“لا للضغط والابتزاز”.. هكذا تفاعلت الصحف الإسبانية مع رسائل الملك إلى مدريد في خطاب البرلمان
حظي الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، باهتمام واسع من وسائل الإعلام الإسبانية، التي ركزت بصورة خاصة على الرسائل المتعلقة بالعلاقات بين الرباط ومدريد، ومستقبل التعاون في مجال الهجرة، والتحذير الملكي من إخضاع الشراكة الثنائية لأي شكل من أشكال الضغط أو التهديد أو الابتزاز.
ورغم أن الخطاب الملكي تناول أولويات داخلية ترتبط بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وإصلاح الإدارة وتمكين الشباب، فإن التغطيات الإسبانية أعطت حيزا بارزا للجزء المتعلق بالعلاقات مع إسبانيا، في سياق تداعيات أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة خلال الصيف الماضي، وقبل أيام من الزيارة المرتقبة للملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى مدينتي سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر الجاري.
واختارت صحيفة “إلباييس” (El País) عنوانا يبرز تحذير الملك محمد السادس من قبول أي “ضغط أو تهديد أو ابتزاز” من الجانب الإسباني، عشية زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.
واعتبرت الصحيفة، في تقرير لمراسلها بالرباط خوان كارلوس سانز، أن الخطاب يمثل أول تدخل علني للملك المغربي منذ أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي، مشيرة إلى أنه انتقد تصريحات بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، دون تسمية الجهات المقصودة.
وربطت “إلباييس” بين مضامين الخطاب والتحديات التي تواجه التعاون الثنائي في ملف الهجرة، خصوصا ما يتعلق بإعادة القاصرين والمهاجرين المغاربة، معتبرة أن انتقاد بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية يشكل إحدى أبرز الرسائل الموجهة إلى مدريد.
ولم تقتصر قراءة الصحيفة على العلاقات الخارجية، بل توقفت أيضا عند السياق السياسي الداخلي، ومفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، فضلا عن دعوة الملك إلى إعطاء الأولوية للشباب وتسريع التنمية الجهوية وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل.
من جهتها، عنونت صحيفة “لافانغوارديا” (La Vanguardia) تقريرها بالإشارة إلى انتقاد الملك محمد السادس للتصريحات “غير المسؤولة” الصادرة عن سياسيين إسبان، مع إبراز إعلان المغرب عزمه اقتراح استراتيجية جديدة للتعاون في مجال الهجرة.
وأشارت الصحيفة الكتالونية إلى أن الملك المغربي أقر بالتقدم الذي أحرزته العلاقات الثنائية في مجالات متعددة، لكنه اعتبر أن نموذج التعاون الحالي في تدبير الهجرة أصبح متجاوزا، في ظل الأزمات المتكررة والتحديات القانونية والقضائية التي تواجه عمليات إعادة المهاجرين.
كما أبرزت الصحيفة تزامن الخطاب مع الاستعدادات الإسبانية للزيارة الملكية المرتقبة إلى سبتة ومليلية، معتبرة أن هذه التطورات تمنح التصريحات الملكية أهمية خاصة في الظرفية الراهنة للعلاقات بين البلدين.
أما التلفزيون الإسباني الرسمي (RTVE)، فاختار عنوانا يركز على انتقاد الملك محمد السادس لما وصفه بـ”توظيف” أزمة سبتة سياسيا في إسبانيا، وتحذيره من أن المغرب لن يقبل الابتزاز في علاقاته مع الجارة الشمالية.
وأشار التلفزيون الإسباني إلى أن الملك تحدث، للمرة الأولى منذ أزمة الصيف الماضي، عن التحديات المرتبطة بالتعاون في مجال الهجرة، دون أن يذكر مدينة سبتة بالاسم، لكنه انتقد صراحة بعض المواقف السياسية والإعلامية الإسبانية.
وتوقف التقرير عند إعلان الملك عزم المغرب تقديم وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية لإرساء توجه جديد في التعاون مع شركائه، يقوم على تعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
كما استحضر التلفزيون الإسباني الجدل الذي أثارته الأحكام القضائية المتعلقة بإعادة المهاجرين، واعتبر أن الانتقادات الواردة في الخطاب الملكي تندرج ضمن النقاش القائم بشأن تأثير هذه القرارات على تدبير الحدود والتعاون الأمني بين البلدين.
وفي الاتجاه نفسه، ركزت وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” (EFE) على انتقاد الملك للتصريحات غير المسؤولة لبعض الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا، مؤكدة أن الخطاب تضمن رفضا واضحا لأي ضغوط يمكن أن تمارس على المغرب في إطار الشراكة الثنائية.
وأبرزت الوكالة إقرار الملك بأن نموذج التعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا، إلى جانب إعلانه عن مبادرة مغربية جديدة تهدف إلى تطوير التعاون مع الشركاء على أسس التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
أما وكالة “أوروبا بريس” (Europa Press)، فقد اختارت تسليط الضوء على انتقاد الملك لما اعتبرته توظيفا سياسيا لأحداث سبتة، مبرزة تأكيده أن العلاقات مع إسبانيا تمثل اختيارا سياديا والتزاما إراديا لا يمكن إخضاعه للتهديدات أو الابتزاز.
وربطت الوكالة توقيت الخطاب بالتطورات السياسية الإسبانية، لاسيما الإعلان عن انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر المقبل، والزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.
وأشارت إلى أن الخطاب لم يتطرق بصورة مباشرة إلى هذين الحدثين، لكنه تضمن مواقف واضحة بشأن مستقبل التعاون المغربي الإسباني، خصوصا في ملف الهجرة وإعادة القاصرين.
وفي معالجة ركزت على الجانب العملي للتعاون، اختارت إذاعة “كادينا سير” (Cadena SER) عنوانا يبرز إقرار الملك محمد السادس بأن “نموذج التعاون أصبح متجاوزا”، معتبرة أن الخطاب يشكل أول موقف ملكي علني بشأن ملف الهجرة بعد أزمة سبتة.
وشددت الإذاعة على أن الملك، رغم تنويهه بالتقدم المسجل في العلاقات بين البلدين، أكد وجود تحديات كبيرة تستدعي مراجعة آليات التعاون، خصوصا في ظل المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي يرى المغرب أنها تعرقل إعادة بعض المهاجرين.
وعلى مستوى الصحافة المحلية الإسبانية، خصصت صحيفة “إلفارو دي سبتة” (El Faro de Ceuta) تغطية للخطاب، أبرزت فيها تحذير الملك من إخضاع العلاقات مع إسبانيا للضغط أو التهديد أو الابتزاز.
وأعطت الصحيفة أهمية خاصة لانتقاد العراقيل القانونية التي تحول دون إعادة القاصرين، وإعلان المغرب أن التعاون الحالي في مجال الهجرة لم يعد ملائما للتحديات القائمة، في ظل الأزمات الحدودية المتكررة.
في المقابل، اتخذت صحيفة “ليبرتاد ديخيتال” (Libertad Digital) منحى أكثر انتقادا، إذ قدمت الخطاب باعتباره تصعيدا في الموقف المغربي تجاه إسبانيا، واستخدمت في عنوانها تعبير “الغزو” لوصف أحداث الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة.
واعتبرت الصحيفة أن الملك انتقد المواقف الإسبانية بشأن تلك الأحداث، مع رفضه إخضاع المغرب لأي ضغوط، في قراءة تختلف من حيث النبرة عن المعالجات الإخبارية التي ركزت أساسا على مراجعة التعاون الثنائي.
وتكشف هذه التغطيات عن تقاطع واضح بين وسائل الإعلام الإسبانية في تحديد أبرز الرسائل التي استوقفتها في الخطاب الملكي، وفي مقدمتها رفض الضغوط السياسية، وانتقاد توظيف ملف الهجرة في التجاذبات الداخلية الإسبانية، والدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون القائم.
غير أن الاختلاف برز في تأويل هذه الرسائل؛ فبينما ركزت بعض المنابر على ضرورة إعادة صياغة الشراكة المغربية الإسبانية، قدمتها أخرى باعتبارها تحذيرا سياسيا موجها إلى مدريد في ظرفية تتسم بحساسية العلاقات الثنائية.
ويأتي هذا الاهتمام الإعلامي قبل أيام من زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية، وهي الزيارة التي أثارت نقاشا سياسيا وإعلاميا بشأن انعكاساتها المحتملة على العلاقات بين البلدين.
ورغم هذا التزامن، فإن الملك محمد السادس لم يشر في خطابه إلى الزيارة المرتقبة، كما لم يذكر سبتة أو مليلية بالاسم، بل ركز على الموقف المغربي من التعاون في مجال الهجرة، وعلى ضرورة بناء شراكة قائمة على الالتزام المتبادل والاحترام بعيدا عن الضغوط والابتزاز.
اترك تعليقاً