شاحنات وورشات تحول حياة سكان حي بأكادير إلى جحيم.. وحرفيون يتمسكون بأرزاقهم (فيديوهات)

تتواصل معاناة عدد من سكان حي بئر أنزران، بلوك 11 بمنطقة تيكوين التابعة لمدينة أكادير، بسبب انتشار شاحنات الوزن الثقيل والمقطورات والأنشطة الحرفية داخل الحي السكني، في مقابل تشبث المهنيين والحرفيين بحقهم في مواصلة أنشطتهم، ومطالبتهم بتسريع إحداث منطقة صناعية مجهزة تستوعبهم وتضع حدا للإشكالات القائمة.
وبينما يشتكي السكان من الغبار والضجيج والروائح المنبعثة من بعض الورشات، فضلا عن صعوبة التنقل وانتشار الكلاب الضالة، يؤكد المهنيون أن أنشطتهم توفر فرص شغل لعدد من العمال والمتدربين، وأن معالجة هذا الملف لا ينبغي أن تتم عبر إغلاق المحلات أو ترحيل أصحابها دون توفير بديل مناسب، مشددين على ضرورة إيجاد حل يوازن بين حق السكان في الراحة وحق المهنيين في الحفاظ على مصادر رزقهم.
وقال عدد من سكان الحي، في تصريحات لجريدة العمق المغربي، إن معاناتهم مع شاحنات الوزن الثقيل والمقطورات تعود إلى سنة 1994، مؤكدين أن هذه المركبات أصبحت تحتل أجزاء من الفضاءات المحيطة بمنازلهم، فيما تحولت بعض المحلات إلى ورشات للحدادة والنجارة وصباغة السيارات والشاحنات، وهو ما جعل الحي، بحسب تعبيرهم، يفقد تدريجيا طابعه السكني.
وأوضح المتحدثون أن تحرك الشاحنات واستقرارها لفترات طويلة يتسببان في تصاعد الغبار وانتشار الأتربة، بينما تزيد الآلات والمعدات المستعملة داخل الورشات من حدة الضجيج، الذي قالوا إنه يستمر أحيانا إلى ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذي يحرم الأسر من الراحة ويجعل الاستمتاع بالهدوء داخل المنازل أمرا صعبا.
وأضافوا أن الروائح المنبعثة من أنشطة صباغة السيارات والشاحنات تزيد من حجم معاناتهم، مشيرين إلى أنهم أصبحوا مضطرين إلى إبقاء نوافذ منازلهم مغلقة تفاديا لدخول الغبار والروائح، في وضع وصفوه بغير المقبول، خصوصا بالنسبة إلى الأسر التي تضم أطفالا وكبار السن.
وتحدث أحد السكان عن معاناته الشخصية مع هذه الأوضاع، مشيرا إلى أنه خضع لعملية جراحية على مستوى العينين، وأن الغبار والضجيج والروائح المتواصلة تؤثر على ظروف عيشه، رغم كونه متقاعدا كان يأمل في قضاء وقته داخل منزله في أجواء يسودها الهدوء والراحة.
ولفت المتحدثون إلى أن بعض الشاحنات والمقطورات تظل مركونة في المكان لسنوات، معتبرين أن استمرار هذا الوضع يحد من إمكانية استغلال الفضاءات المحيطة بالمنازل لأغراض أخرى، من بينها إحداث فضاء ترفيهي للأطفال، في ظل ما وصفوه بغياب متنفس مناسب للصغار داخل الحي.
كما أشاروا إلى أن المنطقة تستقطب شاحنات قادمة من مناطق مختلفة، بل ومن خارج المغرب، حيث يتخذ بعض أصحابها المكان محطة للركن والاستراحة، في ظل غياب تنظيم مناسب لهذا النشاط، بحسب تصريحاتهم.
ولم تقتصر شكاوى السكان على التلوث والضجيج، بل امتدت إلى صعوبة التنقل عبر بعض الممرات التي تحتلها الشاحنات والمقطورات، ما يضطرهم إلى سلوك طرق أطول لقضاء أغراضهم اليومية والإدارية. وأكدوا أن هذه الوضعية تزيد من متاعب التلاميذ وأولياء أمورهم أثناء التنقل نحو مدرسة المصامدة، التي يتابع بها عدد من أبناء الحي دراستهم.
كما أعرب المتحدثون عن قلقهم إزاء انتشار الكلاب الضالة، وما يثيره ذلك من مخاوف لدى السكان، خصوصا خلال الليل، مطالبين بتدخل الجهات المعنية لمعالجة مختلف مظاهر الضرر التي تؤثر على الحياة اليومية داخل الحي.
وأكد السكان أنهم سبق أن تقدموا بشكايات بشأن هذه المشاكل، دون أن يلمسوا، بحسب تصريحاتهم، تغييرا ملموسا ينهي معاناتهم، موجهين نداء إلى السلطات المحلية والمنتخبين من أجل التدخل العاجل وإبعاد الشاحنات والمقطورات عن الحي السكني، وإعادة تنظيم الأنشطة الحرفية بما يضمن احترام حق الأسر في الراحة والعيش في بيئة سليمة.
وشددوا على أن مطلبهم لا يستهدف الإضرار بأصحاب الشاحنات والحرفيين أو المساس بأرزاقهم، وإنما يروم إيجاد حل يوازن بين مصالح المهنيين وحق السكان في الاستفادة من محيط سكني ملائم، مع استغلال الفضاءات المعنية في إحداث متنفس ترفيهي لفائدة الأطفال.
في المقابل، دافع ممثلون عن المهنيين والحرفيين المشتغلين بالمنطقة عن حقهم في مواصلة أنشطتهم، مؤكدين أن بئر أنزران وتيكوين عموما تضمان عددا كبيرا من الحرفيين والشركات المتخصصة في إصلاح شاحنات الوزن الثقيل، تشمل الميكانيك والسمكرة والكهرباء وغيرها من الخدمات المرتبطة بصيانة المركبات.
وأوضح المتحدثون أن هذه الأنشطة توفر فرص شغل لعدد من العمال والمتدربين، وتسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، مشيرين إلى أن بعض المهنيين يزاولون أنشطتهم بالمنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي، وأن عددا منهم يرتبط بالتزامات مالية ومهنية تشمل كراء المحلات وأداء الأجور والضرائب والواجبات الاجتماعية.
واعتبروا أن التعامل مع هذا الملف يقتضي استحضار الامتداد التاريخي لهذه الأنشطة، إلى جانب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للعاملين بها، مؤكدين أن إغلاق الورشات أو فرض الترحيل دون توفير فضاءات بديلة من شأنه أن يهدد مصادر عيش عدد من الأسر.
وفي ما يتعلق بالفضاءات التي تستغلها بعض الورشات، أوضح ممثلو المهنيين أن أجزاء من المنطقة توجد فوق أراض خاصة، قالوا إن ملاكها سمحوا باستغلالها إلى حين إيجاد حلول نهائية لهذا الملف، مشددين على أن عددا من الحرفيين يكتَرون محلاتهم من ملاكها، ويؤدون مقابل ذلك واجبات شهرية.
وأكدوا أن المهنيين لا يرفضون الانتقال إلى منطقة مخصصة لأنشطتهم، وإنما يطالبون بتوفير بديل مناسب قبل اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يؤثر على استمرارية عملهم، معتبرين أن الحل ينبغي أن يكون منظما وتدريجيا، مع مراعاة القدرة المالية للحرفيين الصغار.
وكشف ممثلو المهنيين عن وجود تحركات واجتماعات سابقة مع مسؤولين ومؤسسات معنية، من بينها ولاية جهة سوس ماسة والمجلس الجماعي للدراركة وغرفتا الصناعة التقليدية والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب ممثلين عن المهنيين، بهدف إيجاد حل لهذا الملف.
وأشاروا إلى أن المشاورات أفضت إلى اتفاق بشأن نقل المهنيين إلى منطقة مخصصة للأنشطة الصناعية والحرفية بالدراركة، مع الحديث عن تخصيص وعاء عقاري تبلغ مساحته حوالي 20 هكتارا، بما يسمح بإحداث فضاء يستجيب لحاجياتهم المهنية ويوفر شروطا أفضل لممارسة أنشطتهم.
وعبر المتحدثون عن شكرهم لوالي جهة سوس ماسة، سعيد أمزازي، على استقبالهم والاستماع إلى مطالبهم، كما نوهوا بتفاعل المسؤولين والهيئات المهنية مع هذا الملف، معربين عن أملهم في تسريع إخراج المشروع إلى حيز التنفيذ.
وشددوا على أن إحداث المنطقة الصناعية يظل الحل الذي يعولون عليه لإنهاء الإشكال، شريطة أن تكون تكاليف الاستفادة من محلاتها وفضاءاتها في متناول الحرفيين، وأن تستوعب مختلف المهنيين المعنيين دون إقصاء، بالنظر إلى صعوبة تحمل تكاليف الانتقال إلى فضاءات جديدة في ظل ارتفاع المصاريف المرتبطة بالكراء والأجور والضرائب.
كما طرح المتحدثون إمكانية الاستفادة من منطقة اللوجستيك الموجودة بالمنطقة، باعتبارها خيارا آخر يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط، مؤكدين استعداد المهنيين لدراسة حلول الانتقال متى توفرت الشروط اللازمة والتراخيص المطلوبة.
وفي معرض ردهم على شكاوى السكان، أقر ممثلو المهنيين بحق الأسر في العيش في ظروف يسودها الهدوء والراحة، لكنهم شددوا على ضرورة مراعاة مصالح العاملين في هذه الأنشطة، وعدم تحميلهم وحدهم مسؤولية وضعية يقولون إنها تشكلت على مدى سنوات طويلة.
واعتبروا أن عددا من المهنيين استقروا بالمنطقة قبل مجيء بعض السكان إليها، فيما التحق آخرون بها عن طريق كراء المحلات من ملاكها، مؤكدين أن استمرار الأنشطة الحرفية لم يكن أمرا طارئا، وأن معالجة الإشكال تستوجب حلا عمليا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المنطقة وتطورها العمراني.
وفي ما يخص الضجيج الذي يشتكي منه السكان، أكد المتحدثون أنهم يوجهون توصيات إلى المهنيين من أجل اتخاذ الاحتياطات اللازمة والحد من الأصوات المزعجة، مشيرين إلى أنهم يدعونهم إلى احترام فترات الراحة والعمل على تفادي السلوكيات التي قد تتسبب في توتر العلاقة مع الجيران.
كما نفى أحد المتحدثين وجود عمل منتظم يوم الأحد داخل الورشات، داعيا إلى تحديد الحالات التي قد تشهد استثناءات، ومؤكدا أن ممثلي المهنيين مستعدون لمواصلة توجيه العاملين نحو احترام ضوابط العمل ومراعاة ظروف السكان في انتظار إيجاد حل نهائي.
وحذر ممثلو المهنيين من أن أي قرار بإنهاء أنشطتهم أو إبعادهم عن المنطقة دون توفير بديل مناسب قد تكون له انعكاسات اجتماعية واقتصادية، بالنظر إلى عدد العاملين الذين يعتمدون على هذه الورشات في توفير دخلهم اليومي.
وأوضحوا أن بعض المحلات تشغل أربعة عمال أو أكثر، إلى جانب المتدربين الذين يستفيدون من التكوين المهني داخل الورشات، معتبرين أن هذه الأنشطة تساهم في امتصاص البطالة وتمكين عدد من الشباب من اكتساب مهارات مهنية تؤهلهم للاندماج في سوق الشغل.
وأضافوا أن بعض المهنيين يتوفرون على شركات ويؤدون الضرائب والواجبات الاجتماعية والتزاماتهم القانونية، ما يجعلهم يطالبون بأن تتم معالجة الملف في إطار يحفظ استمرارية المقاولات الصغيرة والحرفية، ويضمن في الوقت ذاته احترام حقوق السكان المجاورين.
ولوح ممثلو المهنيين بإمكانية تنظيم وقفات احتجاجية أو نقل مطالبهم إلى الرباط في حال استمرار الضغط عليهم دون تسريع الحل المتفق بشأنه، مؤكدين أن مطلبهم الأساسي يتمثل في توفير منطقة مهنية مجهزة وبأسعار مناسبة، تسمح لهم بمواصلة أنشطتهم في ظروف أفضل.
وبين مطالب السكان بإبعاد مصادر الإزعاج والتلوث عن محيطهم السكني، وتمسك المهنيين بحقهم في العمل إلى حين توفير بديل مناسب، يبقى ملف بئر أنزران بتيكوين مفتوحا على ضرورة تدخل الجهات المعنية لتسريع الحلول المقترحة، بما يضمن تحسين ظروف عيش السكان والحفاظ على فرص الشغل التي توفرها الأنشطة الحرفية، بعيدا عن استمرار التوتر بين الطرفين.
اترك تعليقاً