سياسة

بلاغ “الأعلى للحسابات” يربك مرشحين.. سباق لجمع فواتير ومبررات نفقات الحملات الانتخابية

بلاغ “الأعلى للحسابات” يربك مرشحين.. سباق لجمع فواتير ومبررات نفقات الحملات الانتخابية

أثار بلاغ صادر عن المجلس الأعلى للحسابات بشأن إلزام وكلاء اللوائح الانتخابية بإيداع حسابات حملاتهم الخاصة بالانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، حالة من الارتباك في صفوف عدد من المرشحين، بعدما وجد بعضهم صعوبات في توفير الوثائق والفواتير اللازمة لتبرير النفقات التي صُرفت خلال الحملات الانتخابية.

وأفادت مصادر عليمة لجريدة “العمق” بأن عددا من المرشحين الذين خاضوا الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، سواء الذين تمكنوا من الفوز بمقاعد برلمانية أو الذين لم يحالفهم الحظ، شرعوا في مراجعة حساباتهم الانتخابية وإعادة ترتيب ملفات النفقات، عقب تذكير المجلس الأعلى للحسابات بضرورة إيداع هذه الحسابات داخل أجل تسعين يوما من تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية للاقتراع.

وأوضحت المصادر ذاتها أن بعض وكلاء اللوائح اكتشفوا، خلال عملية تجميع المعطيات المالية الخاصة بحملاتهم، أن جزءا من المصاريف التي تكبدوها لا تتوفر بشأنه فواتير أو وثائق إثباتية جاهزة للإدراج ضمن الحسابات الانتخابية، وهو ما دفعهم إلى التحرك بشكل مستعجل لاستكمال الوثائق المطلوبة قبل انتهاء الأجل القانوني.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، فقد بادر عدد من المرشحين إلى إعادة الاتصال بالمقاولات والشركات التي تعاملوا معها خلال الحملة الانتخابية، بهدف الحصول على الفواتير والإيصالات والعقود المرتبطة بالخدمات التي استفادوا منها والمبالغ التي جرى أداؤها مقابلها.

وشملت هذه الاتصالات، وفق المصادر نفسها، مقاولات متخصصة في طباعة المنشورات والملصقات الانتخابية، وشركات تولت توفير التجهيزات والوسائل اللوجستيكية اللازمة لتنظيم الأنشطة والتجمعات التواصلية، إلى جانب جهات تكلفت بإنتاج المحتويات السمعية البصرية والخدمات الدعائية المرتبطة بالحملات.

كما امتدت التحركات إلى أصحاب القاعات التي احتضنت لقاءات انتخابية، ومقدمي خدمات النقل والتجهيز والتواصل، في محاولة لتجميع الوثائق التي تسمح بإثبات طبيعة الخدمات المقدمة وكلفتها المالية، وتحديد الجهات المستفيدة منها.

وأشارت مصادر “العمق” إلى أن بعض المرشحين وجدوا أنفسهم أمام صعوبات تتعلق بإعادة توثيق معاملات مالية أنجزت خلال فترة الحملة، خصوصا عندما لا تكون الوثائق المحاسباتية قد جُمعت بصورة منتظمة بالتزامن مع تنفيذ المصاريف.

وأكدت المصادر أن هذه الإشكالات لا تعني بالضرورة عدم أداء مستحقات مقدمي الخدمات أو صرف أموال خارج الأنشطة الانتخابية، وإنما ترتبط، في عدد من الحالات، بعدم توفر الوثائق المحاسباتية اللازمة لإثبات النفقات المصرح بها، وهو ما يطرح تحديات أمام استكمال الملفات وفق المقتضيات القانونية.

غير أن غياب الوثائق الإثباتية أو عدم تطابقها مع المبالغ والعمليات المالية المصرح بها يمكن أن يثير ملاحظات خلال عملية فحص الحسابات الانتخابية، بالنظر إلى أن المراقبة لا تقتصر على تحديد المبالغ الإجمالية المصروفة، بل تشمل أيضا التحقق من مصادر التمويل وطبيعة النفقات والوثائق التي تثبتها.

