الصحراء المغربية بين تحدي التنمية وكسب الرهان

الصحراء المغربية بين تحدي التنمية وكسب الرهان

13 نوفمبر 2015 - 19:20

أربعون سنة بالتمام والكمال مرت على تحرير جزء من التراب الوطني من قبضة المستعمر الإسباني بأسلوب يطبعه السلم والكفاح، لتصبح الصحراء المغربية جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني بعد أن انعتقت من قيود مستعمر أثقل كاهلها بظروف اقتصادية واجتماعية هشة ولا إنسانية، وليجد المغرب نفسه أمام تحد النهوض بالأقاليم الجنوبية لمسايرة “ركب التنمية والتطور”.

اندماج رغم التحديات

تمكنت الأقاليم الجنوبية بالمغرب من الاندماج بشكل قوي وسريع في الفضاء الوطني بمختلف تجلياته حيث استطاعت مواكبة جهات المملكة في تحسين المستوى المعيشي للسكان والرفع من التنمية الاقتصادية.

وحسب تقرير للمندوبية السامية للتخطيط تبين أن هذه الجهات انصهرت بكل انسجام في المشهد الوطني، الاقتصادي منه والاجتماعي والثقافي، رغم أن الاندماج يبقى غير شامل نظرا لتأثيرالخصوصية التاريخية للمنطقة.

وحسب المعطيات الأولية للإحصاء العام للسكان والسكنى لشتنبر 2014 فقد حققت هذه الأقاليم نموا سريعا في ميدان تعميم التعليم، حيث انتقل المعدل الخام للتمدرس لدى الفئة العمرية 6-22 سنة من 67,4٪ سنة 2004 إلى 81,8٪ سنة 2014، في حين تطور هذا المعدل، على المستوى الوطني وخلال نفس الفترة، من 56,1٪ إلى 74,9٪. متفوقة على جهات أخرى بالمغرب، إذ بلغت النسبة بجهة الدار البيضاء – سطات 79,3٪ و78,8٪ بجهة الرباط  -سلا- القنيطرة وهي الجهات الأكثر تطورا في هذا المجال.

في نفس السياق ساهمت نسبة تراكم رأس المال البشري في إضفاء ديناميكية خاصة على تطور هذه الجهات مما سيجعلها على رأس الجهات الأكثر تقدما في المملكة من حيث النمو الاقتصادي والتنمية البشرية حسب التقرير، لكن تحدي البطالة شبه المزمنة يبقى قائما حيث يصل معدلها ما بين 2004 و2014، حوالي 24٪، والتي يعاني منها فئة الشباب وحاملي الشهادات.

على صعيد آخر بلغت نسبة التمدن 70٪ في سنة 2004 و77,3٪ سنة 2014، دون أن يكون من شأن حداثة التمدن أن تعتم الآثار الثقافية لديموغرافية ما قبل الانتقال الديموغرافي بهذه الجهات.

منافِسة قوية

أصبحت الأقاليم الصحراوية منافسا قويا لا يستهان به في المجال الاقتصادي حيث أضحت تتبوأ المراتب الأولي إلى جانب الجهات الاقتصادية الكبرى بالمغرب.

إذ يسجل الناتج الداخلي الإجمالي بهذه الجهات، حسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط نموا سنويا متوسطا معدله 8,9٪، متفوقا عن الصعيد الوطني حيث يصل إلى 6,1٪. وبنمو بلغ معدله 5,8٪ في السنة خلال الفترة 2004-2013.

وأشر الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد بهذه الجهات على مستوى تجاوز المعدل المسجل بجهة الرباط – سلا – القنيطرة ومكنه من تبوؤ المرتبة الثانية بعد جهة الدارالبيضاء – سطات، مما سيؤهله، على المدى المنظور، من الاقتراب من المعدل المسجل بجهة الدار البيضاء-سطات البالغ 4,9٪.

وحسب المقاربة المسماة “أكسفورد” المعتمدة من طرف برنامج الأمم المتحدة للتنمية يسجل تراجعا من %18,4 سنة 2001 إلى %4,3 سنة 2014 مقابل %27 و%8,1 على التوالي على الصعيد الوطني، وذلك فيما يخص الفقر المتعدد الأبعاد، والذي يشمل التقدم الاجتماعي ومعيشة وظروف سكن الأسر والتمدرس والصحة. متزامنا مع انخفاض مستوى الفوارق الاجتماعية، بنسبة %10,5 مقابل %4,7 على المستوى الوطني.

وتجدر الإشارة أن مؤشر التنمية البشرية، حقق بهذه الجهات سنة 2014، تقدما بنسبة %11,6. متجاوزا المستوى الذي حققه هذا المؤشر على الصعيد الوطني، مقتربا بذلك من إنجازات جهتي الدار البيضاء – سطات والرباط سلا – القنيطرة في هذا المجال.

وطنية لا تٌفاوض

“تقتضي الوطنية الوفاء للوطن ولتاريخه وهذا ما سار على نهجه سكان الأقاليم الصحراوية حيث عبروا عن وفائهم وإصرارهم على التشبث بمغربية الصحراء”.

ويتضمن تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول النمو الاقتصادي والتنمية البشرية للأقاليم الجنوبية مؤشرات توضح ذلك حيث أنه حوالي 83٪ من الأشخاص المتراوحة أعمارهم ما بين 20 و 59 سنة صرحوا على أن معنوياتهم عالية وأنهم متفائلون بشأن المستقبل وحوالي 72٪ من الأشخاص من نفس الفئة عبروا عن شعورهم بتحسن ظروف عيشهم.

وفي نفس السياق اعتبر61٪ من الأشخاص المنتمين لنفس الفئة العمرية أن السياسات العمومية ساهمت في تحسين ظروف معيشتهم فضلا عن 71٪ من الأشخاص الذين اعتبروا أن مختلف مكونات المجتمع المغربي العرقية والدينية والسياسية والاجتماعية، تعيش في تناغم تام ولا تشوب علاقاتها أية توترات. وأفاد التقرير نفسه أن 68٪ من نفس الفئة العمرية يرغبون في خلق مقاولة أو مشروع خاص بهم.

مخاض لم ينته بعد

ولأن طريق النمو لايخلو من معيقات تحول دون كسب الرهان فإن الجزائر والبوليساريو تعملان جاهدتان من أجل التشويش على سير التنمية بالمنطقة والبقاء في دوامة الصراع رغم اقتراح الحكم الذاتي من طرف المغرب كحل لإنهاء هذه الأزمة التي يبقى الشعب المغاربي ضحيتها الأولى والتي تقف حاجزا أمام الوحدة المغاربية.

وتأتي زيارة الملك محمد السادس للعيون تأكيدا على مغربية الصحراء وحاملة لمشاريع جديدة تروم تنمية الأقاليم الصحراوية، موجها في خطابه بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، رسائل ذات دلالات كبرى تلقن درسا للجزائر وجماعتها البوليساريو.

ويبدو إذا أن الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة تشكل قطيعة مع اقتصاد الريع والبنية الاجتماعية الهشة، فإنها تسير نحو اندماج في الفضاء الوطني وذلك في إطار الجهوية المتقدمة كالتزام سيادي للدولة المغربية.

ليبقى هذا الوليد المتفائل في مخاض لم ينتهي بعد.

إشترك في نشرتنا البريدية وتوصل بمواضيع مثيرة للإهتمام

شارك المقال مع أصدقائك

شارك برأيك

مقالات ذات صلة

رئيس الحكومة الإسبانية لقادة قمة العشرين: المغرب يعاني من “ضغوط الهجرة”

موريتانيا توافق على تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرتها للمقاولين المغاربة

أحداث الكركرات تدفع “النواب” لتخصيص جلسة السياسات العامة للنموذج التنموي بالصحراء

تابعنا على