تراجع رهانات “الاستفتاء” وتوسع التمثيل الصحراوي.. حامي الدين يفكك تحولات ملف الصحراء

أكد عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن مستجدات أكتوبر 2026 تكشف عن تحولات مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية، في ظل تنامي مركزية مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها إطارا أساسيا للمفاوضات، مقابل بروز نقاشات جديدة بشأن مستقبل الاستفتاء وإعادة تعريف مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء.
وأوضح حامي الدين، في قراءة تحليلية للتطورات الأخيرة أدلى بها لموقع “عربي 21″، أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، والوثائق المتعلقة بمستقبل البعثة الأممية، يعكسان توجها متزايدا نحو الانتقال من تبادل المواقف السياسية إلى مناقشة الشروط المؤسساتية والقانونية والعملية الكفيلة بالتوصل إلى حل سياسي متوافق عليه.
وسجل أن القرار الأممي رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، وما أعقبه من تحركات سياسية ومفاوضات بين الأطراف، أدخلا الملف مرحلة جديدة، قوامها البحث عن تسوية قابلة للتطبيق تستند إلى إطار تفاوضي واضح، وتضمن مشاركة الصحراويين في تقرير مستقبلهم، وتحظى بالتوافق الإقليمي والضمانات الدولية.
الحكم الذاتي ينتقل من مبادرة تفاوضية إلى إطار مركزي للحل
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية أن أبرز ملامح التحول الجاري تتمثل في تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية داخل المسار السياسي، بعدما جعل القرار 2797 المقترح المغربي أساسا للمفاوضات، ودعا الأطراف إلى الانخراط فيها دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول بشكل متبادل.
وأوضح أن أهمية هذا التطور تكمن في نقل النقاش من التمسك بمواقف نهائية متعارضة إلى البحث عن صيغة مؤسساتية قابلة للتطبيق، بما يفتح المجال أمام مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي، وحدود الاختصاصات، وطبيعة المؤسسات الإقليمية وعلاقتها بالسلطات المركزية، فضلا عن الضمانات المرتبطة بممارسة الصلاحيات وتوفير الموارد اللازمة.
وشدد حامي الدين على أن وصف الحكم الذاتي بـ”الحقيقي” يقتضي تحديد مجالات الاختصاص الإقليمي، والموارد المالية الضرورية لممارستها، والعلاقة بين السلطات المحلية والمركزية، إلى جانب ضمانات الحقوق والحريات وآليات الرقابة القضائية وسبل تسوية الخلافات المرتبطة بتفسير الاتفاق وتنفيذه.
وفي المقابل، نبه إلى أن اعتماد الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات لا يعني أن جميع تفاصيله حسمت، أو أن الأطراف وافقت بالفعل على الصيغة النهائية للتسوية، مؤكدا أن تثبيت هذا الإطار يظل مرتبطا بالتوافق بشأن الآليات التي ستضمن مشاركة السكان في إقرار الاتفاق.
مستقبل الاستفتاء.. تراجع المركزية دون إلغاء نهائي
وبخصوص موقع الاستفتاء في مسار التسوية، أوضح حامي الدين أن هذه المسألة تظل من أكثر القضايا حساسية، بالنظر إلى ارتباطها التاريخي بتأسيس بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو” سنة 1991، في إطار خطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء، إلى جانب مهام مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار.
وأشار إلى أن تعثر هذا المسار بسبب الخلافات المتعلقة بشروط تنظيم الاستفتاء دفع المنتظم الأممي تدريجيا إلى التركيز على البحث عن حل سياسي تفاوضي يحظى بقبول الأطراف.
وفي هذا السياق، دعا إلى التمييز بين الاستفتاء باعتباره جزءا من الخلفية التاريخية لتأسيس البعثة الأممية، والاستفتاء كآلية لتحديد الوضع النهائي للإقليم، وبين التشاور مع السكان باعتباره عنصرا أساسيا في إضفاء الشرعية على التسوية السياسية.
وأكد أن القرار 2797 لم يعلن إلغاء مبدأ تقرير المصير، كما لم يحسم بصورة نهائية جميع المسائل الإجرائية المرتبطة بممارسة هذا الحق، وإنما جعل مقترح الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول بشكل متبادل.
واعتبر أن هذا التوجه يعكس انتقال مركز الاهتمام الأممي من الاستفتاء باعتباره الآلية المحورية لتحديد الوضع النهائي، إلى البحث عن تسوية سياسية يمكن أن تتضمن ترتيبات أخرى للتعبير عن إرادة السكان.
غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين تراجع مركزية الاستفتاء في المسار التفاوضي وبين الإلغاء الصريح والنهائي لهذه الآلية، موضحا أن إثبات الإلغاء يحتاج إلى سند واضح في القرارات والوثائق المعتمدة، ولا يكفي فيه مجرد تغيير أولويات التفاوض أو تعديل مهام البعثة الأممية.
وأضاف أن هذا النقاش يكتسب أهمية خاصة عند استحضار المبادرة المغربية لسنة 2007، التي نصت على عرض نظام الحكم الذاتي على السكان المعنيين في استفتاء حر، ما يجعل السؤال المطروح حاليا مرتبطا بكيفية عرض النظام المتفاوض بشأنه على الصحراويين، وطبيعة الآلية التي ستضمن موافقتهم عليه.
إعادة تعريف المينورسو.. من مهمة الاستفتاء إلى مواكبة العملية السياسية
وفي ما يتعلق بمستقبل بعثة الأمم المتحدة، سجل حامي الدين أن النقاش الجاري بشأن المينورسو يتجاوز مسألة تغيير التسمية، ليطرح سؤالا أوسع يتعلق بإعادة تحديد وظيفتها بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها المسار السياسي.
وأوضح أن البعثة، التي تأسست في إطار خطة تضمنت تنظيم الاستفتاء، أصبحت تؤدي أدوارا أوسع في إدارة الوضع الميداني ومراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة المساعي السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن مشروع القرار المعروض يتضمن تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، وتغيير اسمها ابتداء من فاتح نوفمبر 2026 إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية” (MINUSO)، إلى جانب تكليف الأمين العام بتقديم مقترحات بشأن تقليص عدد الأفراد النظاميين، وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها، وإعادة النظر في الموارد وترتيبات إعداد التقارير ومراقبة وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية.
واعتبر أن اعتماد هذه المقتضيات من شأنه أن يشكل تحولا مؤسساتيا مهما، يعكس إعادة مواءمة البعثة مع مرحلة تفاوضية تركز على دعم العملية السياسية ومراقبة الوضع الميداني، بدل الإبقاء على اسمها الأصلي باعتباره تعبيرا عن مهمة الاستفتاء وحدها.
وفي هذا الإطار، أبرز أهمية المراجعة الاستراتيجية التي طلبها مجلس الأمن في القرار 2797، والتي ربطت النظر في مستقبل البعثة بنتائج العملية السياسية، بما يستدعي تحديد المهام التي ستظل ضرورية خلال المرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها مراقبة وقف إطلاق النار، وتيسير الاتصالات بين الأطراف، ودعم المساعي الدبلوماسية، وتوفير المعطيات الميدانية اللازمة لتقييم الوضع.
توسيع المشاورات لإشراك أصوات صحراوية خارج الأطراف المتفاوضة
ومن بين التحولات التي توقف عندها حامي الدين، توجه المبعوث الشخصي للأمين العام نحو توسيع دائرة التشاور لتشمل مكونات وشخصيات صحراوية خارج الأطراف المفاوضة، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات، مع إدراج خلاصات هذه المشاورات ضمن تقارير الأمين العام للأمم المتحدة.
وأوضح أن أهمية هذه الخطوة تكمن في وضع مسألة التمثيل السياسي في صلب عملية التسوية، بالنظر إلى أن النزاع لا يرتبط فقط بمواقف الحكومات والقيادات السياسية، بل يتصل أيضا بمستقبل مجموعات سكانية عاشت انقساما جغرافيا وسياسيا ممتدا، وتباينت تصوراتها بشأن الحل الممكن.
وسجل أن الاقتصار على الأطراف المتفاوضة لا يعكس بالضرورة تطلعات مختلف مكونات المجتمع الصحراوي، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين التمثيل التفاوضي الرسمي، الذي يتولى مهمة التوصل إلى الاتفاق، والتمثيل المجتمعي الأوسع، الذي يساهم في اختبار مدى قبول الصيغة المقترحة وواقعيتها الاجتماعية.
وأضاف أن هذه المشاورات يمكن أن تشمل الفاعلين المدنيين والمنتخبين المحليين والفاعلين الاقتصاديين والنساء والشباب والشخصيات الأكاديمية والحقوقية، فضلا عن الصحراويين الموجودين في مخيمات اللاجئين وفي الشتات.
كما ربط هذه المسألة بموضوع العودة الطوعية للاجئين وإعادة الإدماج، معتبرا أن نجاح هذه العمليات لا يتوقف على الاتفاق على ترتيبات إدارية فحسب، بل يتطلب ضمانات تتعلق بحرية الاختيار ولم شمل الأسر وحماية الحقوق وتوفير شروط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد في هذا السياق أهمية التسجيل الدقيق للاجئين وتقييم احتياجاتهم، مع ضمان حرية التنقل والوصول الإنساني، مشيرا إلى أن توسيع دائرة المشاورات، إذا جرى بصورة جادة ومتوازنة، يمكن أن ينقل التسوية من مجرد اتفاق بين القيادات إلى عملية تحظى بشرعية مجتمعية أوسع.
التفاهم الإقليمي.. شرط لاستدامة التسوية السياسية
وعلى المستوى الإقليمي، شدد حامي الدين على أن مستقبل قضية الصحراء لا يمكن فصله عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بها، وفي مقدمتها العلاقات المغربية الجزائرية، وموقع موريتانيا، والتوازنات القائمة بمنطقة الساحل والمغرب العربي.
وأوضح أن المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة توفر الإطار الدولي لتيسير التسوية، لكنها تحتاج في المقابل إلى إرادة سياسية إقليمية تسمح بتحويل الاتفاقات المحتملة إلى واقع مستقر.
وفي هذا السياق، اعتبر أن حضور الجزائر في المسار التفاوضي يظل أساسيا بالنظر إلى دورها في النزاع وعلاقاتها مع جبهة البوليساريو، مشيرا إلى أن نجاح المفاوضات لا يتوقف فقط على قدرة المغرب والبوليساريو على تقريب مواقفهما، بل يرتبط أيضا بمدى استعداد الجزائر للانخراط في تسوية قابلة للتنفيذ.
ومع ذلك، نبه إلى أن التفاهم الإقليمي لا ينبغي أن يفهم باعتباره شرطا يسبق كل تقدم أممي، أو أن يختزل في تسوية ثنائية بين المغرب والجزائر تحل محل إرادة الأطراف المعنية.
وأوضح أن المطلوب هو تحقيق التكامل بين ثلاثة مستويات، يتمثل أولها في التوصل إلى اتفاق سياسي بين الأطراف المعنية، وثانيها توفير ضمانات أممية لتنفيذ التسوية، وثالثها تهيئة بيئة إقليمية تساعد على استدامتها.
كما أبرز أهمية موقع موريتانيا في هذا المسار، ليس فقط بحكم حضورها الدبلوماسي، وإنما أيضا بالنظر إلى ارتباط استقرار المنطقة بمصالحها الاقتصادية والأمنية، معتبرا أن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تشكل مدخلا لبناء الثقة وتعزيز التعاون العملي، بعيدا عن توظيفها في سجالات السيادة أو تأجيج الخلافات.
وعلى الصعيد الدولي، أكد أن استمرار دور الأمم المتحدة يظل ضروريا لتوفير الشرعية الإجرائية للمفاوضات ومواكبة الالتزامات ومراقبة الوضع الميداني، فيما يعكس انخراط الولايات المتحدة في تيسير المحادثات أهمية الوساطة الدولية في تقريب وجهات النظر، دون أن يعفي ذلك الأطراف من مسؤوليتها في التوصل إلى اتفاق وقبول تبعاته.
تقدم في إطار التفاوض لا يعني حسم النزاع
وخلص حامي الدين إلى أن مستجدات أكتوبر 2026 تكشف عن تحول مهم في مقاربة قضية الصحراء، من خلال انتقال مبادرة الحكم الذاتي المغربية إلى موقع المحور الأساسي للمفاوضات، بالتوازي مع طرح أسئلة جديدة بشأن مضمونها المؤسساتي، ومستقبل الاستفتاء، وإعادة تعريف مهام البعثة الأممية، وتوسيع دائرة التشاور مع الصحراويين، فضلا عن ضرورة توفير بيئة إقليمية تضمن استدامة التسوية.
غير أنه شدد على أن هذه التحولات لا تسمح بالجزم بأن النزاع قد حسم، أو بأن جميع الأطراف وافقت على الصيغة النهائية للحكم الذاتي، مبرزا أن التقدم في تحديد إطار التفاوض لا يعادل الاتفاق على تفاصيله، كما أن تغيير مهام البعثة الأممية لا يغني عن حسم القضايا القانونية والسياسية المرتبطة بالحل النهائي.
وأكد أن الرهان الأساسي يظل هو قدرة الأطراف على إنهاء نزاع طال أمده، وبناء مؤسسات مستقرة تضمن الحقوق، وتحويل المصالح الاقتصادية والجغرافية المشتركة إلى قاعدة للتعاون والاعتماد المتبادل، بما يخدم آفاق بناء المغرب العربي الكبير وتطلعات شعوب المنطقة.
اترك تعليقاً