90 يوما لإيداع الحسابات الانتخابية

وكان المجلس الأعلى للحسابات قد أصدر، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، بلاغا رسميا ذكّر فيه جميع وكلاء لوائح الترشيح لانتخاب أعضاء مجلس النواب بضرورة إيداع حسابات حملاتهم الانتخابية داخل أجل تسعين يوما من تاريخ الإعلان عن النتائج النهائية لاقتراع 23 شتنبر 2026.

وأوضح المجلس أن هذه الحسابات يتعين أن تتضمن بيانا بمصادر تمويل الحملات الانتخابية، وجردا للمصاريف المنجزة، إلى جانب الجداول والوثائق الملحقة بها، طبقا لمقتضيات المادة 95 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما جرى تغييره وتتميمه، ولا سيما بالقانون التنظيمي رقم 53.25.

ويستند هذا الإجراء إلى أحكام الفصل 147 من الدستور، الذي أناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة فحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية، بما يجعل تقديم الحسابات الانتخابية جزءا من الالتزامات القانونية المترتبة عن المشاركة في الاستحقاقات التشريعية.

وبحسب المسطرة التي حددها المجلس، يتعين على وكلاء اللوائح إيداع حساباتهم إلكترونيا عبر المنصة الرقمية المخصصة لهذا الغرض، مع تعبئة البيانات المتعلقة بمصادر تمويل الحملة وجرد المصاريف والجداول الملحقة. كما يُلزم المعنيون بطبع نسخة من الحساب المودع إلكترونيا وتوقيعها، ثم إيداع الملف في شكله المادي، مقابل وصل، لدى كتابة ضبط المجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الجهوي للحسابات المختص ترابيا.

ويجب أن يتضمن الملف المادي الوثائق المثبتة لمصاريف الحملة الانتخابية، والتصريح بالشرف بصحة المعطيات المصرح بها، ووثيقة إثبات الترشيح، وكشوفات الحساب البنكي المخصص للحملة الانتخابية.

مراقبة مصادر التمويل وأوجه الصرف

وتعيد الصعوبات التي يواجهها بعض المرشحين، وفق مصادر الجريدة، النقاش بشأن مدى انتظام تدبير الشؤون المالية للحملات الانتخابية، ومدى اعتماد آليات واضحة لتوثيق المعاملات منذ انطلاق الأنشطة الدعائية، عوض تأجيل تجميع الفواتير والمستندات إلى ما بعد إعلان النتائج.

وتكتسي هذه المسألة أهمية بالنظر إلى تعدد أوجه الإنفاق خلال الحملات الانتخابية، التي تشمل طباعة المنشورات والملصقات، وتنظيم الاجتماعات والتجمعات، وإنتاج المحتويات الرقمية والسمعية البصرية، وكراء القاعات والمعدات، وتوفير خدمات النقل والتواصل واللوجستيك.

وتستدعي هذه النفقات الاحتفاظ بالوثائق التي تسمح بتتبع العمليات المالية، وربط المبالغ المصرح بها بالخدمات المنجزة فعليا، بما يتيح للمجلس الأعلى للحسابات فحص مدى احترام الضوابط المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية.

وفي هذا السياق، تكتسي المقتضيات القانونية المتعلقة بتبرير استعمال المساهمات العمومية أهمية خاصة، إذ ينص القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب على ضرورة تبرير صرف المبالغ المتأتية من مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأغراض المخصصة لها، أو إرجاع المبالغ غير المبررة إلى الخزينة، وفق الشروط القانونية المعمول بها.

ولا يعني مجرد البحث المتأخر عن الفواتير ثبوت ارتكاب مخالفة مالية أو انتخابية، إذ يظل تحديد مدى قانونية النفقات ومدى كفاية الوثائق المقدمة مرتبطا بنتائج الفحص الذي تباشره الجهات المختصة. وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن مدى استعداد وكلاء اللوائح للوفاء بالتزاماتهم المحاسباتية، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تأطير مرشحيها في الجوانب المتعلقة بتدبير الموارد المالية للحملات الانتخابية وتوثيق مصاريفها.

وفي انتظار استكمال عملية إيداع الحسابات الانتخابية وفحصها، يبقى الحسم في مدى احترام المرشحين للقواعد المنظمة لتمويل الحملات مرتبطا بالمعطيات والوثائق التي سيقدمونها، وبالنتائج التي سيسفر عنها افتحاص المجلس الأعلى للحسابات، في إطار اختصاصاته الدستورية والقانونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *