المرأة التي نريد…(2)
https://al3omk.com/126427.html

المرأة التي نريد…(2)

ما جعلني أواصلُ الخوض في هذا الموضوع، هو الغضب الجاثم على قلبي والذي  لم يعرف الخروج إلا بهذه الطريقة، يحضرني مشهد تكرر مرارا أمامي، أبطاله مجموعة ذكور وضحيته أنثى، المشهد يتكرر بنفس التفاصيل، أنثى تغادر المكان والذكور يبدؤون في جلدها، بعضهم يتحدث عن سمعتها “السيئة”، والبعض الآخر يتحدث عن علاقاتها المشبوهة، والبعض الآخر يتحدث عن فتوحاته البطولية فوق تضاريس جسدها… والغريب في الأمر أنه في حضورها الكل يتحدث بحميمية واحترام كبيرين… وهذا دليل على أن ذلك الكلام هو ربما انتقاما من رفضها لهم وإرضاء لغرورهم وكبتهم!!! وأنا التي تكتب هذه الكلمات عانيت من هذه الأحكام ولازلت أعاني…

ما يثير انتباهي ليس هذا السلوك الذي تعودت على مشاهدته، بل كيف يمكن لشخص أن يعطي لنفسه الحق لمحاكمة شخص آخر غيابيا، ويشهر به أمام الآخرين، خصوصا إذا كان هذا الشخص أنثى؛ كانت جدتي رحمها الله تقول إن أكبر الذنوب التي يرتكبها المرء هو الحديث عن شرف أنثى والتشهير بها، هذا إذا افترضنا أن ما يقوله هؤلاء صحيح، جدتي كانت تؤكد على أن من يتهم آخرين سيُتهم في عِرضه يوما ما؛ لا يهم ما نسبة هذا الكلام من الصحة، لكن الأهم أننا أمام مجتمع لا يتقن شيئا آخر أكثر من إتقانه نهش لحم أخيه غيابا ومعانقته في حضوره..

لو تعلمون كيف  ينتزع هذا المجتمع صفة الإنسان من المرأة، ستدهشون، تصوروا معي أن المجتمع يريد امرأة بدون تجارب باستثناء تجارب الطبخ والأعمال المنزلية، امرأة لا تميز الخطأ من الصحيح، امرأة تقتات على المسلسلات التركية والمكسيكية، وفي آخر المطاف يطالبونها بتربية حسنة للأبناء وإدارة جيدة للبيت ومنح الأسرة حياة مستقرة.. بالله عليكم كيف لأنثى حتى وإن أكملت دراستها الجامعية لم تخبر الحياة خارج بيت أبيها، استقت أغلب ثقافتها من التلفاز والانترنيت، أن تبني أساس المجتمع… هل رأيتهم مهندسا ناجحا اعتمد فقط على الدروس النظرية التي تلقنها في مؤسسة مغلقة!!!

أعلم أن من سيقرأ لحدود آخر كلمة في الفقرة التي سبقت هذه، سيتهمني أني أدعو المرأة لتعدد العلاقات مع الذكور، لا، التجارب يا سادة لا تعني علاقات غرامية مشبوهة، تكون الأنثى فيها الضحية الأولى والأخيرة، فتجدها وهي في سن الزهور كارهة للجنس الذكوري نظرا لما لقيته من غدر وخيانة، أو تجدها تحولت إلى عاهرة بدرجة “كندوز الوقت” إلا من رحم ربي طبعا، التجارب التي أتحدث عنها أقصد بها مدرسة الحياة بحلوها ومرها.. ربما يمر نسيم حب في هذه الأثناء لكنه يبقى جزء من التجارب، تختبر فيها الأنثى أنها إنسان، لها قلب ذو وظيفة أخرى غير ضخ الدم في الشرايين، لن أتحدث كما تتحدث بعض النسوة اللواتي أصبحن يعطين الدروس، بعدما حصلن على صك الغفران، لشابات في مقتبل العمر ينهيْنهنّ عن الحب الحرام… هل هناك فعلا حب حرام وحلال؟؟؟ أم هناك حب وممارسات شهوانية غرائزية ليس لها صلة بالحب!!!

المرأة التي نريد هي أختك وابنتك التي تراها أنت ملاكا نزل من السماء، ويراها الآخر “همزة” تحتاج بعض الوقت لتستوي لتكون وجبة ليلة أو بضع ليالٍ، والعكس صحيح، لكن اعلموا أنه لن تكون هناك امرأة مادام كل تركيزنا على الجنس والعهر، مادمنا لم نرتقِ للإنسانية لنرى المرأة كعقل مفكر وشخصية ومواقف، وليس كجسد، وفي هذا الصدد كنت أناقش مرارا بعض المسؤولين أو بعض الأساتذة الجامعيين، فأجد الواحد منهم لا يعير كلامي اهتماما أكثر من اهتمامه بالنظر إلى تضاريس جسدي،  فكنت أرى عيونهم تدور ك”ترينبو”، في بعض الأحيان كنت أحتج في صمت ولا أكمل النقاش وأرحل، وفي بعض الأحيان كنت انتفض في وجه مخاطبي وأقول أنظر إلى عقلي رجاء فيتفاجأ بطلبي ويعتذر عن شروده، وفي أحيان أخرى كنت أصمت وأتأملهم في اشمئزاز يدعو للغثيان…

لو أعلم أني لو تخليت عن جسدي وقمت بعملية زراعة لعقلي في جسد لا تضاريس فيه ولا ملامح له، ستنظرون إلي كإنسان، ككيان، كروح، كفكر!!! كنت أقدمت على هذه الخطوة، لا أقصد هنا فقط الذكور لكن المجتمع بكل أجناسه، فكما قلت سابقا ليس الرجال فقط من يضعون الأغلال على يدي الأنثى… 

أنا لست حاقدة لكني غاضبة، غاضبة من كل من ينتظرون أن أدير ظهري للنظر إلي كدمية جنسية، غاضبة من كل من يمثل الاستماع إلي وهو يستمع بي، غاضبة من كل من اغتصب براءة أنثى وبدأ ينعتها بالعهر، غاضبة من كل من عاشر مئات النساء وحين يفكر بالزواج يبحث عن عذراء، أنا غاضبة من أخي وأبي وخالي وعمي… الذين ينظرون لنساء الغير أنهن بضاعة ويرونني أني مريم العذراء، أنا غاضبة من المرأة التي تجلس بالساعات أمام المرآة لتخرج لعرض “بضاعتها”.. أنا فعلا حزينة لأني أعيش عقدة الهوية الجنسية!!!

من هي المرأة التي نريد!!!

آسفة، لم أستطع الإجابة عن هذا السؤال… كيف لإنسانة غير سوية مثلي لا زالت تحاول التخلص من عقدها أن تجيب عن سؤال يبقى نسبيا!!!

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.