وجهة نظر

قصر المرادية وحذاقته في “صناعة العدو” !

كاتب رأي

عقيدة التهديد الخارجي

عند استعراضنا لما يعتمل داخل أروقة قصر المرادية من تهافت على اتخاذ قرارات تلو الأخرى تجاه أحداث أو وقائع معينة والنظر إليها بعين واقعية وتحليلية، يتبين أن إعلان السلطات الجزائرية عن توقيف مجموعات من المغاربة (مثل الإعلان الأخير عن توقيف العشرات في وهران) بتهم تتعلق بـ”التخطيط لأعمال تخريبية” أو استهداف الأمن العام، لا يخرج عن سياق التوظيف السياسي والأمني ، والتي جعلت منه العقلية العسكرية الجزائرية الحاكمة عقيدة لها، منذ أمد طويل.

ويمكن تلخيص الأهداف والابعاد الحقيقية خلف مثل هذه الإعلانات في عدة نقاط أساسية:

تغذية “عقيدة التهديد الخارجي”

يعتمد الخطاب الرسمي والأمني للنظام الجزائري طابع “صناعة العدو” والترويج الدائم لوجود مؤامرات خارجية تستهدف استقرار البلاد. وتشكيل شماعة دائمة تعلّق عليها مختلف الإخفاقات الداخلية أو التوترات السياسية والاقتصادية.

الاستثمار في التأزم الدبلوماسي

في ظل قطيعة دبلوماسية تامة وإغلاق مستمر للحدود، تأتي هذه القضايا لتكريس حالة العداء ومنع أي تقارب شعبي أو نفسي بين البلدين الجارين عبر إبقاء حالة التوجس والريبة قائمة في ذهن المواطن الجزائري تجاه كل ما هو مغربي.

غالباً ما تتزامن هذه البيانات الأمنية الضخمة مع محطات سياسية معينة أو أزمات معيشية واجتماعية داخلية، مما يجعل اللجوء إلى إبراز “خلايا إجرامية أو إرهابية” وسيلة كلاسيكية لتحويل أنظار الرأي العام عن المشاكل الحقيقية للداخل. وعند تحليل كيفية توظيف الروايات والبيانات الأمنية الضخمة لـ “تشتيت الانتباه الداخلي”، يلاحظ المتابعون للشأن المغاربي أسلوباً مكرراً يعتمد على توقيت إعلان الاكتشافات “التخريبية” أو “الإرهابية” ليتزامن مع أزمات اجتماعية وسياسية ضاغطة داخل الجزائر.

فيما يلي أبرز الأمثلة والنماذج للتقاطع بين البيانات الأمنية والمحطات الداخلية:

إعلانات التسلل والتخريب بالتزامن مع الضغوط المعيشية والخدماتية منها الإعلانات المتكررة عن توقيف مجموعات من العمال أو المهاجرين المغاربة (مثل قضية توقيف 61 مواطناً مغربياً بتهمة التخطيط لأعمال تخريبية).

تطفو هذه الأنباء في وسائل الإعلام الرسمية في أوقات تشهد فيها بعض الولايات الجزائرية أزمات متكررة في التزويد بالماء الشروب، أو نقصاً في بعض المواد الاستهلاكية الأساسية، أو ضغوطاً متزايدة على الخدمات العامة. الهدف منها توجيه اهتمام الرأي العام والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي نحو “التهديد الأمني الوشيك” و”المؤامرة الخارجية”، مما يجعل أي مطالبة بتحسين ظروف العيش تبدو وكأنها ثانوية أمام القضايا الأمنية الكبرى.

اتهام “أطراف خارجية” خلال أزمات حرائق الغابات (صيف 2021 وما بعدها)

تلجأ السلطات إلى إعزاء الرواية الرسمية ؛ كجزء كبير من حرائق الغابات المهولة التي شهدتها مناطق كبجاية وتيزي وزو ؛ إلى “خطط تخريبية مدعومة من المغرب وإسرائيل” وعناصر حركة “ماك” وحركة “رشاد”. وتأتي هذه الاتهامات في ظل انتقادات شعبية حادة طالت ضعف وسائل الجاهزية والتدخل الميداني، ونقص طائرات إطفاء الحرائق واللوجستيات الأمنية لمواجهة الكارثة. الهدف منها تحويل الغضب الشعبي الناتج عن سوء إدارة الأزمة نحو “عدو خارجي” مُفترض، وتجنب المساءلة السياسية حول التقصير الخدماتي.

ربط قضايا الهجرة والعمالة العادية بالملف الاستخباراتي

يمكن اعتبار التعامل مع العمال المغاربة الناشطين في مجالات البناء والديكور والصناعة التقليدية داخل الجزائر بصفة “خلايا نائمة” ، يحكمها سياق داخلي ؛ من أهم مؤشراته تفاقم معدلات البطالة بين الشباب الجزائري والتساؤلات المستمرة حول سياسات التشغيل ، وذلك بهدف إظهار المؤسسة الأمنية في مظهر الجهاز اليقظ الذي يحمي الاقتصاد والأمن الوطني، وتبرير التضييق على تحركات الأفراد وإبراز الهجرة والعمالة كملف أمني صرف وليس كحركة اقتصادية طبيعية بين شعوب المنطقة.

تظهر هذه الأمثلة كيف يُستخدم البعد الأمني والإعلامي بانتظام كأداة لإدارة الشأن الداخلي وضبط الإيقاع السياسي، من خلال إعادة توجيه النقاش العام نحو قضايا التهديد الخارجي كلما اشتدت الضغوط في الشارع.

التعامل الأمني مع الوجود البشري العادي

كثيراً ما تُقارب قضايا الهجرة السرية أو البحث عن لقمة العيش والعمل التي يقوم بها بعض الشباب المغاربة في الجزائر بمنظور أمني مبالغ فيه، وتحويلها إلى قضايا مخابراتية وتخريبية كبرى خدمة لأجندة سياسية موجهة.

بالمجمل، تبدو هذه الروايات الرسمية جزءاً من إدارة صراع طويل الأمد يعتمد على التصعيد الإعلامي والأمني الممنهج، بعيداً عن منطق حسن الجوار والتعاون الإقليمي.

إحياء عقيدة “التجسس الاختراق” خلال الانتخابات

كالإعلان عن تفكيك شبكات تجسس أو توقيف أشخاص يحملون جوازات سفر أو متهمين بالتواصل مع أجهزة أجنبية عشية محطات سياسية حساسّة (مثل الانتخابات الرئاسية أو التعديلات الدستورية).وتأتي هذه العقيدة في سياق داخلي متسم بتدني نسب المشاركة الشعبية وتراجع الحماس السياسي والتخوف من عزوف المواطنين عن صناديق الاقتراع ، وذلك بهدف خلق حالة من الاستنفرار القومي والمجتمعي تحت شعار “حماية الوطن من الاستهداف المغاربي والغربي”، لجعل خيار الاستقرار وحماية المؤسسات الأمنية والتصويت أولوية تتقدم على مطالب التغيير الديمقراطي.

تظهر هذه الأمثلة كيف يُستخدم البعد الأمني والإعلامي بانتظام ؛ في النظام العسكري الجزائري؛ كأداة لإدارة الشأن الداخلي وضبط الإيقاع السياسي، من خلال إعادة توجيه النقاش العام نحو قضايا التهديد الخارجي كلما اشتدت الضغوط في الشارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *