يحياوي: المال والتصويت العقابي لا يفسران وحدهما نتائج 2026.. والمستقبل للفاعلين الجدد (فيديو)
أكد مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن قراءة نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 لا يمكن أن تقتصر على تحليل الخريطة الانتخابية أو تفسير التحولات التي عرفتها موازين القوى بين الأحزاب، بل تقتضي استحضار التحولات المجتمعية التي يشهدها المغرب، وتغير تمثلات المواطنين لمفهوم المواطنة والمشاركة السياسية، إلى جانب تراجع الثقة في الأحزاب السياسية.
وأوضح يحياوي أن نتائج الانتخابات الأخيرة تعكس تحولات أعمق في المجتمع المغربي، لا يمكن اختزالها في تأثير المال الانتخابي أو التصويت العقابي، مشددا على ضرورة تجاوز التفسيرات التقليدية للسلوك الانتخابي، التي ظلت تربطه بالثنائية المجالية بين البادية والمدينة، أو بالتصورات الكلاسيكية للعلاقة بين الناخبين والسلطة.
واعتبر الأستاذ الجامعي، خلال مداخلة تناول فيها دلالات الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، أن فهم التحولات التي تعرفها الممارسة السياسية بالمغرب يستلزم إعادة النظر في الأدوات النظرية المعتمدة في تحليل السلوك الانتخابي، بالاستناد إلى المعطيات الميدانية والتحولات التي مست منظومة القيم لدى فئات واسعة من المجتمع، خصوصا الشباب.
تحولات مجتمعية تعيد تشكيل السلوك الانتخابي
وشدد يحياوي على أن الأبحاث الاجتماعية والميدانية التي اشتغل عليها على مدى أكثر من عقدين كشفت عن تحولات مجتمعية لا يمكن تجاهلها عند تفسير نتائج الانتخابات، مشيرا إلى بروز تمثلات جديدة للمواطنة لدى الأجيال الشابة، وإلى أشكال من المبادرة المدنية والسياسية التي لا تنسجم بالضرورة مع التصورات التقليدية للعمل الحزبي.
وأوضح أن هذه التحولات تفرض على الباحثين والفاعلين السياسيين التعامل بجدية مع التغيرات التي يعرفها المجتمع المغربي، بدل إخضاعها لتفسيرات جاهزة لا تستوعب تعقيدات الواقع.
وفي هذا السياق، دعا إلى استحضار مجموعة من الوثائق المرجعية، من بينها التقرير الخمسيني حول التنمية البشرية، وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، وتقرير النموذج التنموي الجديد، إلى جانب نتائج الأبحاث الميدانية المتعلقة بتحولات منظومة القيم في المجتمع المغربي، معتبرا أن هذه المرجعيات تساعد على تفكيك العوامل المتداخلة التي تؤثر في السلوك الانتخابي.
وأضاف أن تحليل الانتخابات يقتضي أيضا فهم التحولات التي عرفتها العلاقة بين الدولة والأحزاب السياسية، خصوصا منذ مرحلة الانتقال إلى صيغ جديدة من التوافق السياسي، لم تعد تقتصر على القيادات الحزبية التقليدية، بل شملت أيضا نخباً أكاديمية وفاعلين من خارج البنية الحزبية.
التصويت العقابي لا يفسر وحده نتائج الانتخابات
وفي قراءته لدلالات التصويت العقابي، اعتبر يحياوي أن هذا التصويت كان حاضرا في الانتخابات الأخيرة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التحولات التي عرفتها الخريطة السياسية، داعيا إلى التمييز بين وجود التصويت العقابي وبين حجمه ومجالات تمركزه والفئات التي ساهمت فيه.
وأشار إلى أن تراجع أصوات بعض الأحزاب في المجالات القروية والمدن الصغرى، مقابل تحسن أداء أحزاب أخرى في المجالات نفسها، يطرح أسئلة بشأن حدود التفسيرات التي تربط النتائج الانتخابية حصرا بالاحتجاج على الأحزاب المتصدرة أو بتأثير المال الانتخابي.
واستدل على ذلك بتراجعات انتخابية سجلها حزب التجمع الوطني للأحرار في عدد من المجالات التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة، مقدرا حجم الأصوات التي فقدها في هذه المناطق بنحو 680 ألف صوت، وفق الأرقام التي عرضها خلال مداخلته. كما أشار إلى تراجع أصوات حزب الأصالة والمعاصرة، في مقابل تسجيل حزب العدالة والتنمية زيادة في رصيده الانتخابي بأكثر من 200 ألف صوت في بعض المجالات التي تناولها تحليله.
واعتبر أن هذه المؤشرات تستدعي دراسة العلاقة بين التصويت العقابي والخصائص المجالية والاجتماعية للناخبين، بدل الاكتفاء بربطه بالطبقة الوسطى في المدن الكبرى، أو باعتباره تعبيرا موحدا عن رفض الأحزاب التي تصدرت المشهد السياسي.
وأكد أن المال الانتخابي يظل عاملا حاضرا في الممارسة الانتخابية، لكنه ليس العامل الوحيد المؤثر في اختيارات الناخبين، مشددا على ضرورة الانتباه إلى التغيرات التي يعرفها المجتمع، وإلى أشكال جديدة من المشاركة المدنية والسياسية التي بدأت تفرض نفسها في عدد من المجالات الترابية.
الشباب والعمل المدني خارج القنوات الحزبية التقليدية
وسلط يحياوي الضوء على التحولات التي عرفها المجال المحلي، معتبرا أن صورة المنتخبين ورؤساء الجماعات لم تعد مطابقة بالضرورة للتصورات التقليدية التي تربط التمثيل المحلي بالأعيان والوجوه النافذة.
وأوضح أن أبحاثا ميدانية شملت 537 جماعة ترابية أظهرت، بحسب قراءته، بروز فاعلين محليين من فئات شابة، يمارسون العمل الانتدابي ويشاركون في تدبير الشأن العام، في سياق تحولات أوسع يعرفها المجتمع المدني المحلي.
وأشار إلى أن عددا من الشباب الذين ارتبطوا سابقا بحركات المعطلين أو بأشكال من الاحتجاج الاجتماعي اتجهوا لاحقا إلى العمل المدني والمشاركة في تدبير الشأن المحلي، مستفيدين من تطور الجمعيات المحلية وتوسع مجالات اشتغالها.
واعتبر أن هذه التحولات تطرح تحديا أمام الأحزاب السياسية، ولا سيما قوى اليسار، التي يتعين عليها إعادة تقييم علاقتها بالأجيال الشابة وبالفاعلين الذين راكموا تجارب مدنية وانتخابية خارج الأطر الحزبية التقليدية.
وفي هذا الإطار، دعا إلى تجاوز الاقتصار على تحليل الحضور الحزبي داخل الجامعات ومؤسسات التأطير التقليدية، والانتباه إلى التحولات التي تعرفها القرى والمجالات المحلية، حيث تتشكل طموحات جديدة للمشاركة في الحياة العامة.
أزمة المشاركة الانتخابية تتجاوز يوم الاقتراع
وبخصوص نسب المشاركة، اعتبر يحياوي أن استمرار ضعف الإقبال على الانتخابات، رغم مرور سنوات طويلة من الإصلاحات والتجارب الانتخابية، يكشف عن إشكال بنيوي يتطلب معالجة تتجاوز التدابير المرتبطة بيوم الاقتراع.
وأوضح أن المقارنة بين الخريطتين الانتخابيتين لسنتي 2007 و2026 تكشف، وفق المؤشرات التي قدمها، استمرار مظاهر من أزمة المشاركة الانتخابية، رغم التحولات التي عرفها المشهد السياسي خلال هذه الفترة.
وأشار إلى أن النقاش حول المشاركة ينبغي أن يبدأ من مسألة التسجيل في اللوائح الانتخابية، متسائلا عن أسباب عدم تمكن عدد كبير من المواطنين الذين بلغوا السن القانونية للتصويت من التسجيل والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا السياق، شدد على ضرورة التمييز بين عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية والكتلة الفعلية للمواطنين الذين بلغوا سن التصويت، معتبرا أن الاقتصار على الأرقام الرسمية للمسجلين لا يقدم صورة مكتملة عن حجم المشاركة السياسية داخل المجتمع.
واستحضر يحياوي، في هذا الإطار، تقديرات تشير إلى وجود نحو 26.27 مليون مواطن بلغوا سن التصويت، مقابل كتلة أقل من المسجلين في اللوائح الانتخابية، داعيا إلى جعل الفارق بين الرقمين موضوعا أساسيا في النقاش العمومي بشأن المشاركة والتمثيلية السياسية.
وأضاف أن تقييم شرعية التمثيل الانتخابي يقتضي الانتباه إلى حجم المشاركة الفعلية مقارنة بالكتلة الإجمالية للمواطنين المؤهلين قانونيا للتصويت، بدل الاكتفاء بنسبة المشاركة المحسوبة انطلاقا من المسجلين.
تراجع الثقة في الأحزاب واتساع أشكال الاحتجاج
وربط الأستاذ الجامعي ضعف المشاركة الانتخابية بتراجع الثقة لدى الشباب في الأحزاب السياسية، مستحضرا نتائج دراسات حول منظومة القيم أنجزها المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2023.
واعتبر أن هذا التراجع يعكس تحولا في علاقة الأجيال الجديدة بالسياسة وبالمؤسسات، مشيرا إلى أن أشكالا من التعبير عن المطالب والاحتجاجات الاجتماعية أصبحت تتحرك خارج القنوات الحزبية والنقابية التقليدية.
وأوضح أن عددا من الحركات الاحتجاجية التي عرفها المغرب خلال السنوات الماضية قادها شباب لم يكن هدفهم بالضرورة الوصول إلى مواقع القيادة السياسية، بقدر ما كانوا يسعون إلى إسماع أصواتهم والتعبير عن مطالبهم.
وأضاف أن هذه الأشكال من الاحتجاج تطرح أسئلة بشأن قدرة التنظيمات السياسية التقليدية على استيعاب المطالب الاجتماعية الجديدة وتحويلها إلى برامج ومبادرات داخل المؤسسات المنتخبة.
وبحسب يحياوي، فإن التصويت العقابي لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره وسيلة لمعاقبة حزب أو استبداله بآخر، بل يتعين وضعه ضمن سياق أوسع يتصل بتغير علاقة المواطنين بالمؤسسات وبمدى قدرتها على الاستجابة لانتظاراتهم.
من الصراع على السلطة إلى مساءلة السياسات العمومية
وفي قراءته للتحولات السياسية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، أشار يحياوي إلى أن النقاش الانتخابي لم يعد محصورا في التنافس على السلطة، بل بات يرتبط أيضا بتقييم أداء المؤسسات والمرافق العمومية ومدى استجابتها لانتظارات المواطنين.
واعتبر أن عددا من المؤشرات المرتبطة بالسياسات الاجتماعية، ومنها الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر، تفرض إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وفي المعايير التي يعتمدها الناخب عند تقييم الأداء الحكومي.
وشدد على أن تحليل النتائج الانتخابية يقتضي استحضار مدى تأثير السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطنين، إلى جانب قضايا الثقة والتمثيلية والمشاركة، مشيرا إلى أن ضعف الاهتمام بأداء المرافق العمومية قد يؤدي إلى إغفال جانب أساسي من دوافع السلوك الانتخابي.
وسجل أن فهم الخريطة الانتخابية لسنة 2026 يستوجب تجاوز التفسيرات الأحادية، والانفتاح على مقاربات تجمع بين التحليل السياسي والسوسيولوجي والمجالي، مع إيلاء أهمية أكبر للمعطيات الميدانية والتحولات التي تعرفها منظومة القيم والمشاركة المدنية.
وأكد أن الرهان الأساسي يتمثل في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، وإعادة التفكير في سبل تعزيز المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات، بما يجعل التصويت والمشاركة في الحياة العامة مدخلا فعليا لتطوير الممارسة الديمقراطية.
اترك تعليقاً