سياسة

من 20 فبراير إلى “جيل زد”.. دراسة لـ”الهاكا” ترصد صعود شبكات التواصل كأداة للتعبئة بالمغرب

رصدت دراسة حديثة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” التحول المتسارع لشبكات التواصل الاجتماعي إلى أداة رئيسية للتعبئة بالمغرب، مستحضرة تجارب امتدت من حركة 20 فبراير وحراك الريف إلى زلزال الحوز وتجربة “جيل زد 212″، ومبرزة كيف أصبحت المنصات الرقمية قادرة على نشر المطالب وتنسيق المبادرات وتحويل قضايا محلية إلى نقاشات ذات صدى وطني واسع، مقابل تصاعد مخاطر التضليل والتلاعب والتأثير الخارجي.

وأبرزت الدراسة، التي أنجزها فريق العمل “تنظيم الإعلام والوسائط الرقمية”، أن اتساع قاعدة مستخدمي شبكات التواصل أسهم في ترسيخ هذا الدور، بعدما بلغت نسبة مستخدميها 99 في المائة من مستخدمي الإنترنت بالمغرب سنة 2024، مقابل 96 في المائة سنة 2019، فيما تصل النسبة إلى نحو 85 في المائة عند احتساب مجموع السكان البالغين 5 سنوات فما فوق. كما يستخدم 92 في المائة من المستخدمين المغاربة هذه المنصات بشكل يومي أو شبه يومي، بينما يلج 94 في المائة من مستخدمي الإنترنت إليها بواسطة الهاتف الذكي، ما يجعلها حاضرة بشكل متواصل في الحياة اليومية وفي تداول المعلومات والنقاش العمومي.

وتخلص الدراسة إلى أن المنصات الاجتماعية لم تعد مجرد فضاءات للتواصل والترفيه، بل تحولت إلى بنية أساسية للتعبير والمشاركة والتعبئة، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى وسهولة الولوج والطابع الأفقي للتنظيم. غير أن الخصائص نفسها تطرح، بحسب الدراسة، مخاطر مرتبطة بالأخبار الكاذبة والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي، فضلاً عن احتمال توظيفها في التأثير الخارجي على الحركات والنقاشات الرقمية.

من فضاء للتواصل إلى أداة للتعبئة

وتوضح الدراسة أن الانتشار الواسع لشبكات التواصل بالمغرب لم يعد مقتصراً على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، إذ ظل الشباب بين 15 و39 سنة الأكثر نشاطاً، بالتزامن مع ارتفاع استخدام هذه المنصات لدى الفئات بين 40 و59 سنة وحتى 60 و74 سنة، فيما تقلص الفارق بين الرجال والنساء إلى مستويات شبه منعدمة. كما سجل الوسط القروي نمواً سريعاً في الاستخدام، مدفوعاً بانتشار الهاتف الذكي والإنترنت المحمول.

وتبرز “واتساب” باعتبارها المنصة الأكثر استخداماً، بالنظر إلى وظائف المراسلة والمكالمات والاتصال المرئي، فيما يستخدم 98 في المائة من مستخدمي الإنترنت، خارج “واتساب”، منصات أخرى تشمل “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” و”لينكدإن” وغيرها. وترى الدراسة أن هذا الانتشار يجعل الشبكات الاجتماعية جزءاً من البنية العملية للتعبئة، إذ تتيح نشر المعلومات بسرعة، وتنسيق المبادرات، وتعبئة المشاركين، وربط القضايا المحلية بجمهور أوسع.

ولا تتوقف أهمية هذه المنصات عند عدد المستخدمين، إذ تكشف الدراسة عن كثافة عالية في الاستعمال، بعدما ارتفعت نسبة الاستخدام اليومي أو شبه اليومي من 80 في المائة سنة 2019 إلى 92 في المائة سنة 2024. كما أن مستخدماً واحداً من كل اثنين يتفقد هاتفه كل نصف ساعة، بينما يقضي 13 في المائة أكثر من أربع ساعات يومياً على شبكات التواصل، مقابل 7 في المائة سنة 2019، وهو ما يوسع المجال الزمني لتأثير المحتوى الرقمي في المواقف والنقاشات العامة.

وتربط الدراسة بين هذه الكثافة وبين قدرة الشبكات الاجتماعية على تحويل المستخدم العادي إلى فاعل في تداول المعلومات والتعبئة، إذ يمكن لصورة أو مقطع فيديو أو وسم أن ينتقل بسرعة من دائرة محدودة إلى جمهور واسع، كما يمكن لمجموعة من المستخدمين أن تنظم مبادرة أو حملة دون الحاجة إلى قيادة تقليدية أو بنية تنظيمية مركزية. وفي المقابل، تحذر الدراسة من أن التفاعل الرقمي قد يظل أحياناً عند حدود الإعجاب والمشاركة، من دون أن يتحول إلى مشاركة فعلية، وهو ما يرتبط بمفهوم “النشاط الرقمي السطحي” أو “سلاكتيڤيزم”.

20 فبراير وحراك الريف.. بدايات التعبئة الرقمية

وتستحضر الدراسة حركة 20 فبراير باعتبارها إحدى التجارب التي أظهرت مبكراً قدرة المنصات الرقمية على دعم التعبئة والتعريف بالمطالب وتجاوز جزء من قنوات الاتصال التقليدية. كما تقدم حراك الريف خلال سنتي 2016 و2017 نموذجاً آخر، بعدما لعبت شبكات التواصل دوراً في نشر صور ومقاطع الاحتجاجات وتنسيق التجمعات وإيصال المطالب إلى جمهور خارج المنطقة.

وتشير الدراسة، في هذا السياق، إلى أن صور وفاة محسن فكري انتشرت على نطاق واسع عبر “فيسبوك” و”واتساب”، وأسهمت في منح الحراك انتشاراً وطنياً ودولياً. غير أنها تلفت إلى أن الطابع الأفقي للتنظيم وغياب هيكل تقليدي واضح جعلا الحركة أكثر هشاشة أمام محاولات التلاعب، في ظل صعوبة ضبط مصادر المعلومات وتحديد المسؤوليات داخل فضاء رقمي مفتوح.

أما خلال زلزال الحوز في شتنبر 2023، فقد برز وجه آخر للتعبئة الرقمية، بعدما تحولت “فيسبوك” و”واتساب” و”إنستغرام” إلى أدوات لتنسيق جهود الجمعيات والمتطوعين وتوجيه المساعدات إلى القرى المعزولة وتنظيم حملات التبرع. كما استفادت الجالية المغربية من هذه المنصات لتنسيق إرسال الأموال والمبادرات الإنسانية من الخارج، بينما ساهمت الصور والشهادات المنشورة عبر الإنترنت في نقل مشاهد التضامن إلى وسائل الإعلام الوطنية والدولية.

لكن التجربة نفسها أظهرت الوجه الآخر للتعبئة الرقمية، إذ تسبب تداول الأخبار الكاذبة أحياناً في إرباك بشأن حجم الأضرار أو طريقة تدبير المساعدات، في وقت شكل ضعف الاتصال بالإنترنت في بعض المناطق القروية عائقاً أمام التنسيق. وبذلك، تكشف تجربة الحوز، وفق الدراسة، قدرة المنصات على تسريع الاستجابة والتنسيق، مقابل استمرار مخاطر المعلومات غير الموثوقة والفجوة الرقمية.

“جيل زد 212”.. التعبئة تنتقل إلى جيل جديد

وتخصص الدراسة حيزاً لتجربة “جيل زد 212″، التي ظهرت في شتنبر 2025 على خادم “ديسكورد” يحمل الاسم نفسه، عقب وفاة ثماني نساء حوامل في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل اختلالات مرتبطة بالصحة والتعليم والتفاوتات الاجتماعية.

وتوضح الدراسة أن روابط الدعوة إلى خادم “ديسكورد” جرى تداولها بكثافة عبر “إكس” و”فيسبوك” و”تيك توك”، ما ساعد على انتشار التجربة خلال أسابيعها الأولى، قبل أن تصبح “فيسبوك” و”واتساب” و”تيك توك” أدوات رئيسية لتنسيق الاحتجاجات التي شهدتها مدن من بينها الرباط ومراكش والدار البيضاء.

وتعتبر الدراسة أن تجربة “جيل زد 212” تؤكد قدرة المنصات الرقمية على الانتقال السريع من التعبير الفردي إلى التعبئة الجماعية، وعلى منح قضايا مرتبطة بالخدمات العمومية والصحة والتعليم والتفاوتات الاجتماعية قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور ولفت انتباه وسائل الإعلام والمؤسسات.

غير أن الدراسة تربط هذه القدرة أيضاً بمخاوف من التضليل والتأثير الخارجي، مشيرة إلى ما وصفته بوجود تضخيم اصطناعي للوسوم وانتشار معلومات كاذبة ونشاط مكثف لحسابات أجنبية في النقاشات والمنشورات على “إكس”، إلى جانب حملات فيروسية تقودها حسابات توجد خارج البلاد. وتقدم الدراسة هذه المعطيات باعتبارها مؤشرات على هشاشة الحركات الرقمية أمام محاولات التأثير الخارجي، مع التشديد على ضرورة التمييز بين التعبئة الرقمية المشروعة وبين استغلال المنصات للتلاعب بالمجال العام.

“واتساب” و”فيسبوك”.. العمود الفقري للتعبئة الرقمية

وتشير الدراسة إلى أن “واتساب”، الذي يستخدمه 76 في المائة من مستخدمي الإنترنت المغاربة سنة 2024، و”فيسبوك”، الذي تصل نسبة استخدامه إلى 65 في المائة، يشكلان جزءاً أساسياً من البنية العملية للتعبئة، سواء عبر نشر المعلومات أو تنسيق التجمعات أو تداول تعليمات السلامة بين المشاركين.

وتكمن قوة هذه المنصات، وفق الدراسة، في قدرتها على اختصار المسافة بين القضية وصناعة النقاش حولها، إذ يمكن لقضية محلية مرتبطة بتدهور الخدمات العمومية أو ارتفاع الأسعار أن تتحول في وقت قصير إلى موضوع للنقاش على المستوى الوطني. كما تمنح المنصات أصواتاً فردية القدرة على الوصول إلى جمهور واسع، وتتيح للمبادرات الاجتماعية تجاوز القنوات التقليدية للوصول إلى المتابعين والمتطوعين ووسائل الإعلام والمؤسسات.

لكن سرعة الانتشار نفسها تجعل عملية التحقق أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتداول المعلومات داخل شبكات مغلقة أو شبه مغلقة، كما هو الحال في تطبيقات المراسلة. وتزداد المخاطر مع قدرة الخوارزميات على التأثير في المحتوى الذي يصل إلى المستخدم، بما قد يعزز الاستقطاب ويخلق بيئات معلوماتية مغلقة تعيد إنتاج المواقف نفسها وتحد من التعرض لوجهات النظر المختلفة.

تعبئة رقمية بوجهين.. فرصة ديمقراطية ومخاطر تضليل

وترى الدراسة أن صعود شبكات التواصل يحمل إمكانات ديمقراطية واضحة، من خلال توسيع الوصول إلى المعلومات وتعدد الآراء وتوفير أدوات جديدة للمشاركة والتعبئة والتواصل المباشر، غير أن هذه الإمكانات يمكن أن تتحول إلى مصدر ضعف للمجال العام عندما تتداخل مع الأخبار الزائفة والاستقطاب والتلاعب الخوارزمي والتدخلات الخارجية.

وتخلص الدراسة إلى أن الرهان المغربي لا يتمثل في إقصاء شبكات التواصل من الحياة العامة، وإنما في تحقيق توازن بين توسيع المشاركة وحماية المجال الديمقراطي من التضليل والتلاعب. وتقترح في هذا الإطار تعزيز التربية والثقافة الرقمية، وإدماج المواطنة الرقمية في التعليم، وتكوين المدرسين، وتنظيم حملات توعية تستهدف مختلف الفئات العمرية، إلى جانب تطوير قواعد للشفافية والمراقبة والمساءلة بالنسبة للمنصات الرقمية.

وتضع الدراسة شبكات التواصل أمام معادلة مزدوجة، فهي من جهة أدوات غير مسبوقة لتوسيع دائرة المشاركة والتعبئة والوصول إلى الجمهور، ومن جهة أخرى فضاءات مفتوحة للتضليل والتلاعب والتأثير الخارجي. وبين هذين الوجهين، يصبح تعزيز قدرة المستخدمين على التحقق والنقد، إلى جانب وضع قواعد أكثر شفافية لتنظيم المجال الرقمي، شرطاً أساسياً حتى تتحول القوة التعبوية لهذه المنصات إلى رافعة للمشاركة الديمقراطية بدل أن تصبح مدخلاً لإرباك النقاش العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *