سياسة

بنساسي: تنزيل التوجيهات الملكية يقتضي تحقيق العدالة المجالية وتفعيل المسؤولية البرلمانية

بنساسي: تنزيل التوجيهات الملكية يقتضي تحقيق العدالة المجالية وتفعيل المسؤولية البرلمانية

أكد محمد بنساسي، الباحث في العلوم السياسية، أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة يطرح مجموعة من الرهانات المرتبطة بتعزيز الهوية الوطنية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير الجهوية المتقدمة، إلى جانب تجديد الشراكات الدولية وترسيخ المسؤولية الدستورية والسياسية للبرلمانيين.

وأوضح بنساسي، في تصريح لجريدة العمق المغربي خلال قراءته لمضامين الخطاب الملكي، أن التأكيد على الهوية الوطنية والرصيد التاريخي والحضاري للمملكة لا ينبغي أن يظل في حدود الاعتزاز بالانتماء، بل يتعين أن يتحول إلى حافز على تحمل المسؤولية ومواصلة العمل، بما يحقق التكامل بين التمتع بالحقوق والوفاء بالواجبات تجاه الوطن ومؤسساته ومستقبله.

النمو الاقتصادي رهين بتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية

وفي ما يتعلق بالرهانات الاقتصادية، أبرز الباحث في العلوم السياسية أن التوجيهات الملكية تؤكد ضرورة إحداث تحول نوعي في المسار التنموي للمغرب، من خلال تعزيز السيادة الاقتصادية، وتطوير البنيات التحتية، ومواصلة تنفيذ الاستراتيجيات المرتبطة بالماء والطاقة والأمن الغذائي، فضلاً عن دعم التصنيع الوطني والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وأشار بنساسي إلى أن تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات والأزمات يقتضي إرساء احتياطات استراتيجية وضمان انتظام تموين الأسواق بالمواد الأساسية، بما يضمن استمرارية تلبية حاجيات المواطنين ويحافظ على استقرار المنظومة الاقتصادية.

كما سجل أن الخطاب الملكي يمنح القطاع الخاص دوراً استراتيجياً في تحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتعزيز الصادرات، بالتوازي مع وضع الشباب في صلب السياسات العمومية، من خلال تطوير التعليم والتكوين وتيسير الإدماج الاقتصادي وضمان تكافؤ الفرص والحراك الاجتماعي.

وشدد بنساسي على أن التحدي لا يقتصر على تحقيق معدلات النمو الاقتصادي، بل يرتبط أساساً بمدى انعكاس نتائجه على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وتوسيع قاعدة المستفيدين من فرص التنمية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يجعل النمو وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين شروط العيش.

الجهوية المتقدمة تستدعي تعزيز صلاحيات الجهات ومواردها

وبخصوص التنمية الترابية، اعتبر بنساسي أن الخطاب الملكي يؤكد ضرورة الانتقال من المقاربات التنموية العامة إلى تدخلات ميدانية تستند إلى تشخيص دقيق لحاجيات كل مجال ترابي، مع العمل على تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج القادر على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل المستدامة.

وأوضح أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي تسريع تفعيل الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، من خلال نقل الاختصاصات إلى المصالح الترابية وتوفير الموارد البشرية والمالية الضرورية، إلى جانب تجاوز العراقيل التي تحد من قدرة مجالس الجهات على ممارسة اختصاصاتها وتنفيذ مشاريعها التنموية.

وأضاف أن تنزيل التوجيهات المرتبطة بالجهوية المتقدمة يستدعي أيضاً تقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني المنظم للجهات مع الطموحات التنموية للمملكة، خصوصاً على مستوى وضوح الاختصاصات، وتوسيع هامش المبادرة، وتعزيز الموارد والإمكانات التدبيرية للجهات، بما يمكنها من الاضطلاع بدورها في إعداد وتنفيذ المشاريع التنموية.

الشراكة المغربية الإسبانية تقتضي تعاوناً متوازناً يحترم السيادة الوطنية

وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، ولا سيما الشراكة المغربية الإسبانية في مجال الهجرة، أبرز بنساسي أن الخطاب الملكي يطرح الحاجة إلى مراجعة نماذج التعاون القائمة وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات والرهانات الراهنة، في إطار رؤية استراتيجية وعملية تستجيب للمصالح المشتركة.
كما أشار إلى أن الإشكالات القانونية والقضائية المرتبطة ببعض ملفات الهجرة قد تفتح المجال أمام استغلالها من قبل الشبكات الإجرامية، محذراً من توظيف هذه القضايا في خطابات سياسية وإعلامية غير مسؤولة.

وأكد أن الشراكة بين المغرب وشركائه الدوليين، بمن فيهم إسبانيا، تقوم على الاختيار السيادي والالتزام الإرادي المتبادل، ولا ينبغي أن تتحول إلى علاقة خضوع أو استجابة للضغط والتهديد والابتزاز، بما يضمن احترام المصالح الوطنية في إطار التعاون المشترك.

المسؤولية البرلمانية تتجاوز ممارسة المهام الشكلية

وعلى المستوى المؤسساتي، توقف بنساسي عند البعد الدستوري والسياسي والأخلاقي للتمثيلية البرلمانية، معتبراً أن الولاية الانتدابية ليست مجرد تفويض قانوني، بل أمانة تترتب عنها مسؤولية أمام الوطن والتاريخ، بالنظر إلى الثقة التي يضعها المواطنون في ممثليهم.

وأوضح أن التقصير في أداء المهام البرلمانية لا يمثل فقط إخلالاً بواجب مؤسساتي، بل يمس جوهر العلاقة بين النائب البرلماني والمواطنين، وما تفرضه من التزامات مرتبطة بالدفاع عن قضاياهم والانشغال بأوضاعهم وانتظاراتهم.

وشدد الباحث في العلوم السياسية على أن التمثيل الديمقراطي الفعلي يقتضي تجاوز الممارسة الشكلية للمهام البرلمانية، وتفعيل الأدوار الدستورية المرتبطة بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، بما يسهم في تحسين أداء المؤسسات والاستجابة للحاجيات المجتمعية.

وخلص بنساسي إلى أن مضامين الخطاب الملكي تضع أمام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين تحدياً أساسياً يتمثل في تحويل التوجيهات إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة، سواء تعلق الأمر بتعزيز التنمية والعدالة المجالية، أو بتطوير أداء الجهات، أو بترسيخ المسؤولية السياسية والأخلاقية في تدبير الشأن العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *