منتدى العمق

تضامنا مع الوزيرة كوكوس!

إسماعيل الحلوتي

منذ سنوات لم أشهد هجوما على أعضاء الحكومات المتعاقبة بالقدر الذي يتعرض له أعضاء أول حكومة في تاريخ المغرب تقودها امرأة: فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب “الجرار”. إذ أنه بمجرد ما إن انتهت مراسيم التعيين الملكي يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، حتى انطلقت حلقات التنمر على عدد من الوزراء والوزراء المنتدبين، وارتفعت حرارته يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 إثر إعفاء الوزيرة المنتدبة لدى وزير التربية الوطنية، المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، القيادية بحزب “الميزان” في ظرف لا يتجاوز 48 ساعة على تعيينها، على خلفية تداول معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي على مواقع التواصل الاجتماعي…

وقد أثار قرار الإعفاء السريع جدلا واسعا حول طبيعة المعايير المعتمدة في انتقاء أعضاء الحكومة، وأطلقت حملة واسعة تستهدف أسماء بعينها وتطالب رئيسة الحكومة باقتراح إقالتها، لما يلاحقها من شبهات فساد وغيره، مما يمس بشروط النزاهة والاستقامة في تحمل المسؤولية الحكومية. ونجد من بين هؤلاء المستهدفين وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، ورئيسة المجلس الوطني للحزب الأغلبي “نجوى كوكوس”، التي ما فتئت تتعرض لهجوم ممنهج من التشهير والمس بالسمعة والعنف الرقمي حتى قبل الاستوزار، إذ أن هناك عدة صفحات تنعتها بالراقصة المائعة، والوسيطة في الفساد الأخلاقي، عبر إحياء ليالي حمراء ماجنة لبعض الفاعلين السياسيين من حزب “الجرار” وسواهم منذ عام 2020.

والحال أن الوزيرة “كوكوس” ليست سوى واحدة من بنات الشعب، التي تنحدر من الحي الشعبي درب السلطان بمدينة الدار البيضاء، تابعت تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي بمؤسسات عمومية، ثم التحقت بالجامعة لاستكمال دراساتها العليا في شعبة القانون بنفس المدينة، ومن ثم حصلت على الإجازة في القانون التي مهدت لها الطريق نحو مهنة المحاماة بهيئة الدار البيضاء، حاصلة كذلك على ماستر في التوجهات الحديثة للقانون الدولي، وماستر في العلوم الجنائية وحقوق الإنسان. وهي متزوجة وأم لطفلين، سطع نجمها في سماء السياسة داخل حزب “الجرار”، الذي التحقت به منذ بداياته الأولى، وتدرجت في عدة مسؤوليات تنظيمية من ضمنها قيادة “منظمة الشباب” عام 2015، وانتخبت رئيسة للمجلس الوطني للحزب عام 2024 خلفا لفاطمة الزهراء المنصوري، وعضوة في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية (2021/2026)، كما أنها تولت رئاسة مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بالمساواة والمناصفة، وترأست مجموعة الصداقة البرلمانية المغربية/القطرية، إلى جانب عدة أنشطة برلمانية دولية.

وعلى خلفية تلك الحملة الرقمية المغرضة التي ما انفكت تستهدفها، انبرت لها عدة فعاليات مدنية ومنظمات حقوقية للدفاع عنها، رافضة التمادي في التنمر عليها والحط من معنوياتها، واصفة هذه الحملات المسعورة بأنها “عنف سياسي وانتخابي ورقمي ضد النساء” في محاولة يائسة للتأثير على مسارها السياسي والتشويش على أدائها الحكومي، مما أدى بفدرالية رابطة حقوق النساء في المغرب إلى الدخول على الخط، محذرة من مغبة الاستمرار في هكذا عنف رقمي وسياسي ضد النساء المنخرطات في الحياة السياسية، معتبرة أن حملات التشهير والتشويه والتجييش التي تستهدف هؤلاء النساء، لا تقتصر آثارها فقط على المس بسمعتهن، بل تتجاوز ذلك وتتحول إلى أداة إقصاء وتأثير على مشوارهن المهني والسياسي…

فالخوض في أعراض الناس يعد من بين أبرز الكبائر المحرمة تحريما قطعيا، إذ لا يجوز المساس بالآخرين مثل اتهام شخص ما بالزنا أو الفاحشة دون أدلة شرعية وتشويه سمعته والبحث عن سقطاته وزلاته إن وجدت فعلا، ونشرها بين الناس أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما أن الدين الإسلامي أولى أهمية كبرى لحفظ كرامة الإنسان وسمعته، وقد نبه سيد الخلق النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام إلى خطورة ملاحقة عورات الناس والبحث عن عيوبهم، مشددا على أن من يستهين بذلك، إنما يسعى إلى هتك الستر عن نفسه، وأنه إذا ما تمادى في ذلك، فإن الله تعالى سوف يفضحه حتى ولو كان في جوف بيته، حيث قال: “لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإن من طلب عورة أخيه المسلم، طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته”

إن ما يحز في النفس هو أن تدخل امرأة غمار الحياة السياسية ليس بهدف الارتقاء الاجتماعي وتحقيق امتيازات شخصية، بل من أجل خدمة المواطنات والمواطنين عبر المشاركة في تدبير الشأن العام من موقع المسؤولية في البرلمان أو الحكومة، والعمل جاهدة على محاولة النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد والعباد، من قبيل إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، خلق فرص الشغل للعاطلين، الحد من معدلات الفقر وتوفير العدالة الاجتماعية والمجالية، مكافحة مختلف مظاهر الريع والفساد وغير ذلك كثير، بيد أنه بدل الحرص على تشجيعها واحترام مساعيها النبيلة، لما تقدمه من تضحيات ونكران الذات، تقابل جهودها المضنية في القيام بمهامها بالانتقادات اللاذعة التقليل من شأنها وتشويه سمعتها…

وإذ نعلن عن تضامننا المطلق مع الوزيرة نجوى كوكوس وغيرها من المسؤولين الحكوميين، رغم أنها تملك ما يكفي من الجرأة والقدرة على الدفاع عن نفسها، انطلاقا مما راكمته من خبرة وحنكة سواء في الحياة المهنية كمحامية أو الحياة السياسية كرئيسة المجلس الوطني في الحزب الفائز بتشريعيات 2026، فإننا ندعو إلى ضرورة التصدي للحملات الرقمية المغرضة والضرب بيد من حديد على كل من تسمح له نفسه بالخوض في أعراض الناس على اختلاف مواقعهم الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *