المدن السياحية.

المشكلة هي في التخصص والمنتج والتسويق

فالمغرب يضم فنادق ومنتجعات بمستويات مختلفة، مع شهادة واضحة للخدمات، ومطاعم حلال، ومرافق عائلية، وبرامج سياحية ثقافية وروحية، ومساحات خصوصية، ومنتجات موجهة للعائلات المسلمة في أوروبا؟

لماذا لا يكون هناك منتج سياحي موجه تحديداً إلى المغربي البلجيكي، والهولندي، والفرنسي، والألماني، والبريطاني، وإلى الأسرة المسلمة في أوروبا عموماً؟

وحتى تضح الصورة أكثر فمن السهل اليوم أن نقول: لماذا لم يستغل حزب العدالة والتنمية سنوات مشاركته في الحكومة لفرض هذا النوع من المشاريع؟

لكن الصورة أكثر تعقيداً.

فـ”رؤية 2020″ السياحية كانت قد أُطلقت قبل وصول العدالة والتنمية إلى الحكومة، واستمرت الدولة في تنفيذها خلال تلك المرحلة؛ كما أن السياحة كانت تقوم على استراتيجية وطنية طويلة المدى وليست ملكاً لحزب واحد. وتوضح منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن رؤية 2020 كانت تُنفذ منذ 2011، وتركز على التنمية الجهوية والجودة والاستدامة.

لذلك، من الأدق القول إن المرحلة التي شارك فيها العدالة والتنمية في الحكومة لم تشهد بلورة مشروع وطني كبير وواضح للسياحة الحلال باعتبارها صناعة مستقلة، بدلاً من القول إن الحزب كان وحده يملك القرار السياحي ولم يفعل شيئاً.

وهذا في حد ذاته سؤال سياسي واقتصادي مشروع:

إذا كان حزب ذو مرجعية إسلامية يشارك في الحكومة، فلماذا لم يجعل من السياحة العائلية والمحافظة، والسياحة الثقافية والروحية، والسياحة الصديقة للمسلمين، ورقة استثمارية كبرى؟

ربما لأن السياحة المغربية كانت تتحرك داخل استراتيجية أوسع موروثة ومؤسساتية، وربما لأن مصطلح “السياحة الحلال” نفسه كان لا يزال يثير حساسية وتساؤلات حول كيفية تسويقه دولياً.

والدليل أن الدراسات المغربية نفسها كانت تناقش هذه الإشكالية قبل سنوات، وتبحث استعداد السياح المغاربة للدفع مقابل الخدمات الحلال وكيفية تطوير العرض السياحي المغربي.

المعادلة في النهاية بسيطة:

المغرب لا يحتاج إلى أن يصبح تركيا.

ولا يحتاج إلى أن يغلق أبوابه أمام السائح الغربي، ولا أن يفرض نموذجاً سياحياً واحداً على الجميع.

ما يحتاجه هو أن يقول للعالم:

لدينا أيضاً سياحة للعائلة المسلمة.

سياحة راقية، عصرية، مربحة، مفتوحة، تحترم الخصوصية، وتستفيد من الهوية المغربية دون أن تحولها إلى شعار فارغ.

فلماذا لا نجد في أكادير منتجعات عائلية بمواصفات عالمية؟

ولماذا لا تقدم مراكش وفاس برامج سياحية روحية وثقافية متكاملة؟

ولماذا لا تتحول الحمامات المغربية التقليدية إلى منتج عالمي للرفاهية العائلية؟

ولماذا لا تصبح الصحراء المغربية وجهة للعائلات المسلمة من أوروبا؟

ولماذا لا تكون هناك عروض خاصة لمغاربة العالم خلال العطل، تشمل الطيران والإقامة والتنقل والأنشطة العائلية؟

هذه ليست أسئلة فقهية فقط.

إنها أسئلة اقتصاد وسوق واستثمار.

فحين يدفع المغربي المقيم في أوروبا أمواله في بلد آخر لأنه وجد فيه الفندق الذي يناسب أسرته، والمطعم الذي يطمئن إليه، والمنتجع الذي يوفر له الخصوصية، فإن الخاسر في النهاية ليس فقط الفندق المغربي.

الخاسر هو الاقتصاد المغربي كله.

وقد تكون إحدى أكبر الفرص أمام السياحة المغربية خلال السنوات المقبلة هي أن تنتقل من مرحلة القول: “المغرب بلد مسلم والسياحة فيه مناسبة للمسلمين” إلى مرحلة أكثر احترافاً:

عندها لن يكون الإسلام مجرد هوية ثقافية على هامش المنتج السياحي، بل يمكن أن يصبح جزءاً من القيمة الاقتصادية التي يصنعها المغرب ويصدرها إلى العالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *